“اللاّمركزيّة الإداريّة الموسّعة: الإنماء المتوازن والعيش معا” اللقاء الثاني

النوع: 

 

نظّم ملتقى التأثير المدني قبل ظهر اليوم اللقاء الثاني من مسار “الحوارات الصباحية” الشهرية في فندق الجفينور – روتانا الحمرا في حضور نخبة من الشحصيات الأكاديمية والادارية والقانونية والدستورية والثقافية والفكرية والعسكريين المتقاعدين والإعلاميين، وناشطاتٍ وناشطين في المجتمع المدني ورئيس واعضاء الملتقى.

اللّقاء الثاني أتى تحت عنوان “اللاّمركزيّة الإداريّة الموسّعة: الإنماء المتوازن والعيش معا”، بهدف الإضاءة على التطورات المستجدة على هذا المستوى البحث الجاري بشأن سلسلة من اقتراحات ومشاريع القوانين الخاصة باللامركزية الاداريّة الموسّعة والمواقف المتعددة منها، بما يعيد الاعتبار الى “وثيقة الوفاق الوطني” أي الدستور نصًّا وروحا من أجل بناء دولة المواطنة الحرّة والسيدة والعادلة والمستقلّة.

وقائع اللقاء

في بداية اللقاء الذي نقل مباشرة على منصّات وسائل التواصل الاجتماعي الخاصّ بالملتقى، كان النشيد الوطني اللبناني، وبعده فيلمين وثائقيين الأول تناول: “ملتقى التأثير المدني: عشر سنوات/ القضيّة لبنان والإنسان”. والثاني كان ملخّصًا لوقائع اللقاء الاول من مسار هذه الحوارات الذي عقد الشهر الماضي تحت عنوان” جوهر وثيقة الوفاق الوطني المادة 95 من الدستور”.

كلمة نائب رئيس الملتقى الدّكتور عبد السلام حاسبيني

وبعد ذلك القى نائب رئيس الملتقى الدّكتور عبد السلام حاسبيني كلمة رحب فيها بالمشاركين في اللقاء، وقال: “ان اللّقاء الثاني من مسار “الحوارات الصّباحيّة” الذي نعقده اليوم تحت عنوان: “اللاّمركزيّة الإداريّة الموسّعة: الإنماء المتوازن والعيش معا” يشكّل التزاما منا كملتقى بـ “العَوْدة إلى وثيقة الوفاق الوطنيّ (إتّفاق الطّائف) ببنودها الإصلاحيّة كي نستعيد معًا خيار تطبيق الدّستور نصًّا وروحًا، لِبناء دولة المواطنة الحرّة السيّدة العادلة المستقلّة، دولة العَيش معًا”.

وأضاف حاسبيني: “مع اعتِرافِنا في الملتقى بتفوّق هذه الهُموم الماليّة، والاقتصاديّة، والاجتماعيّة على يوميّاتنا، فقد أخَذْنا على عاتِقِنا الانكِباب على مُعالجة مسبِّبات الأزمة، لا عوارِضِها، إذ هو لبنان دولةً وشعبًا يتعرَّضُ لجريمة منظّمة يرتكِبُها تحالُف المافيا – ميليشيا، ما يستدعي منَّا تصويب البُوْصلة لإنقاذه من هذا المستنقع الجُهَنَّمي”.

كلمة شلق

ثم كانت كلمة ميسّرة الحِوار هدى الخطيب شلق، فتحدثت عن الظروف التي قادت إلى “وثيقة الوفاق الوطني” في الطائف لإنهاء الحرب في لبنان، وما وضعته من “مسار واضح للانتقال والعبور من الحرب الى بناء دولة مدنية حديثة”. واشارت الى “ما نالته من الإجماع اللبناني والدعم الإقليمي والدولي على الصعيدين القانوني والسياسي”، الى ان أقرّ مضمون الاتفاق في مجلس الأمن الدولي في بيانيه في 7/11/1989 و 22/11/1989، واللذين أكّد فيهما دعمه لبنود هذا الاتفاق كافة الذي نجح في “تسوية للأزمة اللبنانية بكلّ جوانبها مع ضمان سيادة لبنان الكاملة واستقلاله وسلامة أراضيه والوحدة الوطنية فيه”. قبل ان يقره المجلس النيابي اللبناني من دون أي تحفّظ أو استثناء في جلسته المنعقدة بتاريخ 5/11/1989.

وسألت شلق عن الأسباب التي حالت دون تطبيق الطائف الى أن جاءت ثورة 17 تشرين 2019 التي “نادى فيها المتظاهرون بكل الشعارات التي نادت بها الوثيقة من إصلاحات”. وقد عبر اللبنانيون بكافة تنوعهم عن ذلك “بلغة الشعب الموجوع والمقهور”. ولكن ما زال الحكام يتخاصمون ويتحاصصون. ولفتت الى ان “الاستجابة لهذه المطالب تقتضي السعي الى تطبيق واحدة من اهم الإصلاحات وهي اللامركزية الادارية مع ابقائها ضمن الدولة الواحدة الموحدة بعيداً من أي منحى تقسيمي. وهي التي تتيح المجال لمشاركة المواطن في الانماء المتوازن العادل وكذلك الانصهار الوطني”.

وأكدت شلق “ان اللامركزية كتنظيم إداري، تراعي خصوصيّة الحاجات المحلّية، وتشكل كما “حرصٌ المشرع على أن تحتفظ الدولة المركزية بحصرية الإمرة والصلاحية في مسائل عدة منها الدفاع والنقد والخارجية والعدل والتشريع كما تقوم بعملية التنظيم والتقنين والتوزيع العادل للموارد ضمن المجتمع”.

وانتهت شلق الى التأكيد بانه “وبالرغم من مرور نحو ثلاثة عقود على توقيع وثيقة الوفاق الوطني، لم تأخذ اللامركزية الإدارية طريقها نحو التطبيق، ومازالت موضع جدل وأخذ وردّ”” منبهة الى “مخاطر هذا التردد في ظل الانهيار الكبير الذي لم يسبق له مثيل في تاريخ لبنان”.

كلمة الشاعر

وبعدها قدم المحامي ربيع الشاعر “ورقة عمل اللّامركزيّة الإداريّة والماليّة في لبنان” فتوسع في شرح “اللامركزية الإدارية والماليّة” باعتبارها “أحد تجسيدات الديمقراطية من أجل صحة التمثيل الشعبي وبلوغ الحد الأعلى من التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتسهيل معاملات المواطنين وتمكين كل منطقة من الحصول على حصتها من الانفاق العام وتوفير المزيد من الوقت والتخفيف من الروتين الإداري”.

