إشكالية تعديل الطائف هذه المرة عبر الكنيسة
عندما طرح البطريرك الماروني بشارة الراعي تعديل بعض بنود اتفاق الطائف الذي هو دستور لبنان بعد الحرب، كان من الطبيعي ان يكون لطرحه وقع كبير خاصة انه يأتي من رأس الكنيسة المارونية
عندما طرح البطريرك الماروني بشارة الراعي تعديل بعض بنود اتفاق الطائف الذي هو دستور لبنان بعد الحرب، كان من الطبيعي ان يكون لطرحه وقع كبير خاصة انه أتى من رأس الكنيسة المارونية، في طرح هو الأول من نوعه من هذا الموقع الماروني، فمن المعروف ان اتفاق الطائف يثير ما يثيره على صعيد الطائفية السياسية وإنهاء هيمنة المارونية السياسية. هو -أي الراعي- أثار مسألة صلاحيات الرئيس وضرورة ان يكون لديه القدرة على حسم الامور في مثل هذه الازمات، واثار مسالة المشاركة السياسية وهما مسألتان لا تخلوان من الأهمية الكبرى في بلد الطوائف والطائفية، لكنه اكد على عدم العودة للنظام الرئاسي.
وقد انطلق البطريرك في طرحه وتساؤله من مسألة الأزمة الحكومية فقال اننا امام ازمة حكومية لا نعرف كيف ستنتهي فهل يجوز ان يموت البلد ونحن نتفرج عليه، فمن يقرر في هذا الموضوع؟ ومن يشكل حكومة الآن وينهي الأزمة؟ وقال ان رئاسة الجمهورية من دون صلاحيات هل تستطيع ان تحل المشاكل المطروحة؟ ينبغي ان تعطى رئاسة الجمهورية الصلاحيات الضرورية. وخلص الى اننا اذا كنا في حاجة الى طائف ثان فليكن، لان المشاركة كانت اختزالاً ولم تكن مشاركة حقيقية.
قوبل موقف الراعي بمواقف مختلفة فمنها من رأى ان سنوات من الضياع في السلطة كافية لنقتنع بأن الطائف بحاجة لتعديل، ومنها من قال أننا قلصنا صلاحيات رئيس الجمهورية الذي يجب أن يكون حامي الدستور في وطن القانون والمؤسسات، وعطلنا مجلس الوزراء مجتمعا وقبلنا أن نختصره برئيسه، ومنها من تساءل كيف سيتم الحديث عن تعديل الطائف بظل الانقسام السياسي الحاد؟ ومنها من اعتبر ان موقف الراعي وقع في غير الظرف والتوقيت الملائمين بغض النظر عن صوابية هذا الموقف.
وكان موقف الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله الذي دعا الى الخروج من مسألة التمسك بالطائف او تعديله الى الحديث عن تطوير النظام القائم وعدم الرجوع الى الوراء فتبحث لجنة متخصصة في ثغرات النظام ويتم سدها. ودعا الى ان تكلَّف "لجنة من قانونيين وسياسيين وأناس هادئين وليس لهم علاقة بالعمل السياسي اليومي والأزمات السياسية اليومية فيجلسوا ليقيّموا هذه التجربة ويبيّنوا أين توجد ثغرات أو خلل أو فراغ وأن يقترحوا آليات دستورية أو قانونية لمعالجة هذه الأمور ويكون العنوان هو تطوير النظام".. وقال "نحن بالفعل بحاجة إلى تطوير النظام في لبنان ليتماشى مع حجم الحاجات والتطورات والتحديات المالية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية وإلى آخره. لا نستطيع أن نبقى حيث نحن".
سجعان قزي: اذا كان هناك توافق لإعادة النظر في الثغرات التي برزت من خلال التطبيق فلم لا؟
موقع المنار استطلع آراء عدد من السياسيين حول هذا الامر ومدى امكانية تعديل دستور الطائف، فاعتبر نائب رئيس حزب الكتائب سجعان قزي ان "هذا الموقف الذي اعلنه البطريرك الراعي سبق لرئيس الجمهورية ميشال سليمان ان طالب به في خطاب القسم ثم في خطاب عيد الجيش عام 2009 ودعا الى اصلاح الشوائب الموجودة في الطائف ولكن من منطلق دستوري اكثر منه منطلقا طائفيا"..
