الدستور و " الميثاقية " وانتخاب رئيس الجمهورية

النوع: 

 

غير صحيح أنّ المسؤولين أو مستشاريهم القانونيين والدستوريين لا يعرفون الدستور، وغير صحيح أنَّ إنتخاب الرئيس ليس من صنع الخارج الإقليمي والدولي بإستثناء مرَّة واحدة في تاريخ لبنان، وغير صحيح أنهم اليوم قادرون على إنتخاب رئيسٍ دون تدخُّل خارجي.

والصحيح أنه لا إنتخاب في المدى المنظور لتلك الأسباب وغيرها. ومع ذلك نقول للتذكير: إنّ الدستور هو القانون الأساسي لـ"دولة القانون " بنظامها ومؤسَّساتها وسلطاتها وأجهزتها الدستورية وطريقة إنتخاب الحكام وصلاحياتهم وضمان حقوق المواطنين وحرياتهم وعقائدهم وملكياتهم وحُرُماتِ منازلهم وغيرها. وهو يَجُبُّ ما قبله من اتفاقات ومواثيق شفهية أو خطية. والدستور المكتوب هو الميثاق لكل دولة دستورية يَعْلو على كل القوانين والمواثيق الداخلية لكنَّه يقبل التعديل بالطرق الدستورية المنصوص عنها في المواد /76/ و /77/ و/78/ و /79/ في المجلس النيابي وليس في الشوارع والإضرابات وقطع الطرقات أو في الحَرَدِ ومقاطعة الجلسات النيابية أو الوزارية لأسباب شخصية. والنظام في لبنان، بحسب الدستور، "جمهوري ديموقراطي برلماني "يقوم على "مبدأ الفصل بين السلطات" تحكم فيه الأكثرية والأقلية تعارض ومن لا يعجبه ذلك يستطيع الإستقالة. وهنا لا بدَّ من لَفْتِ النظر إلى أنه لا يحق لأي حزبٍ أو فريق ولو كان يتمتَّع بأكبر كتلة نيابية مسيحية أو إسلامية، أن يعاند لتخصيص أي مركز له على أساس هذه الأكثرية، لأنّ الحق يعود الى الطائفة وليس الحزب أو الكتلة أو التيار بدليل المادتين /28/ و /95/ من الدستور حيث تنصّ الأولى: ".... أمَّا الوزراء فيجوز إنتقاؤهم من أعضاء المجلس النيابي أو من أشخاص خارجين عنه أو من كليهما ". ولم ينص الدستور على تمثيل الكتل والأحزاب والتيارات، لأن نظامنا طائفي غير حزبي. والدليل الآخر الواقعي أنه يجوز انتخاب الرئيس من خارج البرلمان.

وعليه لا يجوز مخالفة الدستور وفتح أبواب مُغلقة في غير زمانها ومكانها تشبّثاً وعناداً، والمطالبة بأمور نصَّ عليها الدستور والقانون ولا يطبِّقونها جميعاً وليس جهة واحدة، خصوصاً في ما يتعلَّق بالإصلاحات السياسية التي تشمل أكثر مِمَّا يطالبون به، وعلى سبيل المثال: إنتخاب رئيس الجمهورية ووضع قانون جديد للإنتخابات النيابية وإلغاء الطائفية السياسية، لا الطوائف، التي تؤسِّس لتحقيق المواطنة فيصل كل مواطن إلى حقه أكان مسلماً أم مسيحياً أم مُلحداً، وإعتماد اللامركزية الإدارية الموسَّعة وخطة الإنماء المتوازن في كل المناطق ثقافياً وإجتماعياً وإقتصادياً، بالإضافة إلى المحاكم والتعليم والحياد وتعزيز قوى الأمن وجهاز الأمن والقوات المسلحة ومخابراتها وغيرها. وقد مضت عليها 27 سنة!

