لبنان بين المواطنة وإدارة التعددية: السِّياق والإشكاليَّات“.اللقاء الخامس
في بداية اللقاء الذي نقل مباشرة على منصّات وسائل التواصل الاجتماعي الخاصّة بالملتقى، كان النشيد الوطني اللبناني، وبعده وثائقي تعريفي عن ملتقى التأثير المدني / عشر سنوات القضيَّة لبنان والإنسان، ومن ثمَّ وثائقي استعراضي للِّقاء الرابع من “الحوارات الصباحية” تحت عنوان:” لبنان وقانون الانتِخابات النيابيَّة: عدالة التمثيل وفاعليَّة الحوكمة“
واصل ملتقى التأثير المدني قبل ظهر اليوم مسلسل “الحوارات الصباحية” الشهرية بانعقاد اللقاء الخامس في فندق الجفينور – روتانا الحمرا في حضور نخبة من الشخصيات الأكاديمية والادارية والقانونية والدستورية والثقافية والفكرية والعسكريين المتقاعدين والإعلاميين، وناشطاتٍ وناشطين في المجتمع المدني ورئيس وأعضاء الملتقى.
اللّقاء الخامس عقد تحت عنوان “لبنان بين المواطنة وإدارة التعدّديّة: السّياق والإشكاليّات” مستلهمًا وثيقة الوفاق الوطنيّ (إتّفاق الطّائف) ببنودها الإصلاحيّة وخيار العودة إلى الدّستور، لِبناء دولة المواطنة الحرّة السيّدة العادلة المستقلّة، دولة العَيش معًا.
وقائع اللقاء
في بداية اللقاء الذي نقل مباشرة على منصّات وسائل التواصل الاجتماعي الخاصّة بالملتقى، كان النشيد الوطني اللبناني، وبعده وثائقي تعريفي عن “ملتقى التأثير المدني” / عشر سنوات القضيَّة لبنان والإنسان، ومن ثمَّ وثائقي استعراضي للِّقاء الرابع من “الحوارات الصباحية” تحت عنوان: “لبنان وقانون الانتِخابات النيابيَّة: عدالة التمثيل وفاعليَّة الحوكمة”
كلمة جبرائيل
بعدها كانت كلمة عضو مجلس إدارة الملتقى المهندس إيلي جبرائيل الذي لفت إلى أن ملتقى التأثير المدني “قرر النّضال من أجل إعادة الاعتِبار لهويّة المواطنة، والتي نشأت منذ قيام دولة لبنان الكبير، ووردت في روحيّة دستوره في العام 1926”. واضاف: “نحن مقتنعون بالعمل التّراكُمي الهادئ والهادف، مصوّبين البُوْصلة لإنقاذ لبنان من هذا المستنقع الخطير وبناءِ سياساتٍ عامَّة تُطبّقها الحوكمة الرّشيدة، وهذا يقع في صُلْب هدف ورسالة ملتقى التأثير المدني، فنحنُ في لحظةٍ تاريخيّة دقيقة لا تفيدُ فيها الحُلول الرّماديّة”.
كلمة هاني
وتحدثت ميسرة الحوار الباحثة شادن هاني التي قالت أن هناك “أبعاد اجتماعية دينية وسياسية تنقُض مفهوم المواطنة في لبنان. فحين “نقولُ مواطنة نقول وطن، فالإنسان بحاجة لوطن لكي يؤازر المواطنة، لذلك توجد علاقةً بين الإثنين مبنيةُ على ثقافة تاريخية اجتماعية سياسية ودينية”. ولفتت إلى أن “جغرافيّةُ لبنان لم تحدَّد إلا بعد الحرب العالمية الأولى وإنشاء لبنان الكبير عام 1920”. وأشارت إلى أنه، “ومنذ الاستقلال ومن بعده ميثاق 1943، برزت فرص وكانت محاولات لبناء دولة حقيقية، لكن لم توضع قواعد أو احكام ترعى وحدة الوطن وشعبه وترسّخ هذا الكيان وتثبّت ركائزه، كما أن السياسيين الذين تولوا شؤون الحكم لم يعطوا المواطن حقوقه بالكامل. كما ان “المواطن لم يؤدّ مسؤولياته بشكل كامل”. ولذلك فإن “عدم التزام الدولة القيام بما يتطلبه وجودها من واجبات أفسح المجال للزعامات المحلية – الإقطاعية والدينية بالنمو والنفوذ حيث شعر المواطن بأن الزعيم والاقطاعي والسياسي ورجل الدين هو الضمان الوحيد له في ظل تقاعس الدولة، وهذا ما كرّس الطائفية والمذهبية”.
وتحدثت هاني عن “الامتيازات المؤقّتة” فلفتت إلى أن “في لبنان 18 طائفة ومذهب تشكل تعددية دينية حفظ الدستور حقوق كل منها. وأعطى الدستور امتيازاً مؤقتًا وأصبح دائما عند توزيع السلطات على الطوائف”. وهي التي دخلت في “صراع على نفوذ سياسي، لجأت الى الإستقواء بالغير من خارج لبنان إلى حدود الدخول في حروب محلية”. وأصبح لبنان “ساحة للصراعات الاقليمية”. وهذا “ما زاد من الانشقاقات والانفراد في ظل التعددية الدينية الموجودة في لبنان”. وما اختراع كلمة “التعايش المشترك بين الطوائف إلا ذراً للرماد في العيون”.
