“لبنان الميثاقيّ في نِظام المجلِسَين: حقيقة الحقوق ومعنى الضمانات”اللقاء الثالث
نظّم ملتقى التأثير المدني قبل ظهر اليوم اللقاء الثالث والاخير لهذا العام من مسار “الحوارات الصباحية” الشهرية في فندق الجفينور – روتانا الحمرا تحت عنوان “لبنان الميثاقيّ في نِظام المجلِسَين: حقيقة الحقوق ومعنى الضمانات”. في حضور نخبة من الشخصيات الأكاديمية والادارية والقانونية والدستورية والثقافية وناشطاتٍ وناشطين في المجتمع المدني ورئيس وأعضاء الملتقى.
وقائع اللقاء
في بداية اللقاء الذي نقل مباشرة على منصّات وسائل التواصل الاجتماعي الخاصّة بالملتقى، كان النشيد الوطني اللبناني، وبعده وثائقي تعريفي عن الملتقى تحت عنوان”عشر سنوات، القضيَّة لبنان والإنسان”، ومن ثمَّ وثائقي عن اللّقاء الثاني من الحوارات تحت عنوان: “اللَّامركزيَّة الإداريَّة الموسَّعة: الإنماء المتوازن والعيش معًا”.
كلمة الزين
بعدها كانت كلمة عضو مجلس إدارة الملتقى السيّد يوسف الزّين الذي لفت إلى أنّ الملتقى قد آل على نفسه “الانكِباب على مُعالجة مسبِّبات الأزمة، لا عوارِضِها، فلبنان دولةً وشعبًا يتعرَّضُ لجريمة منظّمة، ما يستدعي منَّا المُساهمة في تصويب البُوْصلة لإنقاذه من هذا المستنقع الجُهَنَّمي، وافتتاح مسار بناءِ سياساتٍ عامَّة تُطبّقها الحوكمة الرّشيدة”.
وقال نطلّ اليوم على “إصلاحٍ مؤسِّس في تحديد مفهوم حقوق المواطنات والمواطنين اللّبنانيّين من ناحيَة، والضمانات للجماعات المكوِّنة للمجتمع اللّبناني ضمن صيغة عيش معًا تحترم التنوّع من ناحيَةٍ أخرى، وهو نِظام المجلِسَين أي مجلس النوَّاب ومجلس الشيوخ، عسى نَغوص فيه لخدمة القضيّة اللُّبنانيّة والإنسان، فتعود العقلانيّة والحكمة والصّلابة والنّزاهة رأس حربة لِقيام دولة المواطنة، دولة الحقّ والعدل.”
كلمة الصّائغ ميسّر الحِوار
ومن ثمّ كانت كلمة ميسّر الحِوار المدير التَّنفيذي للملتقى زياد الصَّائغ الذي لفت في بداية كلمته الى “مفاهيم ملتَبِسة أخضَعَت من خِلالها الدُّستور لعمليَّة تضليل منهجيَّة إلى حدِّ الانقِلاب وتشتيت الدَّولة”. وقال إنّ ” لبنان دولةٌ ذات نِظامٍ برلمانيّ في جمهوريَّةٍ ديموقراطيّة توافُقيّة بالمعنى العلميّ الدستوريّ” مع موجِب “فصل السُّلُطات لكنْ مع تعاونها خِدْمَةً للخير العامّ” وهو في “صُلْب الإصلاحات البنيويّة التي أقرّها اتّفاق الطّائف، وورد بِشَكلٍ متميّز في “نِظام المجلِسَين حيثُ مجلِسُ نوّابٍ ومجلِس شيوخ” منذ قيام دولة لبنان الكبير في دستور 1926.