وبعدها انتقل الشاعر الى تحديد المعايير التي تحكم “اللامركزية الإدارية والمالية” كما يحددها “العلم الإداري” معتبرا أنّ “الإدارة المحليّة المنتخبة، المتمثّلة بالبلديات لا تستوفي جميع شروط اللامركزية الإدارية بمفهومها المعاصر” وهي تشكو “من صعوبة جباية الرسوم ناهيك عن صعوبة السداد إن لم نقل الاستحالة مما يشلّ جميع المبادرات التي تقوم بها. كما ندرة الموارد الماليّة لهذه البلديات”.

وتحدث الشاعر عن مراكز الخلل في الحلول المقترحة فاعتبر أن “طرح النواب في مؤتمر الطائف لم يكن موفقاً”، إمّا “عن تقصير وإمّا لغاية في نفس أهل النظام السياسي وهو مركزيٌ بامتياز”. فاللامركزية تشترط بان “تكون مجالس السلطات اللامركزية منتخبة من الشعب ولا تمثل إلاّ إرادته”، وربما انهم “خافوا من فقدان سيطرتهم على السلطة لمصلحة الإرادة الشعبية، ولم تكن لهم رؤيا مستقبلية لمسائل الحكم”.

وتناول الشاعر النظرة الى الدور الاقتصادي والاجتماعي للإدارات المحلية المنتخبة وأهمية استقلالها المالي. ولفت الى مجموعة من الآراء المتناقضة بين من يتخوف من “الإفراط في اللامركزية الإدارية لدرجة الوصول إلى استقلالية واسعة للمناطق، تهدّد الوحدة الوطنية”. وآخرين “يغالون بالمطالبة باللامركزية الإدارية واسعة الصلاحيات كضمانة للمبادرة الفرديّة وللاقتصاد الحرّ وبالتالي للازدهار والتطوّر”. وما بينهما فئة ثالثة تدعو “إلى اختيار حلّ وسطي يؤمن لبلدٍ كلبنان اللامركزية الإدارية كأفضل وسيلة للتعبير عن رغبات مجموعة من الناس وتلبية حاجات منطقة معيّنة شرط أن تحتفظ الدولة بدورها في المراقبة والتنسيق وتوزيع الثروات من أجل بسط العدالة الاجتماعية بين الجميع”.

واعتبر الشاعر أن الإنماء المتوازن كان وسيبقى “على مسؤولية الدولة بالتوافق مع الجميع”. فهي مكلفة بتوزيع الثروات بشكل عادل وضبط المالية العامة”. لافتا الى أهمية “المعايير العلمية التي تأخذ بعين الاعتبار الحاجات الاقتصادية والاجتماعية”، ومنها مثلاً “مقارنة معدلات النمو الاقتصادي لهذه المناطق والدخل الفردي فيها والبطالة والتطور والإنتاج ونقاط ضعف كلّ منها”.

واستنادا إلى المعطيات التي عددها، دعا الشاعر إلى “عدم الخلط بين الفدرالية واللامركزية واللّاحصريّة، وحصر دور الدولة بواجباتها الأساسية ومن ضمنها تأمين الانسجام الوطني والإنماء المتوازن بين مختلف المناطق. وتعزيز دور السلطة المركزية” وكل ذلك يجري من خلال إنشاء وزارة مستقلة للمجالس المحلية والتنمية الإدارية، ووزارة للتخطيط أو مجلس للإنماء المتوازن وتحديد الوظيفة الاقتصادية لكل قضاء من خلال وضع استراتيجية لا تتنافس فيه الأقضية فيما بينها بل تتكامل”. وأضاف الشاعر: من الضروري تفعيل الحكومة الالكترونية والحوكمة ومكافحة الفساد، تفعيل قانون الشراء العام والمديرية العامة للاحصاءات، إنشاء هيئة إشراف مستقلة على الانتخابات، تعديل النظام الضرائبي وتفعيل الجباية وإعداد الموظفين وتدريبهم وانشاء المحاكم الادارية في الأقضية وتنظيم وتوزيع المرافق والخدمات العامة للدولة بشكل عادل بين كافة الاقضية وإلغاء منصب القائمقام وتعزيز دور المحافظ. وإجراء تقسيمات إدارية على أساس معطيات اقتصادية اجتماعية وديموغرافية”. كما اقترح الشاعر “إنشاء جهاز شرطة مهمته حفظ الأمن على مستوى القضاء. وإعادة النظر في قانون انتخاب المجالس المحلية على النحو الذي يتيح للناخبين الاقتراع بحسب مكان إقامتهم. وإضافة صلاحيات أخرى على اختصاصات المجالس المحلية منها صلاحيات القائمقام بعد إلغاء هذه الوظيفة وإنشاء وتطوير البنى التحتية، مروراً بانتاج الطاقة والمشاريع ذات الطبيعة الاقتصادية وتنظيم النقل العام والخاص ووضع التصاميم العائدة للقضاء والمخطط التوجيهي العام بعد موافقة البلديات كل ضمن نطاقها”. وأشار الشاعر “إلى أهميّة تعديل الصلاحيات المالية والادارية للمجالس المحلية المنتخبة لتفادي الازدواج الضريبي وأن تكون موزعة بين الضرائب على الدخل والقيمة المضافة والأملاك المبنيّة. وزيادة معدلات 25 رسماً بلدياً، والسماح للمجالس المحلية باقتراض الأموال من القطاع الخاص واعتماد آلية لإعداد الموازنات وتطوير نظام محاسبة موحد وتعميمه وإلغاء الوصاية والرقابة الإدارية المسبقة واعتماد الرقابة اللاحقة التي تضمن للمجالس المحلية المنتخبة حريّة المبادرة وإنشاء فروع محلية لديوان المحاسبة العامة في الأقضية لضمان الشفافية وللحدّ من الفساد والتفريط بالمصلحة العامة”. وخلص الشاعر الى القول: “إن تحقيق الغاية المرجوة من اعتماد اللامركزية الإدارية بشقها الاقتصادي – المالي لا يمكن أن يتم إلا في إطار عملية اصلاحية متكاملة سياسيًّا، واقتصاديًّا وإدارياً وقضائياً. فالإصلاح كلٌّ متكامل يحقّقه التلاقي بين الإرادتين السياسية والشعبية”.