وبعدما انتقدت هاني فقدان “رؤية واحدة للبنان” إعتبرت أنّ “التعددية التي تعتبر مصدر إثراء وغنى في الكثير من البلدان أصبحت في تكوينها الديني في لبنان مصدر العلل والتناقضات”. وإذ رأت “أنّ الوضع معقدّ”، قالت “إن علينا للخروج مما نحن فيه” ان نبدأ من اقامة “نظام سياسي ديمقراطي”، و”اعتماد القانون المرجع الوحيد في النزاعات والخلافات وحماية الحقوق بالتساوي، وإحترام الاختلافات الثقافية والدينية والأعراف بين الفئات.”
وانتهت هاني إلى التأكيد “أن لا بديل سوى بقيام الدولة”. ولكن علينا “تعزيزها بكافة الوسائل الثقافية والتربوية والاعلامية والاجتماعية عبر التكاتف والوحدة التي منعها السياسيون عن شعب لديه من الوعي والغنى والنضج الكاف لينهض ويبني وطن. والدواء الشافي فصل الدين عن الدولة والإبقاء على خصوصية الأديان والأفراد في عبادة الله”.
كلمة عويس
وبعدها كانت مداخلة الدكتور مكرم عويس فاعتبر أن الحديث عن “المواطنة اللبنانية والتنوع” حساس ومهم “لأنه لا يحدد كيف سنتواصل كلبنانيين مع بعضنا البعض فحسب، إنّما يحدد أيضاً كيف سنعمل معاً من أجل بناء لبنان المستقبل”. وقسًم عويس مداخلته الى ثلاثة أجزاء: الأول شكل طرحا “لواقع الحال الذي نحن فيه وكيف نتعامل نحن كمواطنين مع دولتنا ومع بعضنا البعض”. وتناول الجزء الثاني “ماهية الخيارات السياسية المتاحة لنا لمعالجة مسألة المواطنة والتنوع من وجهة نظر سياسية”. أما الجزء الثالث والأخير فقد تناول التطلعات المستقبلية و”اقترح أفكاراً حول كيفية تعزيز المواطنة وتعميق احترام التنوع في لبنان”.
واعتبر عويس أنّه وعلى الرغم من التدخل الأجنبي في شؤوننا الداخلية “الذي عطل حياتنا السياسية أحياناً على مدى العقود الماضية، لا يزال اللبنانيون متأثرين بشكل كبير بعدد من العوامل الداخلية ومنها المتصل بملفات حرب 1975- 1990 التي لم تُحل بعد”. والتي تشمل بشكل بارز “مصير 17000 شخص مفقود ومختفي قسراً”، وعدم “تحقيق مصالحة فعالة على مستوى الشعب”، والعجز عن “الاتفاق على منهج تاريخ مشترك منذ نهاية الحرب عام 1990″ والتقصير في”تنفيذ دستورنا المعدل بعد الطائف”. عدا عن الخوف المستمر لدى المواطنين من أن يكونوا غير محميين من قبل الدولة، خاصة إن كانوا يعيشون في مناطق يشكلون فيها الأقلية، أو حيث قد تحدث اشتباكات محتملة بين مجموعتين أو أكثر”. وهذا ما “شكل الحركات الديموغرافية في البلاد وأثر أيضاً على محدودية عودة المهجّرين إلى مناطقهم”.
ولفت عويس إلى أنه بدل “تبديد مشاعر الخوف والتهديد والاغتراب والإحباط تجاه الدولة”، قد “تم تعزيزها من خلال نظام انتخابي لا يزال منحازا بشكل كبير لصالح هؤلاء القادة والأحزاب”. وتحدث عن “فشل نظامنا التعليمي، منذ الطائف، في تعزيز المعرفة والفهم والاحترام لخلفيات المواطنين الآخرين، والهويات والجماعات الدينية، والاحتياجات الخاصة، والجنس، والعرق، والإثنية، والتوجه الجنسي، وما إلى ذلك”.
وبعدما تحدث عويس عن مجموعة من الظواهر السلبية، اشار الى بعض الخيارات التي يمكن اللجوء اليها وحددها على مستويات عدة: اولها “تعليم حقوق الإنسان في جميع المدارس في ضوء مناهج واضحة ومحددة جداً”. وثانيها “مراجعة التربية المدنية وتسليط الضوء على كيفية عمل النظام اللبناني”. وثالثها “المعرفة النقدية بالتاريخ من خلال إدخال واعتماد مناهج متفق عليها”. ورابعها “تعزيز نموذج يمكن أن يساعد في بناء دولة تحترم الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي تضم لبنان”. وخامسها “إعطاء المجلس الدستوري صلاحية تفسير الدستور”. وسادسها “جعل استقلال القضاء أولوية قصوى، وإخراجه من سيطرة وزارة العدل مع توفير الحماية اللازمة للقضاة”. وسابعها “تشكيل لجنة وطنية لوضع قانون جديد للأحوال الشخصيّة المدنية”. وثامنها “إصلاح العملية الانتخابية لإخراجها من تقسيم الدوائر الصغيرة والتي تروج لها الأحزاب الطائفية وقياداتها”. وتاسعها “وضع قانون جديد للأحزاب السياسية، حيث يحظر على الأحزاب تلقي التمويل من غير اللبنانيين.” وعاشرها “التحرك السريع نحو الحكومة الإلكترونية لمعظم المعاملات”.