وأضاف: “أنَّ نِظام المجلِسَين يحمي مُعادلة ذهبيّة في دستور لبنان المدنيّ، وهي “الحقوق للمواطنات والمواطنين” و “الضمانات للعائلات الرُّوحيّة”. هذه المُعادلة الذهبيّة تمَّ انتهاكها مُنْذُ إطلاقِها. واستطرد الصّائغ “لقد حَكمَ لُبْنان في العَقْد الأخير حديثٌ عن “حقوق الطّوائف” إلى حدِّ اغتيال “الحقوق للمواطنات والمواطنين”. وهُنا “كانت جريمةً موصوفة تعطيلُ المضيّ قُدُمًا في تطبيق المادّة 95 من الدُّستور لِقيام دولة المواطنة”. ربطًا “بانتِخاب مجلس نوّاب خارج القيد الطّائفيّ، وقِيام مجلس شيوخ يُحاكي هواجس العائِلات الرُّوحيّة، مع اللّامركزيّة الإداريّة الموسّعة، وحصريّة امتِلاك المؤسّسات العسكريّة والأمنيّة الشرعيّة وحدها السّلاح وحقّ استعمال العُنْف مع قرار السِّلْم والحرب، إلى الحِياد الإيجابيّ الذي يُشكّل في السّياسة الخارجيّة نواة الصّيغة الميثاقيّة لدولة لبنان الكبير”. وحذَّر الصائغ من “الجريمة الموصوفة” التي تبدّت في “شلّ كُلّ مساراتِ تطبيق الدُّستور عن سابق تصوُّر وتصميم”. وبالتّالي “تحويلُ لُبْنان إلى فوضى تتحكّم بها أوليغارشيّة تسطو على الدُّستور باجتِهاداتٍ فضفاضة تصِل حدّ تكريس أعراف تنقّل الدّيموقراطيّة التّوافقيّة النّبيلة باسمِ الميثاقيّة إلى نِظام الفيتوات المتبادلة”. وانتهى الصائغ ليقول: “ليس فيه لبنان أيّ أزمة نِظام أو دستور، بل أزمة انقِضاضٍ على النّظام والدّستور”. تُراودنا إشكالاتٌ وإشكاليّات للعَوْدة إلى الحقائق التي قام عليها دستورُنا، بما يُنْهي استِغلاله الخبيث وظائفيًّا لضرب العقد الاجتماعيّ بين اللّبنانيّين.
ورقة عمل مسرّة
وبعدها قدم البروفسّور أنطوان مسرّة “ورقة العمل” الأساسيّة تحت عنوان: “أي مجلس نيابي؟ أي مجلس شيوخ؟ لأي لبنان؟” واستهلها بالإشارة إلى أنّه “لا جدوى من أي اقتراح أو تعديل دستوري إذا كان الدستور أساسًا معلّقًا وغير مطبّق ومُخترق يوميًا”. ولذلك قال ان الطروحات والمداولات والسجالات حول المنظومة الدستورية اللبنانية الجارية تشكل طمسًا لمعضلة الدولة في لبنان التي تتلخص بان “تتمتع الدولة اللبنانية بالمواصفات الأربعة المسماة ملكية وهي: “إحتكار القوّة المنظمة والعلاقات الديبلوماسية، فرض جباية الضرائب وإدارة السياسات العامة. والاخطر ان كان الدستور اللبناني، في نصّه وروحيّته، مُعلّق وغير مُطبّق ومُخترق يوميًا، بخاصة من خلال تأليف حكومات برلمانات مصغّرة، مما يخرق مبدأ الفصل بين السلطات”.
وقال مسرة: ” يتوجب في مُجمل ما يتعلق بالطوائف الانطلاق من تشكيل الهيئة الوطنية لوضع خطة مرحلية في تخطي “الطائفية” (المادة 95 من الدستور). اما معالجة الموضوع “بالقطعة” فهو اختزال واجتزاء للطابع الشمولي والمتعدد الجوانب حول تطوير النظام الدستوري اللبناني” فوثيقة الوفاق الوطني – الطائف توجب التمييز في بنودها بين ” الثوابت الدستورية التي وردت في معظمها في مقدمة الدستور”، من جهة و” الشؤون التنظيمية، كقانون الانتخاب، اللامركزية، مجلس الشيوخ…”.
واعتبر مسرة: أنّ “مجلس الشيوخ هو التجسيد للقيم الروحية المشتركة في لبنان والتي لها دور بارز ترسيخ الوحدة الوطنية وحماية السلم الأهلي. وبعدما رفض “انتخاب أعضاء مجلس الشيوخ من خلال انتخابات عامة، لئلا يشكل “قمّة التطييف لأنه يحمل كل ناخب إلى انتخاب عضو من طائفته مما يؤدي إلى فرز مُصطنع في العائلة الواحدة “، اقترح تعيينهم من”قبل هيئة ناخبة مُصغّرة من قبل الهيئات الرسمية للطوائف”، واستنادًا الى “معايير يتوجب التقيّد بها بشكل صارم في الاختصاص والخبرة “.