كلمة نائب رئيس ملتقى التأثير المدني الدّكتور عبد السلام حاسبيني

السيّدات والسّادة،

ها نحنُ وإيّاكُم نلتقي بفرحٍ في اللّقاء الثاني من مسار "الحوارات الصّباحيّة" تحت عنوان: "اللاّمركزيّة الإداريّة الموسّعة: الإنماء المتوازن والعيش معا"، وقد آلَيْنا على أنفُسُنا في "ملتقى التأثير المدني" العَوْدة إلى وثيقة الوفاق الوطنيّ (إتّفاق الطّائف) ببنودها الإصلاحيّة كي نستعيد معًا خيار تطبيق الدّستور نصًّا وروحًا، لِبناء دولة المواطنة الحرّة السيّدة العادلة المستقلّة، دولة العَيش معًا.

يجب علينا الاعتراف أنّ الهموم الماليّة، والاقتصاديّة، والاجتماعيّة، باتت تفرُض ذاتَها على يوميّاتنا بل حتّى على آفاقِنا، لكنّنا في "ملتقى التأثير المدني"، ومع اعتِرافِنا بتفوّق هذه الهُموم، فقد أخَذْنا على عاتِقِنا الانكِباب على مُعالجة مسبِّبات الأزمة، لا عوارِضِها، إذ هو لبنان دولةً وشعبًا يتعرَّضُ لجريمة منظّمة يرتكِبُها تحالُف المافيا-ميليشيا، ما يستدعي منَّا تصويب البُوْصلة لإنقاذه من هذا المستنقع الجُهَنَّمي، وافتتاح مسار بناءِ سياساتٍ عامَّة تُطبّقها الحوكمة الرّشيدة، وهذا يقع في صُلْب هدف ورسالة "ملتقى التأثير المدني"، فنحنُ في زمن إعادة تكوينِ السُّلطة واسترداد الدّولة.

السيّدات والسّادة،

مسار "الحوارات الصّباحيّة" مُنْطَلَقُ فِكرٍ تغييريّ إصلاحيّ لِفعلٍ تغييريّ إصلاحيّ، ولمّا كُنّا قد آلينا على أنفُسُنا التّفكير العملانيّ المُعمّق في الإصلاحات البنيويّة، وبعد أن أطللنا في اللّقاء الأوّل على المادّة 95 من الدّستور آفاقًا وتعطيلًا، نُطِلّ اليوم على إصلاحٍ مؤسِّس في الإنماء المتوازن والعيش معًا، وهو اللّامركزيّة الإداريّة الموسّعة، عسى نَغوص فيه لخدمة القضيّة اللُّبنانيّة والإنسان، فتعود العقلانيّة والحكمة والصّلابة والنّزاهة رأس حربة لِقيام دولة المواطنة، دولة الحقّ والعدل. هذا عهدٌ علينا ووعد.

عُشتم وعاش لبنان

كلمة الأستاذة هدى الخطيب شلق / ميّسرة الحوار

امّا بعد أكثر من خمسة عشر عاماً على اندلاع الحروب في لبنان والاف القتلى والجرحى والتدمير الكبير على كافة الصعد، جرى التفاوض في الطائف بالمملكة العربية السعودية بين ممثلي الشعب اللبناني. حوار وتفاوض أثمر عن وثيقة الوفاق الوطني التي أنجزت لإنهاء الحرب الأهلية اللبنانية المستمرة منذ عقود، كما وضعت مسارا واضحا للانتقال والعبور من الحرب على كافة اشكاله الى بناء دولة مدنية حديثة. وُقِع الاتفاق في 22 تشرين الأول 1989 وصدق عليه البرلمان اللبناني في 5 تشرين الثاني 1989 بالإضافة الى الإجماعً البرلمانيً اللبنانيً نالت هذه الوثيقة دعما إقليميا ودوليا بارزا على الصعيدين القانوني والسياسي ذلك نتيجة مناخ إقليمي ودولي مؤاتٍ من دون أية مواجهات إقليمية وتجاذبات دولية حادة مما سهّل صياغتها وإقرارها ووّفر لها الدعم العربي والدولي المناسبين. فأقرّ مضمون الاتفاق مجلس الأمن الدولي في بيانيه في 7/11/1989 و 22/11/1989، واللذين أكّد فيهما دعمه لبنود هذا الاتفاق كافة الذي نجح في «تسوية للأزمة اللبنانية بكلّ جوانبها مع ضمان سيادة لبنان الكاملة واستقلاله وسلامة أراضيه والوحدة الوطنية فيه». كما أكّد مجلس الأمن كذلك على أن اتفاق الطائف «هو الدعم الأساسي والضمان لحرية واستقلال ووحدة لبنان». وبدوره دعم المجلس الأوروبي المعلن في 9/12/1989 تأكيده على تشبثه باتفاق الطائف وعبّر «عن اقتناعه بعدم وجود بديل وذلك في الظروف الحالية للعملية التي يرتئيها الاتفاق من أجل تحقيق الوفاق الوطني والسلام". كذلك حرص الدستور اللبناني على التزام ميثاقيْ الجامعة العربية وهيئة الأمم المتحدة، كما أكّد التزامه أحكام الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كافّة وحرص على أن تجسّد الدولة هذه المبادئ في جميع الحقول والمجالات دون استثناء. بذلك تكون وثيقة الوفاق الوطني كما تعهّدتها اللجنة الثلاثية العربية (المغرب والجزائر والسعودية) قد شكلت الإطار السياسي والقانوني والذي وافقت عليه الدول العربية الأخرى كافة.

اما الأهم فإن المجلس النيابي اللبناني صدّق، في جلسته المنعقدة بتاريخ 5/11/1989، على هذا الاتفاق اي وثيقة الوفاق الوطني، من دون أي تحفّظ أو استثناء. وهذا يعني أن الاتفاق بكامله يكتسب صفة قانونية ملزمة، حتى البنود التي لم تدخل في الدستور. كما ان مقدمة هذا الدستور كرست القوة الدستورية لهذا الاتفاق بالتأكيد على ان «لا شرعية لأية سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك". اما اتفاق الطائف فقد جاء بعدما دفع اللبنانيون اثمانا باهظة من حروب وويلات المت بهذا الوطن. ولعل ما عزز بقاء هذا الوطن رغم كل تلك الاثمان الباهظة هو الأسس الميثاقية المبنية على تجارب تاريخية في مواجهة التحديات الداخلية والاقليمية والدولية والتي تبلورت منذ الميثاق الوطني العائد للعام 1943و المتمثلة في البيان الوزاري الأول الذي صدر في 8/11/1943, والذي قُدّم إلى المجلس النيابي اللبناني كـ «وثيقة استقلال". ومن الملفت انه بعد حوالي نصف قرن على هذا البيان الوزاري الأول، جاء اتفاق الطائف للعام 1989 ليؤكّد على تلك الأسس الميثاقية التي أوردها هذا الأخير أو حدّد مفاصلها الأساسية، وان كان قد تم تجاهل هذه الأسس او اسيئ استعمالها في الكثير من الأحيان.