وانتهى عويس إلى الدعوة لـ “إطلاق ورشة عمل كبيرة وإتمامها بطريقة شاملة تأخذ في الاعتبار تنوع المجتمع اللبناني”. لفتا الى “أن تنوعنا يجب أن يكون مصدر احتفاء، وليس مصدر خوف دائم يقسّم المواطنين”. إذ في النهاية “لن يتمكن اللبنانيون من بناء لبنان على أرض صلبة وسيبقون ضعفاء أمام الأطماع والتهديدات الداخلية والخارجية إن لم يسعوا إلى تعميق حس المواطنة”. وبالرغم من “أن الأمر قد يستغرق الوقت والمثابرة والمجهود إلا أن التقدم ممكن، ليكون لدينا لبنان متنوع، يحتضن مواطنين يشعرون بمواطنيتهم وبأنهم معنيون في شؤونه”.
كلمة عضو مجلس إدارة ملتقى التأثير المدني المهندس إيلي جبرايل
السيّدات والسّادة،
نلتقي اليوم مرَّة جديدة في اللّقاء الخامس من مسار “الحوارات الصّباحيّة” تحت عنوان: “لبنان بين المواطنة وإدارة التعدّديّة: السّياق والإشكاليّات”، وقد قرّرنا في “ملتقى التأثير المدني” النّضال من أجل إعادة الاعتِبار لهويّة المواطنة، والتي نشأت منذ قيام دولة لبنان الكبير، ووردت في روحيّة دستوره في العام 1926، لكنّ ظروفًا كارثيّة وخيارات إنتحاريّة منعت ذلك حتّى الآن.
الوضع المأزوم ماليًّا، واقتصاديًّا، واجتماعيًّا كارثيّ ولم يعُد يُطاق. لكنّنا في “ملتقى التأثير المدني”، مصمّمون على البحث في مسبِّبات الأزمة، لا عوارِضِها، وبالتّالي نحن مقتنعون بالعمل التّراكُمي الهادئ والهادف، مصوّبين البُوْصلة لإنقاذ لبنان من هذا المستنقع الخطير وبناءِ سياساتٍ عامَّة تُطبّقها الحوكمة الرّشيدة، وهذا يقع في صُلْب هدف ورسالة “ملتقى التأثير المدني”، فنحنُ في لحظةٍ تاريخيّة دقيقة لا تفيدُ فيها الحُلول الرّماديّة.
السيّدات والسّادة،
مسار “الحوارات الصّباحيّة” أردناه مُنْطَلَقُ فِكرٍ تغييريّ إصلاحيّ لِفعلٍ تغييريّ إصلاحيّ، وبعد أن أطللنا في اللّقاء الأوّل على “المادّة 95 من الدّستور” آفاقًا وتعطيلًا، واللّقاء الثّاني على “اللاّمركزيّة الإداريّة الموسّعة: الإنماء المتوازن والعيش معا”، واللّقاء الثّالث حول “نِظام المجلِسَين أي مجلس النوَّاب ومجلس الشيوخ”، واللّقاء الرّابع حول “قانون الانتِخابات النيابيَّة بين عدالة التمثيل وفاعليَّة الحوكمة“ نُقارِب اليَوم مسألة مهمّة حول مفهوم المواطنة ربطًا بإدارة التعدّديّة عسى نغوص فيه مواجهةً لكُلّ محاولاتِ نحرِ الشعب اللّبناني وتفتيته على حدٍّ سواء.
هذا عهدٌ علينا ووعد.
عُشتم وعاش لبنان
كلمة الباحثة شادن هاني/ ميسّرة الحوار
إنّ التعارف والتعريف لا يَشْمل الإسم فقط، بل والانتماء الجغرافي، لدلالات خاصّة لها أبعاد اجتماعية دينية وسياسية تنقُض مفهوم المواطنة على الأقل في لبنان.
أثرت هذا الموضوع لكي أقول إنّ المواطنة تبدأ فينا وننقُضها كل يوم من خلال سلوكيات لا ننتبه لها (أمثلة: ذكر مكان السكن، الرموز، الشراء، حتى رنّة الهاتف أحيانًا…). لكن حين نقولُ مواطنة نقول وطن، فالإنسان بحاجة لوطن لكي يآذار المواطنة، لذلك توجد علاقةً بين الإثنين مبنيةُ على ثقافة تاريخية اجتماعية سياسية ودينية.
التاريخُ يقول لنا بأنّ الفينيقيين كانوا يقطنون هذه الأرض وجاءت عدّةَ فتوحاتٍ من الفُرس والمصريين والحثيين والرومان والصليبيين والأوروبيين وآخرَهم كانت القبائل العربية. هذا الخليط كان ليخلِق شعبًا واحداً ولكن لم يحدث، وخُلق نتيجتَه الواقع التعددي.