وبعدما اعتبر مسرَّة “أنَّ مجلس الشيوخ اللبناني ليس غرفة ثانية، بل هيئة مساندة وليس لها صفة تشريعية” مخافة “تطييف كل القضايا بدون استثناء كالضرائب والتنظيم المدني، وأسعار السلع الاستهلاكية والإدارة”. عدد بعض المواصفات فقال انه “لا يتوجب أن يكون أعضاء مجلس الشيوخ متفرغين ولا يتقاضون تعويضات ثابتة” يجتمعون ” في سبيل التخطيط الدائم لمجتمع الدولة الضامنة للعيش المشترك والسيادة الوطنية والثقافة الجامعة وحماية الثوابت والدفاع عن رسالته العربية والدولية” وانه “من الأفضل أن تكون رئاسة المجلس واغلبية أعضاء مكتبه من الطوائف الصغرى منعا لاي مآذارة او طغيان فئوي”.
وانتقد مسرَّة بقوة “اقتراح القانون المطروح حول مجلس الشيوخ” وتوقف أمام العديد من النقاط المرفوضة محذرا من مخاطرها معتبرا أنّه ينم “عن التجاهل التام لطبيعة التعددية في المجتمع اللبناني التي هي تعددية متداخلة” ويشكل خروجا على “الفلسفة التأسيسية في لبنان للهيئة الانتخابية الموحّدة ويؤدي الى “فرز الناس بشكل مصطنع والى تطييف السلوك الانتخابي”. ولمّا رفض بأن يكون “جزءًا من السلطة التشريعية أو تعبيرا عن “النظام السياسي الطائفي”، اعتبر ان “القضايا المصيرية” لا تعني ولا تشمل بالضرورة صلاحية تشريعية” .وان هذا التوصيف يتنافى مع “مضمون الدستور اللبناني، نصًّا وروحًا، لأن النظام الدستوري اللبناني ليس “طائفيًا”، بل تم ويتم تطييفه، تغطية للزبائنية، وخلافًا لمضمون المادتين 12 و 95 من الدستور”.
واعتبر مسرّة “أنّ دور الطوائف في الكيان الدستوري والمؤسساتي للدولة اللبنانية – خلافًا لما ورد في الأسباب الموجبة – هو محقّق في الدستور الحالي في حال حسن تطبيقه نصًّا وروحًا. والنص الأبرز هو “المادة 19 حول حق رؤساء الطوائف في مراجعة المجلس الدستوري. وان عبارة “النظام التوافقي” اجترار لشعار متداول في لبنان وخلافًا لما ورد في وصف النظام الدستوري اللبناني في مقدمة الدستور وكل تفاصيله تجنبًا “لاستغلال التباينات المذهبية في التنافس السياسي”.
وانتهى مسرة إلى القول ان اقتراح القانون في صيغته المقترحة “يُشكل أخطر مسار في تطييف كل المنظومة الدستوريّة اللبنانية، وفرزًا مصطنعًا للمواطنين، وتكريسًا للانقسامات النابعة أساسًا من التعبئة النزاعية وليس من عمق المجتمع اللبناني”.
نقاش عام وحوار
بعدها كان نقاش بين المنتدين والمشاركات والمشاركين.
كلمة عضو مجلس إدارة ملتقى التأثير المدني السيّد يوسف الزَّين
السيّدات والسّادة،
ها نحنُ وإيّاكُم نلتقي مرَّة جديدة في اللّقاء الثّالث من مسار “الحوارات الصّباحيّة” تحت عنوان: “لبنان الميثاقيّ في نِظام المجلِسَين: حقيقة الحقوق ومعنى الضمانات”، وقد آلَيْنا على أنفُسُنا في “ملتقى التأثير المدني” العَوْدة إلى وثيقة الوفاق الوطنيّ (إتّفاق الطّائف) ببنودها الإصلاحيّة كي نستعيد معًا خيار تطبيق الدّستور نصًّا وروحًا، لِبناء دولة المواطنة الحرّة السيّدة العادلة المستقلّة، دولة العَيش معًا.