فماذا بعد؟

ولماذا لم يطبق اتفاق الطائف؟

لقد جاء اتفاق الطائف كسلة متكاملة من الإصلاحات التي يمكنها ان تعبر بلبنان من كل ما حل به ماسي الى الاستقرار والانماء الاقتصادي والسياسي. اما في 17 تشرين 2019 فقد نزل اللبنانيون الى الساحات وهتفوا وحملوا كل الشعارات التي ينادي مضمونها بكل تلك الإصلاحات. عبر اللبنانيون بكافة تنوعهم عن ذلك بلغة الشعب الموجوع والمقهور. ولكن ما زال الحكام يتخاصمون ويتحاصون، والشعب يريد العيش الكريم والعدالة والانماء المتوازن والتنمية والمساواة والمشاركة في صنع المستقبل للأجيال القادمة، بعيدا عن الفقر والعوز والجهل والظلم والتهجير وتفريغ الوطن من طاقاته وادمغته وضرب مؤسساته وتفكيك اداراته.

اما الاستجابة لهذه المطالب فيمكن تنفيذها من خلال تطبيق ما ورد في وثيقة الوفاق الوطني وبشكل خاص عندما تطبق هذه الإصلاحات كسلة متكاملة تحقق هدفها في العبور من حالة الانقسامات وانهيار الدولة الى بناء دولة المواطنية.

واحدة من اهم الإصلاحات التي وردت في اتفاق الطائف والتي تتيح المجال لمشاركة المواطن في الانماء المتوازن العادل وكذلك الانصهار الوطني الذي يشكّل هدفًا أساسيًا لا يمكن تحقيقه من دون السماح لكل فرد ومجموعة المشاركة بالإدارة بشكل فعّال، هي اللامركزية الادارية التي تعطي أوسع الصلاحيات للمناطق، مع ابقائها ضمن الدولة الواحدة الموحدة بعيداً من أي منحى تقسيمي.

من جهة تعتبر اللامركزية كتنظيم إداري، واحداً من أهم مبادئ حكم الأكثرية التي تقوم عليها الديمقراطية. وتكتسب اللامركزيّة الإدارية أهميتها من انها تراعي خصوصيّة الحاجات المحلّية وتمايزها فتترك الحكومة المركزيّة قضية إدارة الشؤون المحليّة لهيئات منبثقة من الشعب في وحدات الإدارة المحلية، انطلاقا من ان أبناء هذه المناطق هم أدرى بحاجاتهم وأقدر على حلّ مشاكلهم من الموظفين الذين تعيّنهم الحكومة المركزية والذين يرتبطون بها مباشرةً، بتسلسل إداري هرمي قد يقارب الروتين الإداري في اغلب الأحيان.

تعتبر اللامركزية الادارية معبرًا نحو التنمية وتطوير الحياة الاقتصادية في المحافظات والأقضية، من تطوير السياحة والاقتصاد والزراعة وغيرها وتنمية المجتمع ونشر التوعية الاجتماعية، تطبيقا لمقدّمة الدستور اللبناني الذي ينصّ في الفقرة "ز" منه أنّ "الإنماء المتوازن ثقافيًا واجتماعيًا واقتصاديًا ركن أساسي من أركان وحدة الدولة واستقرار النظام".

من جهة أخرى، فقد نصّت الفقرة "ط" من المقدمة، أنّ: "أرض لبنان أرض واحدة لكل اللبنانيين (...) فلا فرز للشعب على أساس أي انتماء كان ولا تجزئة ولا تقسيم ولا توطين". بموازاة هذه الفقرة، نصّت المادّة الأولى من الدستور على أنّ "لبنان دولة مستقلة ذات وحدة لا تتجزأ وسيادة تامة". بالتالي إنّ المشروع الذي يتمتّع بخلفية ميثاقية هو المشروع الذي يحافظ على وحدة الدولة بعيدًا من التقسيم، ويتجه إلى إدارة التنوّع ضمن الوحدة الوطنية. كما يحافظ على العيش المشترك فيأتي بالتالي متوافقًا مع الفقرة "ي" من مقدّمة الدستور التي رفعت الشرعية عن أي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك.

وفي بند اللامركزية الإدارية حرصٌ المشرع على أن تحتفظ الدولة المركزية بحصرية الإمرة والصلاحية في مسائل عدة منها الدفاع والنقد والخارجية والعدل والتشريع كما تقوم بعملية التنظيم والتقنين والتوزيع العادل للموارد ضمن المجتمع، وتراقب وتعمل على تصحيح كل اعوجاج وعلى محاسبة كل انحراف.

وإذا كانت اللامركزيّة الإدارية تعطي فعلاً أوسع الصلاحيات للمناطق، ضمن الدولة الواحدة الموحدة بعيداً من أي منحى تقسيمي، فمشروع اللامركزية الادارية ينطلق من عدة نقاط أهمها:

- يستحدث مجالس منتخبة بالكامل مع إعطاؤها الاستقلال الإداري والتمويل والواردات اللازمة لعملها ويحصر الرقابة إلى أقصى حد ويجعلها لاحقة لا مسبقة.

- يبقي على البلديات كوحدات لامركزية أساسية ولا يمس بصلاحياتها أو بأموالها ويعتمد القضاء كمساحة لامركزية، نظراً الى شرعيته التاريخية والى تأمينه الحاجات التنموية.

- يستحدث صندوقاً لا مركزيا يحل محل الصندوق البلدي المستقل ويكون أعضاء مجلسه منتخبين ويعمل وفقاً لقواعد منهجية ولمعايير موضوعية تراعي ضرورة الإنماء المتوازن وتحفيز النمو المحلي.