واضاف "اعتقد ان موضوع تعديل الطائف غير مطروح في الوقت الحاضر فهو ليس من الأولويات وإن كنا قد دعينا الى تصويبه في ضوء تجربة حسن او سوء تطبيقه، فالاولوية اليوم تشكيل الحكومة".
واكد قزي ان "القضايا الدستورية والوطنية مثل الطائف والدستور والمركزية يتم النظر فيها من منظار ايجابي ووطني وعلى كل حال هذا امر لا يمكن ان يتم الا بتوافق كل الاطراف.. اذا كان هناك توافق لإعادة النظر في الثغرات التي برزت من خلال التطبيق فلم لا واخر ثغرة تعطيل البلد وعدم القدرة على تشكيل الحكومة".
وقال قزي "لا يجوز ان تكون الاستشارات ملزمة ومهلة تشكيل الحكومة مفتوحة، هل يبقى البلد بلا حكومة وكل السلطات معطلة لأنه لا يوجد مادة دستورية تلحظ اعاد النظر بالتطليف في حال مر اشهر دون حكومة؟ هذه مثلا احدى الثغرات التي لا علاقة لها بصلاحيات ودور الطوائف".
البير منصور: التعديلات الأساسية لا مبرر لطرحها والمهم ان يطبَّق الطائف بروحيته
الوزير السابق البير منصور يرى من جهته انه "بالنسبة للتوقيت اعتقد ان ما دفع البطريرك لهذا الطرح هو الأزمة الحكومية التي نحن فيها" مشددا على انه "لم يطرح تعديلات جوهرية وليس بصدد طرح مثل هذه التعديلات كما فهمت.. اعتقد ان كل ما يطالب به البطريرك اليوم تمكين الرئيس من القيام بدوره لجهة بعض التعديلات مثل إمكان حل المجلس النيابي او الحكومة في بعض الحالات واذا اثارت هذه المسائل خلافات فلا امكانية بتطبيقها فالمهم ان تكون بالاتفاق".
وقال "انا سمعت المقدمة التي طرحها البطريرك وعلى اساسها يجب اجراء تعديلات وهذه المقدمة تشير الى بعض التعديلات التي تمكن الرئيس من القيام بدوره وتسهيل عمل المؤسسات اما العودة الى الحكم الرئاسي فلا احد لديه استعداد لذلك".
واكد منصور ان "التعديلات الأساسية لا مبرر لطرحها والمهم ان يطبَّق الطائف بروحيته فالمأساة منذ العام 1992 هي انه تم الانقلاب عليه ولم يطبق لا في ما يتعلق بالقوات السورية ولا بالشق الداخلي".
ومن هنا يؤكد منصور ان "المطلوب الآن تنفيذ اتفاق الطائف وليس تعديله فالظرف غير مناسب اطلاقا لإجراء تعديلات ومن غير المطروح اجراء هذه التعديلات اليوم فالمطروح فقط قضية مبدأية واكثر من ذلك لا يحتمل الوضع".
وقال "ما تبين بعد الممارسة كلها ان بعض التعديلات التي تمكّن الرئيس من القيام بدوره يمكن بحثها لتسهيل سير العمل الدستوري".
وفي ما خص اعادة تطبيق الطائف بشكل صحيح يوضح منصور ان هذا الامر يتعلق "خاصة بموضوع الحكم في مجلس الوزراء والمشاركة بشكل فعال وحقيقي، فهناك محاولة هيمنة لرئيس الوزراء منذ العام 92 لجهة العمل من خارج المؤسسات وهذا مخالف لجوهر اتفاق الطائف فيجب الخروج من هذه الحالة نحو حكم مجلس الوزراء مجتمعا واعادة السلطات في المؤسسات الى الوزراء".
عدنان عرقجي: يمكن البحث في بعض النقاط لكن ليس الآن
النائب السابق عدنان عرقجي يعتبر انه "قد يجوز ان يكون هناك بعض النقاط التي من الممكن زيادتها على اتفاق الطائف لكن طبعا ليس الآن .. فلا شيء غير قابل للنقاش لكن في الوقت المناسب على مستوى وضع البلاد السياسي والاجتماعي والاقتصادي.. لننته الان من موضوع الحكومة وتنتهي الشقيقة سورية من الموضوع الذي هي فيه حتى تكون البلاد والنفوس مرتاحة في لبنان وعندئذ يمكن ان نجلس على الطاولة ونرى البنود الجديدة إن كانت لمصلحة لبنان لم لا، فلا شيء اسمه دستور منزل"..