الهموم الماليّة، والاقتصاديّة، والاجتماعيّة، تفرُض ذاتَها على يوميّاتنا وهمومنا حتَّى إنَّنا أصبحنا أسراها، لكنّنا في “ملتقى التأثير المدني”، ومع اعتِرافِنا بتفوّق هذه الهُموم، فقد أخَذْنا على عاتِقِنا الانكِباب على مُعالجة مسبِّبات الأزمة، لا عوارِضِها، فلبنان دولةً وشعبًا يتعرَّضُ لجريمة منظّمة، ما يستدعي منَّا المُساهمة في تصويب البُوْصلة لإنقاذه من هذا المستنقع الجُهَنَّمي، وافتتاح مسار بناءِ سياساتٍ عامَّة تُطبّقها الحوكمة الرّشيدة، وهذا يقع في صُلْب هدف ورسالة “ملتقى التأثير المدني”، فنحنُ في لحظةٍ تاريخيّة دقيقة لا تفيدُ فيها الحُلول الرّماديّة، مع الاعتِراف بتعقيدات المواجهة.
السيّدات والسّادة،
مسار “الحوارات الصّباحيّة” مُنْطَلَقُ فِكرٍ تغييريّ إصلاحيّ لِفعلٍ تغييريّ إصلاحيّ، ففيما اخترنا التّفكير العملانيّ المُعمّق في الإصلاحات البنيويّة، وبعد أن أطللنا في اللّقاء الأوّل على “المادّة 95 من الدّستور” آفاقًا وتعطيلًا، واللّقاء الثّاني على “اللاّمركزيّة الإداريّة الموسّعة: الإنماء المتوازن والعيش معا” نُطِلّ اليوم على إصلاحٍ مؤسِّس في تحديد مفهوم حقوق المواطنات والمواطنين اللّبنانيّين من ناحيَة، والضمانات للجماعات المكوِّنة للمجتمع اللّبناني ضمن صيغة عيش معًا تحترم التنوّع من ناحيَةٍ أخرى، وهو نِظام المجلِسَين أي مجلس النوَّاب ومجلس الشيوخ، عسى نَغوص فيه لخدمة القضيّة اللُّبنانيّة والإنسان، فتعود العقلانيّة والحكمة والصّلابة والنّزاهة رأس حربة لِقيام دولة المواطنة، دولة الحقّ والعدل.
هذا عهدٌ علينا ووعد.
كلمة زياد الصّائغ / ميّسر الحوار
مفاهيم ملتَبِسة أخضَعَت ماكينات تشويهٍ من خِلالها الدُّستور لعمليَّة تضليل منهجيَّة إلى حدِّ الانقِلاب وتشتيت الدَّولة. لبنان دولةٌ ذات نِظامٍ برلمانيّ في جمهوريَّةٍ ديموقراطيّة توافُقيّة (بالمعنى العلميّ الدستوريّ) مع موجِب فصل السُّلُطات لكنْ مع تعاونها خِدْمَةً للخير العامّ. في صُلْب الإصلاحات البنيويّة التي أقرّها اتّفاق الطّائف، ورد بِشَكلٍ متميّز نِظام المجلِسَين حيثُ مجلِسُ نوّابٍ ومجلِس شيوخ.
لِلْوَهْلَةِ الأولى يُخيَّل للبَعْض أنّنا أمام توزّعٍ موسّعٍ للحُصَص الطّائفيّة والمذهبيّة، فيما أنَّ نِظام المجلِسَين يحمي مُعادلة ذهبيّة في دستور لبنان المدنيّ، وهي “الحقوق للمواطنات والمواطنين” و “الضمانات للعائلات الرُّوحيّة”. هذه المُعادلة الذهبيّة تمَّ انتهاكها مُنْذُ إطلاقِها. تحوّل النِّظام السّياسيّ في لُبْنان مِطواعًا لزبائنيّةٍ بَلَغت حدّ استِشراء الفساد، ولطائفيّة / مذهبيّة مسيَّسة مع سياسةٍ مطيّفة / مُمَذهبة، رَهَنَت لبنان لمحاوِر لا علاقة له بأجندتِها. حَكمَ لُبْنان في العَقْد الأخير حديثٌ عن “حقوق الطّوائف” إلى حدِّ اغتيال “الحقوق للمواطنات والمواطنين”. هُنا كانت جريمةً موصوفة تعطيلُ المضيّ قُدُمًا في تطبيق المادّة 95 من الدُّستور لِقيام دولة المواطنة، ربطًا بانتِخاب مجلس نوّاب خارج القيد الطّائفيّ، وقِيام مجلس شيوخ يُحاكي هواجس العائِلات الرُّوحيّة، مع اللّامركزيّة الإداريّة الموسّعة، وحصريّة امتِلاك المؤسّسات العسكريّة والأمنيّة الشرعيّة وحدها السّلاح وحقّ استعمال العُنْف مع قرار السِّلْم والحرب، إلى الحِياد الإيجابيّ الذي يُشكّل في السّياسة الخارجيّة نواة الصّيغة الميثاقيّة لدولة لبنان الكبير. الجريمة الموصوفة تبدّت في شلّ كُلّ مساراتِ تطبيق الدُّستور عن سابق تصوُّر وتصميم، وبالتّالي تحويلُ لُبْنان إلى فوضى تتحكّم بها أوليغارشيّة تسطو على الدُّستور باجتِهاداتٍ فضفاضة تصِل حدّ تكريس أعراف تنقّل الدّيموقراطيّة التّوافقيّة النّبيلة باسمِ الميثاقيّة إلى نِظام الفيتوات المتبادلة. الحقوق هي للأفراد أمَّا الضمانات فهي للجماعات، وهُنا تحدّي مواجهة من شوّه هذه المُعادلة.