لقد برزت المطالبة باللامركزية الإدارية في لبنان كعنوان إصلاحي منذ الستينيات، نتيجة الشكوى من تفاوت النمو الاقتصادي والاجتماعي بين المناطق، وخلال سنوات الحرب الأهلية ظهرت مطالب بتبني اللامركزية السياسية، عارضها مطلب آخر بتبني اللامركزية الإدارية كسبب لمنع تقسيم لبنان.

لكن وبالرغم من مرور نحو ثلاثة عقود على توقيع "وثيقة الوفاق الوطني"، لم تأخذ اللامركزية الإدارية طريقها نحو التطبيق، ومازالت موضع جدل وأخذ وردّ، بالرغم من ان اتفاق الطائف حرص على أن تكون هذه اللامركزية إدارية بحتة من دون أن تتوسّع إلى أي نطاق آخر. والواقع أن هذا البند الإصلاحي الأساسي ينعكس إيجابًا على تحديث الإدارة العامّة، اعتماد قانون انتخاب أكثر تمثيلًا وعلى تنفيذ سياسة إنمائية متوازنة. على الرغم من أن اللامركزية الإدارية كانت موضع دراسات ومقالات وكتب عديدة من قبل باحثين متخصّصين وناشطين في المجتمع المدني طوال السنوات الماضية، إلّا أن هذا الاصلاح لم يدخل حيّز التنفيذ لغاية اليوم. بموازاة هذه الدراسات، هناك عدّة مشاريع واقتراحات قوانين جرى تداولها بهذا الخصوص، إلا أنّ أيًا منها لم يسلك دربه إلى الإقرار. ولم يقترن الإصلاح السياسي والإداري في لبنان بتطبيق تشريعي، على الرغم من بروز عدد من مشاريع واقتراحات القوانين التي طرحت وجرى التداول بها منذ العام 1990 لم تستطع الحكومات اللبنانية المتعاقبة لغاية الساعة أن تعتمد أي قانون يراعي هذا التقسيم المطلوب والجامع بين اللاحصرية في صلاحية المحافظين واللامركزية في انتخاب مجالس أقضية. علما ان هذه اللامركزية هي إدارية بحتة من دون أن تتوسّع إلى أي مجال آخر.

اما بعد،

ورغم هذا الانهيار الكبير الذي لم يسبق له مثيل في تاريخ لبنان وفي العديد من دول العالم، الم يحن الوقت للانتقال الى تطبيق اللامركزية الإدارية ولو بالياتها الأولية ومن ثم الانتقال الى مرحلة التقويم والتطوير بما يلبي مصلحة اللبنانيين. هذا مع اعادة التأكيد على ان اتفاق الطائف هو وثيقة وطنية متكاملة لا تثمر نتائجها الا بقدر تطبيقها كوحدة متكاملة. فهل اصبحت اللامركزية الإدارية من ضمن البنود الإصلاحية المؤجّلة والتعابير المستهلكة؟ وما هي أسباب التأخير في بت إصلاح اللامركزية الإدارية كلّ هذه الفترة؟ فهل المعوقات إدارية تنظيمية فقط أم هي سياسية لها علاقة بنظرة بعض اللبنانيين لموضوع اللامركزية الإدارية، اللّاحصرية وكذلك الفيديرالية، وربما أيضا بنظرة البعض لاتفاق الطائف برمته.

اللامركزية الإدارية هي بند أساسي من بنود وثيقة الوفاق الوطني. وهي مدخل هام لمشاركة المواطن بالإدارة بشكل فعال مما يعزز شعوره بالعدالة والانتماء والمساواة والانماء المتوازن والتنمية المستدامة وتعاونه ومشاركته وتفاعله مع أبناء وطنه دون تمييز على قاعدة الشفافية والمراقبة والمحاسبة في ظل دولة مدنية وحكم رشيد. ذلك ان كل ما زال الغبن عن المواطن كلما اتجه الى قبول الراي الاخر، الى التسامح وترسخت مواطنيته وانسانيته كما تقتضي بذلك رسالة لبنان وجوهره الحضاريّ.

ورقة عمل المحامي ربيع الشّاعر

مقدمة

إن اللامركزية الإدارية و المالية هي أحد تجسيدات الديمقراطية من أجل صحة التمثيل الشعبي وبلوغ الحد الأعلى من التنمية الاقتصادية والإجتماعية وتسهيل معاملات المواطنين وتمكين كل منطقة من الحصول على حصتها من الانفاق العام وإطلاق قدراتها لتضيف من خلال مبادراتها ما تستطيع إنتاجه من الموارد وتوفير المزيد من الوقت والتخفيف من الروتين الإداري. وعليه فإن اللامركزية الإدارية و المالية باتت تشكل شرطاً ضرورياً لتحقيق أيّ عملية إصلاح إداري جدّية وفعّالة. أما معايير اللامركزية الإدارية وكما يحددها العلم الإداري فتستند إلى سلطة محلّية منتخبة يحدّد القانون صلاحياتها على أن تتمتّع هذه السلطة بالشخصية المعنوية المستقلة عن شخصية الدولة على الرغم من أنها جزء منها. ومن الضروري أن يكون لهذه السلطة استقلالاً إدارياً ومالياً، أي امكانية إدارة أموالها وشؤونها دون الحاجة للعودة إلى السلطة المركزية إلا استثناءً على أن تحتفظ السلطة المركزية بحق الرقابة اللاحقة.

الإدارة المحليّة في لبنان

إن الإدارة المحليّة المنتخبة، المتمثّلة بالبلديات لا تستوفي جميع شروط اللامركزية الإدارية بمفهومها المعاصر. وهي بالتالي غير قادرة على لعب دورها الريادي بإطلاق عجلة الاقتصاد المحلّي والتنمية الاجتماعية تلبيةً لحاجات السكّان والهيئات الاقتصادية والاجتماعية ضمن إطارها الجغرافي. فالبلديات تشكو من صعوبة جباية الرسوم والقيود القانونية على الصلاحيّات وخضوع الانفاق للموافقة والرقابة المسبقة ومن انعدام الشفافية باحتساب المستحقات من الصندوق البلدي المستقل ناهيك عن صعوبة السداد إن لم نقل الاستحالة مما يشلّ جميع المبادرات التي تقوم بها. هذا عدا عن ندرة الموارد الماليّة لهذه البلديات التي وبحسب دراسة للمركز اللبناني للدراسات يعتبر 88% منها أن أولوية حاجاتها تكمن في زيادة هذه الموارد. ففي الدول المتقدمة تشكلل حصّة الضرائب المحليّة 60% من مجموع الواردات العامة للإدارات المحليّة بينما تنخفض نسبة مساهمات الدولة إلى 23% من مجموع هذه الواردات.