التعدُّديّة الأعمق
ولكن التعدُّديّة الأعمق كانت الطائفية، ويذهب الكثيرون من المفكرين إلى تصنيفها بالعلّة الأساسية. فجغرافيّةُ لبنان لم تحدَّد إلا بعد الحرب العالمية الأولى وإنشاء لبنان الكبير عام 1920، ومنذ الاستقلال ومعاهدة رياض الصلح وبشارة الخوري عام 1943، برزت فرص وكانت محاولات لبناء دولة حقيقية، لكن لم توضع ولم تآذار قواعد أو احكام ترعى وحدة الوطن وشعبه وترسّخ هذا الكيان وتثبّت ركائزه، كما أن السياسيين الذين تولوا شؤون الحكم لم يعطوا المواطن حقوقه بالكامل. فالحق في التعليم كان يقتصر على من لديه امكانيات مادية، كونه مِلك القطاع الخاص والتعليم الرسمي لم يكن للجميع. كذلك الحق في الطبابة، فالمستشفيات الحكومية لم تكن قادرة ومجهزة لتستوعب المرضى من ناحية العدد ونوعية الطبابة. الحق في العمل- الحق في المساواة أمام القضاء- الحق في ضمان الشيخوخة- الحق في حرية التعبير.
جميع هذه الحقوق وغيرها لم يتم تأمينها من قبل الدولة بشكل يؤمن للمواطنين حياة كريمة وعادلة. ومن ناحية أخرى لم يكن المواطن يؤدّي مسؤولياته بشكل كامل. الولاء لم يكن حصريًّا للوطن، الضريبة والرسوم، إحترام حرية الآخرين، خدمة العلم (الدفاع عن الوطن)، الإلتزام بالقانون والحفاظ عليه، إحترام الإختلافات بين فئات المواطنين، القيم الوطنية لم تكن جميعَها أولويّة لدى المواطن.
إنّ عدم التزام الدولة القيام بما يتطلبه وجودها من واجبات أفسح المجال للزعامات المحلية -الإقطاعية والدينية- بالنمو والنفوذ حيث شعر المواطن بأن الزعيم والاقطاعي والسياسي ورجل الدين يستطع أن يؤمن له الأمان والعمل والحماية والنفوذ، وهو الضمان الوحيد له في ظل تقاعس الدولة. هذا ما كرّس الطائفية والمذهبية، وانكفأت كل طائفة ضمن خصوصياتها ومصالحها بعيداً عن الإنفتاح على الغير.
الامتيازات المؤقّتة
في لبنان 18 طائفة ومذهب تشكل تعددية دينية حفظ الدستور حقوق كل منها. وأعطى الدستور امتيازاً مؤقتًا وأصبح دائم وهو توزيع السلطات على الطوائف الكبرى. وأصبحت الطوائف الأقل عدداً محرومة من المشاركة في السلطة كأنها من درجة أدنى من غيرها وأصبح بالتالي المواطنون فئات متعددة. وبهدف الاستمرار والحفاظ على حقوق القائمين على إدارة الطوائف، كرّس هولاء المصطلح اللبناني “موازين قوى” التي منعت وتمنعّت من إنتاج كتاب تاريخ موّحد يعزز مفهوم المواطنة وما يترتب عليها من واجبات وموجبات، وليكون هذا التاريخ الركيزة الأساسية في العقد الاجتماعي الذي يحدد، أول شيء وأهم شيء، هوية هذا الكيان والرؤية التي تؤهل لبناء وطن ومن ثم دولة ومن ثم رسالة.
قد كان لبنان عام 1943 (مع عهد رياض الصلح وبشارة الخوري) ذو وجه عربي، والآن أصبح (عربي الانتماء) وأصبحت الطوائف، في صراع على نفوذ سياسي، تلجأ الى الإستقواء بالغير من خارج لبنان إلى حدود الدخول في حروب محلية. وأصبح لبنان ساحة للصراعات الاقليمية. وهذا مما زاد من الانشقاقات والانفراد في ظل التعددية الدينية الموجودة في لبنان، وما اختراع كلمة (التعايش المشترك بين الطوائف) إلا ذراً للرماد في العيون.
ليس هنالك رؤية واحدة للبنان، ففي اتفاق الطائف إتفق الجميع على أنّ لبنان كيان نهائي بعدما كانت بعض المطالبات السياسية تدعو إلى اندماجه مع سوريا وآخرون يريدونه ضمن الوحدة العربية، والبعض يعمل على وحدة إسلامية وآخرون يقترحون الفدرالية والعولمة..
إنّ التعددية والتي تعتبر مصدر اثراء اصبحت في تكوينها الديني مصدر العلل والتناقضات، حتى لم يعد بالإمكان إصدار قانون للزواج المدني وذهب البعض إلى تكفير من يقوم به، لا ولا يرضى به رجال الدين لأي طائفة إنتموا حفاظًا على امتيازاتهم.
تراكم الأخطاء وعدم القيام بالإصلاحات أوصلنا الى هذه الحال. الحريات لم تعد مصانة ويتدخل السياسيون في الحريات الصحافية والاعلامية، القضاء لم يعد مستقلا أو عادلأ أو رادعا، الفرز الديمغرافي يمنع التقارب، قوانين الأحوال الشخصية وحقوق المرأة، قانون الانتخابات أيضًا له دور أساسي في تعزيز المواطنة، الفساد، وأخيراً ضبط الحدود …. كلها اشكاليات أمام دولة ضعيفة وشعب ضائع (الاشكاليات).