في هذا السّياق المأزوم، والذي ليس فيهِ أيّ أزمة نِظام أو دستور، بل أزمة انقِضاضٍ على النّظام والدّستور، وهُنا بيتُ القصيد تُرانا اليَوْم نلتقي لنتباحث في “لبنان الميثاقيّ في نِظام المجلِسَين: حقيقة الحقوق ومعنى الضمانات”، تُراودنا إشكالاتٌ وإشكاليّات للعَوْدة إلى الحقائق التي قام علينا دستورُنا، بما يُنْهي استِغلاله الخبيث وظائفيًّا لضرب العقد الاجتماعيّ بين اللّبنانيّين. ألم يحن موعد تنقيةُ الميثاقيّة، وإحياء الدّيموقراطيّة، وصَوْن التعدُّديّة بحَوْكَمَة سليمة؟
أي مجلس نيابي وأي مجلس شيوخ؟ لأي لبنان؟ نُصْغي إلى البروفسّور أنطوان مسرّة فلكُم الكلمة.
ورقة عمل البروفسور أنطوان مسرَّة
ليس مجلس الشيوخ غرفة برلمانية ثانية: كيف ولماذا؟
لا جدوى من أي اقتراح أو تعديل دستوري اذا كان الدستور أساسًا معلّقًا وغير مطبّق ومُخترق يوميًا. تُشكل بالتالي الطروحات والمداولات والسجالات حول المنظومة الدستورية اللبنانية طمسًا لمعضلة الدولة في لبنان التي تتلخص في مسألتين:
وجوب تمتع الدولة اللبنانية بالمواصفات الأربعة المسماة ملكية وهي:
احتكار القوّة المنظمة،
احتكار العلاقات الدبلوماسية،
فرض وجباية الضرائب،
إدارة السياسات العامة.
الدستور اللبناني، في نصّه وروحيّته، مُعلّق وغير مُطبّق ومُخترق يوميًا، بخاصة من خلال تأليف حكومات برلمانات مصغّرة، مما يخرق مبدأ الفصل بين السلطات. الحكومة موصوفة قصدًا في الدستور اللبناني “بالإجرائيّة”. والحكومات في لبنان تُمثل “الطوائف”، كما هو وارد في المادة 95، وليس قوى سياسية ولا “أحجام”…! وليس للحكومات عالميًا صفة تمثيلية بالمعنى الانتخابي.
يتوجب في مُجمل ما يتعلق بالطوائف الانطلاق من تشكيل الهيئة الوطنية لوضع خطة مرحلية في تخطي “الطائفية” (المادة 95 من الدستور). اما معالجة الموضوع “بالقطعة” فهو اختزال واجتزاء للطابع الشمولي والمتعدد الجوانب حول تطوير النظام الدستوري اللبناني.
توجب وثيقة الوفاق الوطني-الطائف التمييز في بنودها بين اثنين:
– الثوابت الدستورية التي وردت في معظمها في مقدمة الدستور اللبناني.
– الشؤون التنظيمية: قانون الانتخاب، اللامركزية، مجلس الشيوخ… التي يتوجب العمل بها استنادًا الى ظروف المكان والزمان والتحوّلات، كما “مقاصد الشريعة” وليس حرفية الشريعة.