حلول الطائف

تداركاً لهذا الوضع، نصّت وثيقة الوفاق الوطني في باب الاصلاحات على اعتماد خطة إنمائية موحّدة شاملة للبلاد، وقادرة على تطوير المناطق اللبنانية وتنميتها اقتصادياً واجتماعياً، وتعزيز موارد البلديات والبلديات الموحّدة واتحاد البلديات بالإمكانيات المالية اللازمة، كما نصّت على توسيع صلاحيات المحافظين والقائمقامين، وتمثيل جميع إدارات الدولة في المناطق الإدارية على أعلى مستوى ممكن تسهيلاً لخدمة المواطنين وتلبية لحاجاتهم محليّاً. وكذلك اعتماد اللامركزية الموسّعة على مستوى الوحدات الإدارية الصغرى (القضاء وما دون)، عن طريق انتخاب مجلس لكل قضاء يرأسه القائمقام، تأميناً للمشاركة المحليّة، هذا مع العلم أن أيّاً من هذه التدابير الاصلاحية لم تصدر في قوانين عن المجلس النيابي بعد.

مراكز الخلل في هذه الحلول

من الواضح أن طرح النواب في مؤتمر الطائف لم يكن موفقاً، إمّا عن تقصير وإمّا لغاية في نفس أهل النظام السياسي وهو مركزيٌ بامتياز. فاللامركزية الإدارية وكما ذكرنا سابقاً تشترط حُكماً ان تكون مجالس السلطات اللامركزية منتخبة من الشعب ولا تمثل إلاّ إرادته، فيبقى هو وحده الرقيب الأول والأخير عليها. لذلك وباقتراح وثيقة الوفاق الوطني تعيين قائمقامٍ على رأس مجلس القضاء المنتخب، تكون السلطة المركزية قد لجأت إلى حل اعتمدته فرنسا منذ 40 عاماً بالتحديد وعادت عنه سنة 1982 لصالح تطبيق مبدأ اللامركزية الإدارية عن طريق الاحتكام إلى الشعب كمصدرٍ وحيد للسلطات وانتخاب جميع رؤساء وأعضاء مجالس الأقضية والمحافظات لديها. لقد اجتزأت اصلاحات الطائف الحلول وابقت على لا حصرية مقنّعة وأغلب الظنّ أن النواب الذين وضعوا وثيقة الوفاق تحت ضغوط الأحداث آنذاك خافوا من فقدان سيطرتهم على السلطة لمصلحة الإرادة الشعبية، ولم تكن لهم رؤيا مستقبلية لمسائل الحكم. فمع اللامركزية الإدارية وبالتالي الاستقلالية المالية للبلديات، تمتلك النُخب التي تفرزها الانتخابات المحليّة سلاحاً شرعياً يحررها من هيمنة الإقطاع السياسي والنزعات الطائفية، ويُخضعها فقط للمحاسبة على أساس حُسن الإدارة ومعايير علمية مما يثير مخاوف التقليد السياسي والعائلي والطائفي من خروج المجتمع عن طاعته.

ومن المآخذ الأخرى على الحلول التي اعتمدها الطائف أنه أبقى على الغموض حول الصلاحيّات الماليّة للبلديات ولم يجزم بإعطائها الاستقلالية المالية من خلال منحها الحريّة في تحديد مطارح ومعدّلات بعض الضرائب المحليّة. كما أنه أبقى على اتحاد البلديات لتصبح اللامركزية الإدارية (إذا استطعنا تسميتها كذلك) على مستويات ثلاثة (البلدية – اتحاد البلديات – مجلس قضاء) في بلد صغير بمساحته الجغرافية ومحدود بموارده المالية مما ينذر بتشابك الصلاحيات وتعقيد الأمور في جباية الضرائب المحليّة وتوزيعها ويهدد بزيادة الكلفة على المواطن.

الدور الاقتصادي والاجتماعي للإدارات المحلية المنتخبة وأهمية استقلالها المالي

ينقسم الفكر السياسي الغربي إلى اتجاهات ثلاثة في موقفه من اللامركزية الإدارية والاستقلال المالي للسلطات اللامركزية:

- اليساريون الذين يحذّرون من الإفراط في اللامركزية الإدارية لدرجة الوصول إلى استقلالية واسعة للمناطق، تهدّد الوحدة الوطنية وتؤدي إلى تزايد الشرخ الاقتصادي والاجتماعي بين المناطق وتضرب مبدأ العدالة والمساواة بين جميع المواطنين.

- الليبراليون وهم يغالون بالمطالبة بلامركزية إدارية واسعة الصلاحيات كضمانة للمبادرة الفرديّة وللاقتصاد الحرّ وبالتالي للازدهار والتطوّر.

- أما الفئة الثالثة، ونحن نؤيدها، فتدعو إلى اختيار حلّ وسطي يؤمن لبلدٍ كلبنان اللامركزية الإدارية كأفعل وسيلة للتعبير عن رغبات مجموعة من الناس وتلبية حاجات منطقة معيّنة شرط أن تحتفظ الدولة بدورها في المراقبة والتنسيق وتوزيع الثروات من أجل بسط العدالة الاجتماعية بين الجميع.

لقد أعطى المرسوم الاشتراعي 118/1977 البلديات صلاحيات واسعة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية كأن تنشئ أو تدير عدداً من الأعمال أو المشاريع كالمتاحف والمدارس والمستشفيات العمومية والمؤسسات الاجتماعية والثقافية والاسواق العامة، وذلك على سبيل المثال لا الحصر. ولكن المشترع اللبناني أعطى بيدٍ وأخذ باليد الأخرى من خلال فرضه الرقابة المسبقة ولو استثنائياً وعدم إعطائه الاستقلالية المالية لهذه البلديات. كما يمكن إضافة صلاحيات أخرى على هذه الاختصاصات منها صلاحيات القائمقام بعد إلغاء هذه الوظيفة وإنشاء وتطوير البنى التحتية، مروراً بانتاج الطاقة والمشاريع ذات الطبيعة الاقتصادية والشراكة بين القطاعين العام والخاص والتدريب المهني ووضع خطة انمائية للقضاءوتنظيم النقل العام والخاص ووضع التصاميم العائدة للقضاء والمخطط التوجيهي العام بالتعاون مع المديرية العامة للتنظيم المدني وبعد موافقة البلديات كل ضمن نطاقها.