نقول أن الوضع معقدّ أو من أين نبدأ؟
شروط إدارة التعدّديّة
لبنان لا يعاني وحده من موضوع التعددية. أكثر تعدديّة دينية موجودة في الهند وأكثر البلاد تعدديّة ثقافية وعرقية في الولايات المتحدّة الأميركية (يعني لبنان مش موضوع موجود بلبنان فقط).
ولكن في البلاد المتطورة، التعددية هي مصدر غنى، تساعد في تطور المجتمعات وتطوير قيم مفاهمية مثل قبول واحترام الآخر والتعاون معه لإبتكار نُظم جديدة تراعي التنوع
وفي البلاد النامية، إذا لم تقارب بجديّة تصبح وصفة للأزمات، ودعوة لإضعاف الدولة لصالح الطغمة السياسية والدينية.
·من الشروط الأساسيّة لإدارة التعدديّة:
–نظام سياسي ديمقراطي، اعتماد القانون المرجع الوحيد في النزاعات والخلافات وحماية الحقوق بالتساوي، إحترام الاختلافات الثقافية والدينية والأعراف بين الفئات، من بين غيرها ..
من هُنا علينا العمل، فالمواطنة تبدأ من الإنسان، وهي لا زالت موجودة على الأقل لدى البعض الذي شارك في الإنتخابات مؤخراً وأيضًا لدى الجاليات اللبنانية المصرّة أن لا بديل سوى بقيام الدولة. ولكن علينا تعزيزها بكافة الوسائل الثقافية والتربوية والإعلامية والإجتماعية عبر التكاتف والوحدة التي منعها السياسيون عن شعب لديه من الوعي والغنى والنضج الكاف لينهض ويبني وطن. والدواء الشافي فصل الدين عن الدولة والإبقاء على خصوصية الأديان والأفراد في عبادة الله.
ورقة عمل الدكتور مكرم عويس
المواطنة اللبنانية والتنوع
مقدمة
شكراً لك السيدة شادن هاني على مقدمتك القيّمة، ويسرني أن أتواجد معك اليوم في هذه الجلسة، وصباح الخير للجميع. اسمحوا لي أن أشكر أولاً ملتقى التأثير المدني (CIH) على دعوتي إلى هذا اللّقاء الحِواريّ. إنه لشرف أن أكون معكم هذا الصباح وأشارككم بعض الأفكار حول موضوع المواطنة والتنوع. هذا الموضوع حساس ومهم لأنه لا يحدد كيف سنتواصل كلبنانيين مع بعضنا البعض فحسب، إنّما يحدد أيضاً كيف سنعمل معاً من أجل بناء لبنان المستقبل. لبنان الذي نطمح إليه كمواطنين. مداخلتي اليوم ستتكون من ثلاثة أجزاء، الجزء الأول منه يطرح واقع الحال الذي نحن فيه وكيف نتعامل نحن كمواطنين مع دولتنا ومع بعضنا البعض. والجزء الثاني يتناول ماهية الخيارات السياسية المتاحة لنا لمعالجة مسألة المواطنة والتنوع من وجهة نظر سياسية. أما الجزء الثالث والأخير فيقدم التطلعات المستقبلية ويقترح أفكاراً حول كيفية تعزيز المواطنة وتعميق احترام التنوع في لبنان. وأتطلع كثيراً إلى النّقاش وإلى أسئلتكم.
أين نقف كمواطنين وكيف نرتبط بدولتنا؟
رغم أنّ الأزمات العميقة التي شهدناها على مدى السنوات الثلاث الماضية أدت إلى دوامة اقتصادية حادة، وانهيار مالي ومصرفي، وشلل في مؤسسات الدولة، إلا أنّ جوهر المشكلة أولاً وقبل أي شيء هو سياسيّ في طبيعته. ترتبط أزمة الحكم التي نعاني منها إلى حد كبير بعوامل أرى بأنّها متجذرة، عميقة ومهملة، أي عوامل لم تعالج منذ سنوات طويلة: كيف نعرّف انتماءنا إلى لبنان وعلاقتنا بالآخرين؟ وترتبط هذه الأزمات ارتباطا مباشرا بالبعدين اللذين يشكلان موضوع نقاشنا هذا الصباح، ألا وهما المواطنة واحترام التنوع، أو ما يسمى الإدماج المجتمعي.
على الرغم من التدخل الأجنبي في شؤوننا الداخلية الذي عطل حياتنا السياسية أحياناً على مدى العقود الماضية، لا يزال اللبنانيون متأثرين بشكل كبير بعدد من العوامل الداخلية التي سأحاول إيجازها بالتالي:
– أولها ملفات حرب 1975- 1990 التي لم تُحل بعد، والتي تشمل بشكل بارز مصير 17000 شخص مفقود ومختفي قصراً، عدم وجود مصالحة فعالة على مستوى الشعب، عدم الاتفاق على منهج تاريخ مشترك منذ نهاية الحرب في عام 1990، وعدم تنفيذ دستورنا المعدل بعد الطائف.