مجلس الشيوخ هو التجسيد للقمم الروحية المشتركة في لبنان والتي لها دور بارز في كل تاريخ لبنان، بخاصة خلال 1975-1990، في ترسيخ الوحدة الوطنية وحماية السلم الأهلي.
يُشكل البيان الصادر عن رؤساء الطوائف الإسلامية والمسيحية في 28/1/2021 نموذجًا لدور أي مجلس شيوخ في لبنان (“رؤساء الطوائف: ما عاد السكوت ممكنًا ولتؤلف حكومة “مهمة” تجاوز المحاصصات”، النهار، 28/1/2021).
من أبرز مخاطر معالجة تخطي الطائفية “بالقطعة” وخارج الهيئة الوطنية الواردة في المادة 95 من الدستور اللبناني مزيد من تطييف النظام.
يتطلب تكوين وتنظيم مجلس الشيوخ مقاربة من منطلق طبيعة النظام الدستوري اللبناني والأنظمة البرلمانية التعددية، وبالتالي بدون اغتراب ثقافي aliénation culturelle وبدون مقاربة استنادًا الى مجالس الشيوخ في أميركا وفرنسا وبريطانيا وفي الدول ذات التنظيم الفدرالي الجغرافي.
إذا كان تعيين أعضاء مجلس الشيوخ من خلال انتخابات عامة، فهذا قمّة التطييف لأنه يحمل كل ناخب الى انتخاب عضو من طائفته مما يؤدي إلى فرز مُصطنع في العائلة الواحدة استنادًا الى الانتماء المذهبي! انه تكريس لما سُمّي “مشروعًا أورثوذكسيًا” وهو مشروع جهة محدّدة ولم يتبناه المجتمع اللبناني.
يتم تعيين أعضاء مجلس الشيوخ من قبل هيئة ناخبة مُصغّرة Collège électoral restreint من قبل الهيئات الرسمية للطوائف، واستنادًا الى معايير يتوجب التقيّد بها بشكل دقيق وصارم، في الاختصاص والخبرة، لأن الموضوع يتطلب اختصاصًا وخبرة على نمط لجنة برنار ستازي Bernard Stasi حول العلمانية في فرنسا (2003) ولجنة بوشار-تايلور Bouchard-Taylor (2008) في كندا وليس على أساس قوى سياسية وأحزاب.
7. ان المادة 65 من الدستور التي تفرض أكثرية موصوفة majorité qualifiée في ما يتعلق بـ 14 قضية مُحددة حصرًا هي الضامنة اساسًا لحماية حقوق كل مكوّنات المجتمع اللبناني. تحول المادة 65 دون طغيان فئوي minority control ودون طغيان أقلية وطغيان أكثرية abus de majorité/ abus de minorité. تم التلاعب بهذه المادة في التطبيق وخرقها من خلال شعارات “الثلث” و”التعطيل و”طغيان فئوي…” تطبيقًا لنظرية إسرائيلية، بخاصة لـ Sammy Smooha تستند الى حالات إسرائيل بالنسبة الى غرب اسرائيل وسوريا وافريقيا الجنوبية في عهد التمييز العنصري وايرلندا قبل “اتفاقية الجمعة” Friday agreement.
ليس مجلس الشيوخ اللبناني غرفة ثانية Seconde Chambre، بل هيئة مساندة وليس لها صفة تشريعية.
إذا كان لها صفة تشريعية فهذا يؤدي الى مزيد من تطييف كل القضايا بدون استثناء: سوف نطيّف الضرائب والتنظيم المدني، وأسعار السلع الاستهلاكية والإدارة…!
لا يتوجب أن يكون أعضاء مجلس الشيوخ متفرغين ولا يتقاضون تعويضات ثابتة، وربما يتقاضون تعويضات رمزية ويجتمعون في سبيل التخطيط الدائم لمجتمع الدولة الضامنة للعيش المشترك والسيادة الوطنية والثقافة اللبنانية الجامعة وحماية الثوابت اللبنانية والدفاع عن لبنان “عربي الهوية والانتماء” ورسالته العربية والدولية.