أيُّ ضريبةٍ محليّة، ولماذا؟

السؤال المطروح: هل من المفضّل اعتماد النظام الفرنسي نفسه وإعطاء الإدارات المحليّة في لبنان الحق بجباية ضرائب محليّة يكون لها الاستقلالية بتحديد مطارحها ومعدلاتها؟

يختلف الجواب باختلاف الأهداف المرجوّة من هذه الضريبة المحليّة، فهل المطلوب الحدّ من الهدر وتشجيع الاستثمارات وبالتالي تفعيل الحركة الاقتصادية؟ أم أن المطلوب المساواة بين المواطنين المكلّفين دفع الضرائب واحترام حريتهم في اختيار مكان سكنهم؟

تختلف الإجابة أيضاً باختلاف المكلّفين بالضريبة المحليّة هل هم من الأفراد أو من الشركات؟ ووفق أي معايير؟ وهل يجب أن توضع الضريبة على الأبنية أم على الدخل أم على الاستهلاك؟

في المبدأ إن تمويل الجزء الأكبر من موازنات الإدارات المحليّة من خلال اللجوء إلى الضرائب المحليّة (ولو حصرت صلاحياتها بتحديد مطارح ومعدلات هذه الضرائب) هو عامل أساسي وضروري لتفعيل اللعبة الديمقراطية من خلال تحميل المجالس المُنتخبة مسؤولية سياساتها أمام الرأي العام المحلّي. إذ أنه في كلّ مرّة يقرر هؤلاء رفع نسبة هذه الضرائب، يكونون ملزمين بأن يعلّلوا وبشكل واضح وشفّاف الاسباب التي تدفعهم إلى ذلك تحت طائلة المحاسبة في الانتخابات المقبلة. وبالتالي نكون قد حدّينا من تضخم النفقات العامة غير الضرورية أو تلك التي ينعدم التوافق التام حولها.

كما تصبح المجالس المنتخبة ملزمة بالمخاطرة بشكل موزون في مشاريعها الإنمائية، فإذا نجحت هذه المشاريع تموّل ذاتها بذاتِها ويرتد صداها إيجاباً على الناس. أمّا إذا فشلت فيتم اللجوء حينذاك إلى رفع الضرائب وبالتالي خطر المحاسبة من جديد أمام الناخبين.

إذاً في اعتماد الضريبة المحليّة وقعٌ كبير على طريقة إدارة الإدارات المحلية واتخاذ القرارات فيها. وهذا غير متوفر حين تعتمد هذه الأخيرة في موازنتها وإدارتها على المساعدات والرقابة المركزية. في حال استقر الرأي على اعتماد مبدأ الضريبة المحليّة، من الضروري أن يحدد المشترع الضريبة ونوعيتها ومعدلاتها القصوى وذلك بقانون يراعي العدالة الاجتماعية قدر المستطاع.

يمكن ان تعتمد واردات السلطات اللامركزية على ما يلي:

- الرسوم (تراخيص، سجل عقاري...)

- الضرائب ( الأملاك المبنية وغير المبنية، ضريبة الدخل، ضريبة على الربح العقاري، الاشتراكات على القيمة المضافة للشركات، الضريبة المقطوعة على الشركات، الضريبة على رفع النفايات...)

- إيرادات الأملاك العامة والخاصة أو مداخيل الاستثمارات

- علاوات اشتراك واستهلاك المياه والكهرباء والهاتف

- الهبات والوصايا والغرامات

- الصندوق اللامركزي

الإنماء المتوازن من مسؤولية الدولة بالتوافق مع الجميع

إن مبدأ الإنماء المتوازن يرتكز عل إعادة توزيع الثروات بشكل عادل وضبط المالية العامة. فإذا كانت اللامركزية الإدارية هي ترك خيار إدارة الشؤون المناطقية لمجالس منتخبة وخضوعها لرقابة الناخبين – المكلّفين وضرورة تمتعها باستقلالية مالية وموارد، فإن هذه الإدارات المحليّة لا تملك جميعها الموارد الكافية لتلبية حاجاتها. وهنا يبرز دور المجلس النيابي والدولة لسدّ هذا العجز وتأمين العدالة والمساواة في الإنماء.

من هنا أيضاً تنشأ الضرورة لوضع معايير علمية تأخذ بعين الاعتبار هذه الحاجات الاقتصادية والاجتماعية ومنها مثلاً مقارنة معدلات النمو الاقتصادي لهذه المناطق والدخل الفردي فيها والبطالة والتطور والإنتاج والأبحاث إذا أمكن والفقر وخصوصيات ونقاط ضعف كلّ منها والمواصلات والكثافة والخدمات...

وهذه العدالة الإنمائية يضمنها عامودياً "مجلس القضاء" بين البلديات التي يتألف منها. أما أفقياً، فالإنماء المتوازن بين جميع الأقضية، وكما ذكرنا، يبقى من مسؤولية الدولة. ويمكن ان يتم ذلك من خلال إنشاء صندوق يموّل من موازنات الأقضية بالنسبة للمشاريع المشتركة فيما بينها ومن قبل الدولة عن طريق مساهمات تدفع للأقضية والبلديات.

بناء على ما تقدم نسوق الاقتراحات التالية:

1. عدم الخلط بين الفدرالية واللامركزية واللاحصرية

2. حصر دور الدولة بواجباتها الأساسية ومن ضمنها تأمين الانسجام الوطني والإنماء المتوازن بين مختلف المناطق.

3. تعزيز دور السلطة المركزية من خلال:

• إنشاء وزارة مستقلة للمجالس المحلية والتنمية الإدارية.

• إنشاء وزارة للتخطيط أو مجلس للإنماء المتوازن مهمته التخطيط والمساعدة على ابتكار طرق جديدة لتمويل المشاريع بين القطاع العام والخاص وتحديد الوظيفة الاقتصادية لكل قضاء من خلال وضع استرتيجية تحددها الدولة بالتوافق مع الإدارات المحليّة والمجتمع المدني بشكل لا تتنافس فيه الأقضية فيما بينها بل تتكامل.

• تفعيل الحكومة الالكترونية والحوكمة ومكافحة الفساد

• تفعيل قانون الشراء العام

• تفعيل المديرية العامة للاحصاءات

• إنشاء هيئة إشراف مستقلة على الانتخابات

• تعديل النظام الضرائبي وتفعيل الجباية

• تفعيل إعداد الموظفين وتدريبهم

• تفعيل المجلس الأعلى للشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص

• إنشاء المحاكم الادارية في الأقضية

4. تنظيم وتوزيع المرافق والخدمات العامة للدولة (لاحصريّة واسعة) بشكل عادل بين كافة الاقضية وإلغاء منصب القائمقام وتعزيز دور المحافظ.