ما ذكرته واضح للعديد من المحللين والمراقبين.
إنّما لا شك أنّ الأقل حديثاً عنه أو تداولاً فيه، هو الخوف المستمر لدى المواطنين من أن يكونوا غير محميين من قبل الدولة، خاصة إن كانوا يعيشون في مناطق يشكلون فيها الأقلية، أو حيث قد تحدث اشتباكات محتملة بين مجموعتين أو أكثر.
تجدر الإشارة إلى أنّ شعور الخوف الذي نشأت بذوره في زمن الحرب، توارثه الجيل الجديد من دون وعيٍ أو إدراك. وهذا ما شكل الحركات الديموغرافية في البلاد وأثر أيضاً على عودة المهجّرين إلى مناطقهم، والتي لا تزال محدودة. كما أنها تتواصل في تشكيل خيارات الأجيال الشابة بشأن مكان إقامتهم أو حتى مكان تنقلاتهم في جميع أنحاء البلاد. [أنا وعائلتي نحرص على زيارة جميع أنحاء لبنان. يحزنني عندما أخبر أحدهم أننا ذهبنا إلى مكان ما وهذا الشخص يقول: من الخطر الذهاب إلى هناك!]
يرتبط بشعور الخوف هذا، بشعور بالتهديد أيضاً، وذلك بسبب غياب دولة قادرة على وضع ضوابط على أسلوب حكم قادة الميليشيات الذين تحولوا إلى السياسيين الذين يديرون شؤون البلاد منذ اتفاق الطائف. ينبع الشعور بالتهديد أيضا من كيفية تمكن هؤلاء السياسيين، أو أي من مؤيديهم المقربين، من التفلّت من كل محاولات المحاسبة. فحالة التفلّت هذه، أكثر ما نراها عندما يتم تحدي سلطة السياسيين، مكانتهم أو حتى مقاعدهم. إن تحدّيهم للقضاء أو وسائل الإعلام أو القوات الأمنيّة الشرعيّة باستخدام الخطاب الطائفي والمثير للانقسام والعمل المسلح في الكثير من الأحيان، بما في ذلك العنف والاغتيالات لتفادي أي مساءلة، يعني أن الدولة لم تكن قادرة على معاملة جميع المواطنين على قدم المساواة. وعلى هذا النحو، خلقت هذه الحالة شعورا دائماً بالتهديد والاغتراب بين معظم المواطنين، وحتى بين أنصار قادة الأحزاب السياسية التقليديين. من هنا، يمكن للمرء أن يتساءل إن كان هذا الوضع هو من تصميم القوى السياسية التي ظهرت خلال الحرب من أجل خدمة مصالحها، والتي تحالفت مع أو استخدمت الجماعات الطائفية لهذا الغرض أم إن كان الوضع ظرفياً، أي نتيجة النظام التوافقي الذي ورثناه وعواقب حرب 1975-1990؟
وتقترن مشاعر الخوف والتهديد هذه بشكوك عميقة حول دور الدولة كوسيط نزيه، سواء كان ذلك في توفير الخدمات الاجتماعية، أو في التوظيف أو في الحصول على العقود، ولكن الأهم من ذلك هي الشكوك في توفير العدالة. كمواطنين، يطلب منا العودة إلى الأحزاب التي تمثل الجماعات الطائفية التي نرتبط بها عند الولادة، ويطلب منا المرور من خلالها أو من خلال النظام الطائفي حتى نتمكن من الوصول إلى الخدمات الحكومية ومعالجة القضايا المتعلقة بوضعنا المدني وحتى السعي لتحقيق العدالة.
كما إنّ مشاعر الخوف والتهديد والاغتراب والإحباط تجاه الدولة التي وصفتها آنفاً، قد تم تعزيزها والحفاظ عليها من خلال نظام انتخابي لا يزال منحازا بشكل كبير لصالح هؤلاء القادة والأحزاب الراسخة على الرغم من الإصلاحات المهمة الأخيرة. اغتراب شبابنا من خلال عدم السماح لهم بالمشاركة حتى يبلغوا الحادي والعشرين عاما، عدم بذل جهد لإشراك النساء، فشلنا في جعل مراكز الاقتراع والمدارس متاحة في يوم الانتخابات للأفراد ذوي الإعاقة، ليست سوى بعض الطرق التي يتم بها إبعاد المواطنين خارج دائرة صنع القرار. وتتفاقم هذه المشكلة بسبب النظام الطائفي، حيث يتم تصميم الدوائر الانتخابية والأصوات التفضيلية لخدمة هؤلاء القادة التقليديين والأحزاب السياسية. وتترسخ هذه المشاكل بسبب عدم الرغبة في وجود هيئة انتخابية مستقلة لإجراء الانتخابات، لكن الأهم من ذلك كله هو ضعف الرقابة على تمويل الحملات ووصول الأموال من الأجانب إلى الأحزاب. وقد تم إبعاد هذه القضايا بشكل كبير عن نظام التعليم المدرسي لدينا. ما جعل شبابنا يفتقر إلى الفهم السياسي الصحيح لماهية الديمقراطية وتأثير النظم الانتخابية والانتخابات وكيفية عملها.