ان ضمان الحريات الدينية والادارة الذاتية في ما يتعلق بالمادتين 9 و 10 من الدستور هو مُحقق بفضل المادة 19 من الدستور حيث يحق لرؤساء الطوائف الطعن بأي قانون متعلق حصرًا بهاتين المادتين. وهو محقق أيضًا بفضل المادة 65 في اشتراط أكثرية الثلثين في 14 قضية أساسية. لا يجوز بالتالي لمجلس الشيوخ أن يتضارب في صلاحياته مع المادتين 19 و 65 من الدستور.
11. من الأفضل أن تكون رئاسة مجلس الشيوخ واغلبية أعضاء مكتب مجلس الشيوخ من الطوائف الصغرى. كل الطوائف في لبنان أقليّات ولكن لدى بعضها وهم أو إدراك أكثري او مآذارة طغيان فئوي.
2اقتراح القانون حول مجلس الشيوخ
ان اقتراح القانون حول انشاء مجلس شيوخ هو معبّر عن التجاهل التام لطبيعة التعددية في المجتمع اللبناني التي هي تعددية متداخلة onverlapping membership حيث ينتمي اللبناني غالبًا الى عدة هيئات في مصالح عائلية وحياتية واجتماعية واقتصادية مشتركة خلافًا للتعددية القصوى segmented pluralism حيث، كما في بعض القبائل في مجاهل العالم، يلد الفرد ويتعلم ويتزوج ويعمل ويعاشر ويموت ويدفن ضمن جماعته.
يعني ذلك أن أي خروج عن الفلسفة التأسيسية في لبنان للهيئة الانتخابية الموحّدة Collège électoral unique يؤدي الى فرز الناس بشكل مصطنع والى تطييف السلوك الانتخابي حتى لدى الذين تخطوا الانتماءات الأولية allégeance primaires وتربطهم بالمجتمع مصالح عائلية حياتية مشروعة وصلبة ومتماسكة.
تغلّبت الانتماءات اللبنانية المتداخلة على 15 سنة من المعابر والمتاريس طوال سنوات الحروب المتعددة الجنسيات في لبنان (1975-1990) سعيًا مستحيلاً للفصل بين الطوائف والمناطق و”مذهبة” وتطييف الثوابت اللبنانية المشتركة.
ورد في الأسباب الموجبة ان قانون مجلس الشيوخ هو “جزء من السلطة التشريعية”، في حين أن “القضايا المصيرية” لا تعني ولا تشمل بالضرورة صلاحية تشريعية.
ورد في الأسباب الموجبة تعبير “النظام السياسي الطائفي”. يتنافى هذا التوصيف مع مضمون الدستور اللبناني، نصًّا وروحًا، لأن النظام الدستوري اللبناني ليس “طائفيًا”، بل تم ويتم تطييفه، تغطية للزبائنية، خلافًا لمضمون المادتين 12 و 95.
ان “دور الطوائف في الكيان الدستوري والمؤسساتي للدولة اللبنانية”، خلافًا لما ورد في الأسباب الموجبة، هو محقّق في الدستور الحالي في حال حسن تطبيقه نصًّا وروحًا. والنص الأبرز هو المادة 19 حول حق رؤساء الطوائف في مراجعة المجلس الدستوري.
عبارة “النظام التوافقي”، الواردة في الأسباب الموجبة، اجترار لشعار متداول في لبنان وخلافًا لما ورد في وصف النظام الدستوري اللبناني في مقدمة الدستور وكل تفاصيله بأنه “نظام برلماني” ويخضع بالتالي لكل قواعد الأنظمة البرلمانية، مع دمج سياقات تنافسية compétitives وتعاونية coopératives في آن تجنبًا للعزل الدائم وتجنبًا لاستغلال التباينات المذهبية في التنافس السياسي.
عبارة “توافق” واردة حصرًا في المادة 65 من الدستور في سياق اتخاذ القرارات، مع وجوب الأكثرية الموصوفة majorité qualifiée في 14 قضية تجنبًا لطغيان أكثرية abus de majorité وطغيان أقلية abus de minorité.
استعملت تعابير توافق وميثاق وغيرها في لبنان وبعض المجتمعات التعددية، حصرًا في ما يتعلق ببنائها القومي التأسيسي، وليس في سياق مآذارة الحكم استنادًا الى كل المعايير الدستورية.