5. اعتماد لامركزية إدارية واسعة على مستويين: البلديات ومجالس الأقضية (المجالس المحلية) على أن تكون منتخبة بالكامل.

6. إجراء تقسيمات إدارية على أساس معطيات اقتصادية اجتماعية وديموغرافية.

7. اعتماد القضاء (بعد إجراء التقسيمات) كمحور ومعيار للإنماء المناطقي المتوازن.

8. إنشاء وظيفة عامة محلية منفصلة عن الوظيفة العامة للسلطة المركزية تكون تحت إشراف المجالس المحلية المنتخبة.

9. إنشاء جهاز شرطة مهمته حفظ الأمن على مستوى القضاء.

10. إعادة النظر في قانون انتخاب المجالس المحلية من خلال:

• انتخاب رئيس البلدية ونائبه مباشرة من الشعب على أن تفوز اللائحة المتقدمة بالأصوات بأكثرية المقاعد وتوزع المقاعد الأخرى نسبياً بين اللوائح الأخرى بما يضمن حسن سير العمل اللامركزي والمحاسبة في آن واحد.

• إعادة النظر في قانون الانتخاب على النحو الذي يتيح للناخبين الاقتراع بحسب مكان إقامتهم.

• تقصير ولاية المجالس المحلية المنتخبة الى أربع سنوات.

• يمكن للمجلس المحلي المستقيل تصريف الأعمال بانتظار إجراء انتخابات جديدة.

11. إضافة صلاحيات أخرى على اختصاصات المجالس المحلية منها صلاحيات القائمقام بعد إلغاء هذه الوظيفة وإنشاء وتطوير البنى التحتية، مروراً بانتاج الطاقة والمشاريع ذات الطبيعة الاقتصادية والشراكة بين القطاعين العام والخاص والتدريب المهني ووضع خطة انمائية للقضاءوتنظيم النقل العام والخاص ووضع التصاميم العائدة للقضاء والمخطط التوجيهي العام بالتعاون مع المديرية العامة للتنظيم المدني وبعد موافقة البلديات كل ضمن نطاقها.

12. تعديل الصلاحيات المالية والادارية للمجالس المحلية المنتخبة:

• تعديل الدستور والقوانين المرعية الاجراء لتفادي الازدواج الضريبي بين الضريبة الوطنية العامة والضريبة المحلية على أن يُترك للإدارات المحليّة حرية تحديد مطارحها ومعدلاتها وعلى ألاّ تتجاوز نسباً معيّنة وأن تكون موزعة بين الضرائب على الدخل والقيمة المضافة والأملاك المبنيّة.

• زيادة معدلات 25 رسماً بلدياً.

• السماح للمجالس المحلية باقتراض الأموال من القطاع الخاص.

• اعتماد آلية لإعداد الموازنات تستند الى تقييم الأداء.

• تطوير نظام محاسبة موحد وتعميمه على جميع المجالس المحلية.

13. إلغاء الوصاية والرقابة الإدارية المسبقة واعتماد الرقابة اللاحقة التي تضمن للمجالس المحلية المنتخبة حريّة المبادرة إن من خلال التعاقد الإداري أو من خلال عدم التقيّد بسقف مالي للإنفاق شرط تطوير وتحديث مواد القانون الإداري بشقه المتعلق بالعقود الإدارية والمشاريع العامة والصفقات وإنشاء فروع محلية لديوان المحاسبة العامة Cours Régionales des Comptes في الأقضية لضمان الشفافية وللحدّ من الفساد والتفريط بالمصلحة العامة.

14. تعزيز الشراكة بين السلطة المركزية والمجالس المحلية المنتخبة من خلال:

• مساهمة الدولة في واردات الإدارات المحلية على أساس مؤشرات علمية مراعاةً للإنماء المتوازن، على أن تخضع سنوياً لمناقشة المجلس النيابي.

• تعريف الحاجات وتحديد الأهداف وأولوية تنفيذها وواجبات كل طرف عبر عقود زمنية تجمع بين الدولة من جهة والإدارات المحليّة من جهة ثانية.

• عقد مؤتمر سنوي للإدارات المحلية لتقييم التجارب المختلفة وللتنسيق والتخطيط.

• ضرورة وضع تقرير دوري كل ثلاث سنوات يحلّل ويراقب وضع الإنماء المتوازن واللامركزية الإدارية، يقدم إلى مجلس النواب لدراسته وإصدار التشريعات المناسبة إذا لزم الأمر.

15. اعتماد لامركزية مرفقية الى جانب اللامركزية الجغرافية.

إن تحقيق الغاية المرجوة من اعتماد اللامركزية الإدارية بشقها الاقتصادي – المالي لا يمكن أن يتم إلا في إطار عملية اصلاحية متكاملة سياسياً واقتصادياً وإدارياً وقضائياً. فالاصلاح كلٌّ متكامل يحقّقه التلاقي بين الإرادتين السياسية والشعبية .

لائحة غير شاملة بالقوانين والمراسيم الأساسية التي يجب تعديلها والمتعلقة مباشرة بصلاحيات المجالس المحلية والمنتخبة الإدارية والمالية:

1- المرسوم الاشتراعي 118/1977

2- المرسوم الاشتراعي 82/1983

3- المرسوم الاشتراعي 50/1967

4- المرسوم الاشتراعي 115/1959

5- المرسوم الاشتراعي 2460/1959

6- القانون 360/2001

7- القانون 60/1992

8- القانون 60/1988

9- المرسوم 114/1959

10- المرسوم 14969/1963

11- المرسوم 3489/1965

12- المرسوم 1917/1979

13- المرسوم 5595/1982

14- المرسوم 8485/1996

15- المرسوم 10388/1997

16- المرسوم 4082/2000

17- المرسوم 379/2001

 

التاريخ: 
الأربعاء, نوفمبر 16, 2022
ملخص: 
وسألت شلق عن الأسباب التي حالت دون تطبيق الطائف الى أن جاءت ثورة 17 تشرين 2019 التي “نادى فيها المتظاهرون بكل الشعارات التي نادت بها الوثيقة من إصلاحات”. وقد عبر اللبنانيون بكافة تنوعهم عن ذلك بلغة الشعب الموجوع والمقهور