وأخيرًا، لقد فشل نظامنا التعليمي، منذ الطائف، في تعزيز المعرفة والفهم والاحترام لخلفيات المواطنين الآخرين، والهويات والجماعات الدينية، والاحتياجات الخاصة، والجنس، والعرق، والإثنية، والتوجه الجنسي، وما إلى ذلك. ورغم أنّنا أحرزنا بعض التقدم في مجال التثقيف في ما خص حقوق الإنسان، إلا أنّنا بحاجة إلى المزيد. وقد حافظ هذا الغياب على حالة من التحيز ازداد بشكل كبير خلال الحرب الأهلية ويتم نقله من جيل إلى جيل. فالشباب تفتقر الى معرفة كيفية التواصل مع فئات مختلفة ومتنوعة في المجتمع اللبناني ما يضعف حس الإنتماء لديهم. لقد وصل تنوع النظم المدرسية وعدم قدرة الدولة على فرض معايير واضحة عندما يتعلق الأمر بالتربية المدنية ودراسة التاريخ إلى نقطة الأزمة. هذا، إلى جانب الخوف والتهديد القائمين، ما جعل شبابنا عرضة للتلاعب السياسي وأضعف حسّهم بالمواطنة ووضعهم كمفكرين أحرار وفاعلين سياسيين.
ما هي خياراتنا؟
الظهور التدريجي للدولة اللبنانية الحديثة في أوائل القرن العشرين الذي بلغ ذروته في استقلالها في عام 1943 إستقرّ على نظام سياسي ديموقراطي توافقي سمح بتوزيع المناصب الرئيسية على أسس دينية / طائفية. هذه الصيغة مقترنة بالهواجس المتعلقة بالتغيرات الديموغرافية السريعة بين الطوائف الدينية في لبنان بالإضافة إلى التطورات السياسية الإقليمية أدت إلى توترات سياسية كبيرة وعنف، وفي نهاية المطاف أدت إلى حرب أهلية. كانت الصيغة التوافقية موجهة نحو تعزيز شكل من أشكال الديمقراطية حيث يتم “إدارة” التنوع الديني.
مع ذلك وعلى مر السنوات، بدأت هذه الصيغة تواجه تحديا من قبل نماذج أخرى سائدة:
النموذج الأول، كان لدولة أكثر علمانية (غير دينية) تم الترويج لها في الغالب من قبل الجماعات ذات الميول اليسارية في الفترة التي سبقت الحرب الأهلية اللبنانية وبعدها. اعتمدت هذه الجماعات على حلفاء من خلفيات أيديولوجية متنوعة، واعتبرت قريبة من الشيوعية أو نظام البعث أو الجماعات المدعومة من الاتحاد السوفيتي.
والنموذج الثاني، والذي برز بقوة خلال الحرب الأهلية، هي الفيدرالية القائمة على الكانتونات الدينية التي تروج لها غالباً الجماعات التي تعتبرها الطريقة الوحيدة للحد من التغيرات الديموغرافية للمجتمعات الأخرى وحماية “طريقة حياة” مجتمعها.
النموذج الأحدث، انبثق عن الحركة الاجتماعية في 17 تشرين الأول 2019 ويعتمد على تقاليد ديمقراطية أكثر علمانية. هذه الحركة أقل أيديولوجية، لا تتماشى مع الشيوعية وغير طائفية في طبيعتها. وهي تطالب بمزيد من الشفافية والمساءلة في الحكم. والتأكيد على ضرورة إعادة تعريف المواطنة حول القيم غير الطائفية.
وقد تنافس المدافعون عن هذه النماذج الثلاثة أو تعارضوا مع النموذج التوافقي السائد، لكنهم لم يتمكنوا من استبداله حتى الآن، من هُنا:
تحولت حرب 1975-1990 اللبنانية إلى حرب أهلية. ربما كان اتفاق الطائف محاولة لمعالجة التوترات المنبثقة عن السيناريوهات السردية الثلاث، وذلك من خلال الحفاظ على الصيغة التوافقية الأولية كجسر لما هو آت، مع تشجيع المزيد من اللامركزية على المستوى الإداري لاسترضاء الدّاعية إلى الفدراليّة، والتحرك نحو دولة أكثر علمانية من خلال إدخال مجلس شيوخ لحماية المجالات الرئيسية ذات الأهمية للطوائف الدينية في لبنان والانتقال إلى مجلس النواب غير الطائفي في تكوينه لاسترضاء الجماعات الأكثر علمانية. في غضون ذلك، تم تعديل توزيع السلطة لاسترضاء الأحزاب الطائفية.
في حين أن الطائف، ربما يكون قد خلق في بنديه 22 و95 أملاً للبنان جديد- لبنان لاطائفي، إلا أنّ القوى السياسية القائمة على الطائفية، إلى جانب المؤسسات الدينية، رأت في هذه الإصلاحات تهديداً مباشراً لسلطتها ونفوذها وقاعدتها الشعبية. ما منع بالتالي أي تقدم ذي مغزى في هذا الصدد حتى اليوم.
وهكذا، وعلى الرغم من محدوديته الواضحة، لا يزال النموذج التوافقي وأبطاله الرئيسيون يتمتعون بالسيطرة على الدولة ويرفضون إفساح في المجال للاعبين سياسيين آخرين، على الرغم من انخفاض نسبة إقبال الناخبين التي تقل عن 50٪ واستمرار اغتراب جزء كبير من السكان، ناهيك عن الأداء السيئ على مدى العقود الماضية التي نحصد نتائجه اليوم.