أمَّا "الميثاقية" التي تُثار من حينٍ الى آخر، خلافاً للدستور لأسبابٍ شخصية، فلم تعد قائمة بوجود الدستور، وهي التي أعلنها الجنرال "غورو" عام 1920،كما أعلن "دولة لبنان الكبير" قبل دستور عام 1926. وما زال هناك من يقول بهما في حين أنّ الدستور ألغاها بالمادة /101/: "إبتداءً من أول أيلول سنة 1926 تُدعى دولة لبنان الكبير الجمهورية اللبنانية دون أي تبديلٍ أو تغييرٍ آخر". وهذه "الميثاقية" تعني التمايز وعدم المساواة والسلطات المطلقة بتعيين الوزراء وتسمية رئيسٍ منهم وإقالتهم وتولية الموظفين في مناصب الدولة إلى آخر ما هنالك من إختلافات عميقة تُفرِّق ولا تجمع، وتفسح للتدخل الأجنبي، وتفضي إلى الإنقسامات والحروب التي عانى منها لبنان الكثير. في حين أن العيش المشترك هو القائم الآن بنص الدستور "الفقرة ي" من مقدمة الدستور ويعني القبول بالآخر رغم إختلاف العقيدة والدين والإعتراف به وتحقيق العدالة والمساواة ونبذ الإختلافات، دون الخلاف في الرأي والأفكار، ورفض الإنقسامات العمودية والأفقية والإيمان بوطنٍ واحدٍ سيد حر مستقل لجميع أبنائه المتساوين أمام القانون المتمتعين بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية حسب المادة /7/ من الدستور. والعيش المشترك يرفض "الثنائية" التي تتعارض والدستور أو لا ينص عليها وتتمسك بالوطن وسيادته وإستقراره. والوطن كما عرَّفه سيادة المطران جورج خضر في إفتتاحية صحيفة " النهار " في تاريخ 29/8/2015: "الوطن مفهوم مُتحرِّك وموروث معاً" وهذا ما ينطبق على العيش المشترك، لأنَّ مَنْ يعتقد أنه موروث فقط يبقى في دائرة الإنعزال و"الميثاقية" والعرب "العاربة" و"الفينيقية" بينما كلنا مسلمين ومسيحيين عرباً مستعربة. وننتقل إلى إنتخاب رئيس الجمهورية، بالرغم من أنَّ الناخب الأكبر في الخارج، وليس في لبنان، فنقول يجب الإصرار على إنتخابه، ليس لأنّ بمقدوره حلّ أزمة لبنان المرتبطة بالقوى الإقليمية والدولية والعدو الصهيوني والمنظمات الإرهابية وخريطة الشرق الأوسط المعدَّة منذ زمن بعيد، ولكن لأنّ الدستور ينص على ذلك في المواد /49/ و/73/ و /74/ و /75/ ومن أجل أن تكتمل السلطات الإجرائية وحتى لا يُستغل ذلك من الداخل والخارج على حدٍّ سواء. وبعدم إنتخاب الرئيس يكون النواب قد خالفوا الدستور ووظيفتهم الإنتخابية ووكالاتهم عن الشعب وتنكّروا لوطنيتهم. صحيح أنّ الدستور، لم يُحدِّد مهلة لإنتخاب الرئيس، ولكن إحدى المخالفات المذكورة أعلاه تكفي معنوياً لحضور الجلسات أو الإستقالة، بالإضافة إلى معاني الكلمات "حكماً" و"فوراً " و "حالاً" الواردة في المواد /73/ و /74/ و /75/، والواجبات الدستورية والأخلاقية المتوجبة عليهم.

وتبقى المحاسبة للشعب الذي يبدو أنه لا يحاسب. ويتساءل المتسائلون وهم كثر: هل الطائفة المارونية الكريمة لم يعد فيها غير أربعة، مع إحترامنا لهم، وَخَلَتْ من الشخصيات الوطنية المارونية التي أكثر من أن تُعد وتُحصى؟ وهل يجوز هذا الحصر الذي يخالف المادة السابعة من الدستور المذكورة آنفاً؟ أم أنّ تعطيل مجلسي النواب والوزراء يحقق الحرية والديموقراطية والبرلمانية؟ وهل الشرعية تكون بالقبول بهذا دون ذاك وإلاَّ لا تكون؟ ويبقى السؤال الدستوري الأكبر الذي يقوم عليه أساس الوطن وبناء الدولة: هل الأكثرية المارونية هي التي تأتي برئيس الجمهورية أم الأكثرية المسيحية والإسلامية؟ وهذا السؤال ينطبق على رئيسي مجلس النواب ومجلس الوزراء. ومن المفيد أن نشير إلى من يزعم أن له حقوقاً مسلوبة يريد إستعادتها، من أي فريق كان، أن يلجأ إلى المجلس النيابي المرجع المختص لا إلى الشارع. ولكن المستغرب أن يكون المجلس شرعياً إذا إنتُخب أحدهم وإلاَّ فهو غير شرعي، وعاشت الديموقراطية!

الكاتب: 
حسن مرعبي
التاريخ: 
الجمعة, سبتمبر 9, 2016
ملخص: 
أمَّا "الميثاقية" التي تُثار من حينٍ الى آخر، خلافاً للدستور لأسبابٍ شخصية، فلم تعد قائمة بوجود الدستور، وهي التي أعلنها الجنرال "غورو" عام 1920،كما أعلن "دولة لبنان الكبير" قبل دستور عام 1926. وما زال هناك من يقول بهما في حين أنّ الدستور ألغاها بالمادة /