خلافًا لما ورد في الأسباب الموجبة حول “هدف تطوير النظام السياسي اللبناني والحد من الأزمات السياسية والدستورية”، فان اقتراح القانون، وفي صيغته المقترحة، يُشكل أخطر مسار في تطييف كل المنظومة الدستورية اللبنانية، وفرزًا مصطنعًا للمواطنين، وتكريسًا للانقسامات النابعة أساسًا من التعبئة النزاعية وليس من عمق المجتمع اللبنانية.
(يراجع تأكيدًا لبعض هذه الملاحظات كتاب: هشام الأعور، مجلس الشيوخ ومسألة تطبيقه في لبنان، 2019).
كتاب د. هشام الأعور
مجلس الشيوخ: نموذج في الاغتراب
او الاصالة في الثقافة الدستورية في لبنان
كيف استطاع د. هشام الأعور التخلص من برمجة فكرية راسخة واجترارية في الفكر الدستوري السائد حول كل ما يتعلق بمصطلح وشعار “الطائفية”؟
أوضح بعض الجوانب في هذا التحرر.
العلماء في الشأن اللبناني libanologues قليلون.
ولأنهم قليلون ينتشر بدون رادع المخادعون والمتلاعبون في الشأن العام الدستوري.
اولاً نوعان من البنود في وثيقة الوفاق الوطني-الطائف
المبادئ العامة والثوابت الميثاقية او “التعهدات الوطنية” (ادمون رباط)
الشؤون التنظيمية الإجرائية التي قد تتبدل مع الزمن والتي يتوجب اعتماد مقاصدها، مثل مقاصد الشريعة وليس حرفية النص.
ثانيًا ليست عبارة “طائفية” مفهومًا علميًا concept, notion ولا اطارًا حقوقيًا catégorie juridique.
اثباتًا للالتباس ترد عبارة “طائفية” في المادة 95 من الدستور، ثم، بعد عدة أسطر، عبارة “طائفية سياسية”!
يحصل الغمود والالتباس في دساتير عديدة في العالم لأسباب تتعلق بالثقافة السائدة في المجتمع Jeannency, Les lacunes constitutionnelles, Paris LGDJ, 2014،
في سلة مهملات الطائفية ثلاث قضايا مختلفة، تشخيصًا ومعالجة.
قاعدة التمييز الإيجابي او الكوتا (المادة 95 من الدستور) ضمانًا للمشاركة والحؤول دون مخاطر العزل الدائم discrimination positive / affirmative action. هذه القاعدة الحقوقية مطبقة بأشكال متنوعة في اكثر من أربعين بلدًا في العالم وصدرت بشأنها دراسات مقارنة منذ سبعينيات القرن الماضي.
الإدارة الذاتية: الحصرية في بعض الشؤون الدينية والثقافية autonomie personnelle.
لماذا تاريخيًا موضوع مجلس الشيوخ في لبنان؟
أساس هذا الطرح:
معضلة الهيئة الانتخابية الموحدة Collège électoral unique:
بروز “الشارع” خلال الازمات.
القمم الروحية المشتركة.
المعالجة منذ 1990 من خلال المادتين 19 و65 من الدستور.
***
ليس مجلس الشيوخ من الأمور المبدئية في وثيقة الوفاق الوطني-الطائف، بل من الشؤون الإجرائية التي يتوجب التقيد بمقاصدها.
ان اعتماد مجلس الشيوخ – بدون تأصيل في المقاربة، على نمط ما يرد في كتاب د. هشام قد يؤدي الى مزيد من التطييف، خلافًا لمقاصد النص الدستوري. لماذا؟
فرز اللبنانيين الى مذاهب في سبيل تعيين أعضاء مجلس الشيوخ!
– تطييف كل القضايا (الضرائب، الانماء، القضايا الحياتية اليومية…) في عرضها على مجلس الشيوخ في حين يوجد قضايا “طائفية” في التنافس السياسي والتعبئة النزاعية ولا علاقة لها بالطوائف.
***
وثيقة الوفاق الوطني-الطائف والدستور اللبناني هما
– في النص – روعة في المخيلة الدستورية على المستوى العالمي والمقارن منذ سبعينيات القرن الماضي في الدراسات الدستورية المقارنة حول الإدارة الديمقراطية للتعددية الدينية والثقافية.
اما التطبيق فهو الأسوأ اليوم على المستوى العالمي والمقارن!
ما العمل؟ ماذا يقول “الكتاب” (كما كان يردد الرئيس فؤاد شهاب).