ما هي التطلعات المستقبلية؟
يبقى السؤال: كيف يمكننا أن نمضي قدماً لتعميق حس متماسك بالمواطنة؟
الطريق إلى تحقيق ذلك والمقترح في هذا القسم الثالث والأخير، يرتكز إلى قراءات ومناقشات وخبرات عملية في هذا المجال، وهي كالآتي:
أولا، وقبل أي شيء، علينا أن نستثمر في الفرد، في المواطن. ولتحقيق ذلك، يلزم العمل على ثلاثة مستويات:
تعليم حقوق الإنسان في جميع المدارس في ضوء مناهج واضحة ومحددة جداً، وإدراجها كمادة تُعلَّم في كافة المراحل التعليمية.
مراجعة التربية المدنية وإضافة مكون سياسي مفقود حاليا، دوره الأساس هو في تسليط الضوء على كيفية عمل النظام اللبناني، ماهية مواقع السلطة، منهجية اتخاذ القرارات وقوانين تعديلها، وآلية عمل القضاء في لبنان.
المعرفة النقدية بالتاريخ من خلال إدخال واعتماد مناهج متفق عليها، تعزز بدورها التفكير النقدي وتستند إلى حقائق وتحترم الروايات المتنوعة، مع تعزيز نموذج يمكن أن يساعد في بناء دولة تحترم الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي تضم لبنان. لقد أوجد المؤرخون هذا بالفعل إلى حد كبير – إنّما ما نحتاج إليه هو إدراج ذلك النموذج في النظام التعليمي المدرسي.
ثانيًا، نحتاج إلى النظر إلى المستوى المؤسسي والمقترح هنا هو التالي:
إعطاء المجلس الدستوري صلاحية لتفسير الدستور وللنظر في القضايا التي يعرضها الأفراد ومجموعات صغيرة من المواطنين.
جعل استقلال القضاء أولوية قصوى، وإخراجه من سيطرة وزارة العدل مع توفير الحماية اللازمة للقضاة.
تشكيل لجنة وطنية لوضع قانون جديد للأحوال الشخصيّة المدنية.
إصلاح العملية الانتخابية لإخراجها من تقسيم الدوائر الصغيرة والتي تروج لها الأحزاب الطائفية وقياداتها. هذا إضافة إلى معالجة المجالات المذكورة سابقا.
وضع قانون جديد للأحزاب السياسية، حيث يحظر على الأحزاب تلقي التمويل من غير اللبنانيين، وتضطر إلى أن تعمل بشفافية وتآذار الديمقراطية داخليًّا.
التحرك السريع نحو الحكومة الإلكترونية لمعظم المعاملات، وذلك من أجل حماية المواطنين من أي تبعية للأحزاب و “الزعماء” لتلقي خدمات الدولة.
تعيين لجنة ترسم رؤية لكيفية تعزيز حس المواطنة من خلال ضمان التنوع والحقوق. وهذا يشمل الجوانب الكبيرة والصغيرة، بداية من إصلاح كلمات نشيدنا الوطني لتشمل النساء أيضاً.
ثالثاً، وأخيراً، نحتاج إلى إعادة توزيع مكامن القوة أو السلطة، وذلك من خلال:
تبني نهج تدريجي وشامل في أي عملية تفاوض من أجل التغيير.
إصلاح العملية الانتخابية لتشمل الإصلاحات المقترحة بموجب اتفاق الطائف.
وضع استراتيجية للتوحيد التدريجي للأسلحة في البلاد تحت رعاية الجيش.
السماح للمواطنين بالتصويت للانتخابات المحلية في مناطق إقامتهم حتى يشعروا بأنهم يستثمرون في إصلاح وتطوير المجتمعات التي يعيشون فيها.
استخدام عمليات الحكومة الإلكترونية من أجل تحقيق اللامركزية في السلطة، وزيادة تمكين الحكومات المحلية، وتمكين المواطنين بمقدرة صنع القرار.
في الختام، هناك ورشة عمل كبيرة أمامنا، لكن من المهم إتمامها بطريقة شاملة تأخذ في الاعتبار تنوع المجتمع اللبناني. فتنوعنا يجب أن يكون مصدر احتفاء، وليس مصدر خوف دائم يقسّم المواطنين. إذ في النهاية، لن يتمكن اللبنانيون من بناء لبنان على أرض صلبة وسيبقون ضعفاء أمام الأطماع والتهديدات الداخلية والخارجية إن لم يسعوا إلى تعميق حس المواطنة. هذا الحس الذي يترجم في أرض الواقع بشعور المواطن اللبناني بأنّ علاقته مع الدولة، ككل مواطن آخر، هي علاقة متساوية ومباشرة بموجب القانون. رغم أن الأمر قد يستغرق الوقت والمثابرة والمجهود إلا أن التقدم ممكن. أجل، يمكن أن يكون لدينا لبنان متنوع، لبنان يحتضن مواطنين يشعرون بمواطنيتهم وبأنهم معنيون في شؤونه.