ويلفت عرقجي الى ان "المسألة ليست فقط مسألة توقيت هذا الطرح بل ايضا ما هي النقاط التي يراد النظر فيها ، ففي موضوع صلاحيات الرئيس ما هي النقاط التي أُخذت من الرئيس والآن تستعمل في غير مكانها وما هي الاشياء التي يمكن زيادتها على صلاحياته ليتحسن الاداء السياسي في هذا البلد؟".
ويشير عرقجي الى ضرورة تطبيق الطائف ويقول "حتما لم يطبق اتفاق الطائف بالشكل الكامل فأين مجلس الشيوخ واين الإنتخاب على اساس الدائرة الواحدة كما ذكر الرئيس بري؟"..
وثيقة الوفاق الوطني في الطائف وبعض ما جاء فيها
اقرت وثيقة الوفاق الوطني اللبناني بعد ان اتفق عليها النواب اللبنانيون في اجتماعاتهم في مدينة الطائف في المملكة العربية السعودية وقد أتت لتعلن نهاية الحرب اللبنانية وتؤسس لقيام الجمهورية الثانية.
إزاء تفاقم الأوضاع العسكرية وحالة الفراغ في سدة رئاسة الجمهورية بعد انتهاء ولاية الرئيس أمين الجميل وعدم انتخاب خلفٍ له وتعيين قائد الجيش حينها العماد ميشال عون رئيساً لحكومة عسكرية، وانقسام هذه الحكومة واستقالة وزرائها المسلمين وعدم الاعتراف بها في الجانب المسلم، عمدت لجنة المتابعة العربية التي انبثقت عن مؤتمر القمة العربي إلى دعوة النواب اللبنانيين من خلال الموفد العربي الأخضر الإبراهيمي إلى التوجه إلى مدينة الطائف للاتفاق على تسوية تُنهي الحرب اللبنانية.
توجه 63 نائباً (من أصل 76 نائباً هم النواب الأحياء حينها من 99 نائباً هم عدد أعضاء مجلس النواب) في 29 أيلول 1989 إلى الطائف، وبعد جلسات عديدة توصل المجتمعون إلى إقرار صيغة الاتفاق وذلك يوم 22 تشرين الأول 1989.
اجتمع مجلس النواب في 5 تشرين الثاني 1989 في مطار القليعات في شمال لبنان لإقرار وثيقة الطائف التي نالت موافقة 58 نائباً وتحفَّظ عليها 3 نواب، وجرى بعد ذلك انتخاب رينيه معوض رئيساً للجمهورية.
أما الإصلاحات التي نص عليها اتفاق الطائف فتم اعتماد بعضها بصورة دستورية من خلال إقرار القانون الدستوري في 21ـ9ـ1990 بحيث أصبحت جزءاً من الدستور.
المبادئ العامة
نتيجة التعديلات الدستورية التي حصلت في 21ـ9ـ1990 بموجب اتفاقية الطائف أضيفت مقدمة إلى الدستور اللبناني ابرز ما تضمنته هو في الفقرة ب التي حسمت نقاشاً طويلاً وقديماً حول هوية لبنان فأكدت ان «لبنان عربي الهوية والانتماء وهو عضو مؤسس وعامل في جامعة الدول العربية وملتزم قوانينها، كما هو عضو مؤسس وعامل في منظمة الامم المتحدة وملتزم قوانينها....».
كما أكدت الفقرة ط على «رفض التجزئة والتقسيم والتوطين» وكذلك أكدت الفقرة ح على «إلغاء الطائفية السياسية هدف وطني أساسي يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطة مرحلية».
صلاحيات رئيس الجمهورية
طرأت تعديلات كثيرة على صلاحيات رئيس الجمهورية فقلّصتها لمصلحة مجلس الوزراء مجتمعاً ورئيس مجلس الوزراء الذي أصبح شريكاً أساسياً في الحكم، وتوقيعه أساسي في جميع المراسيم، ما خلا مرسوم تسميته رئيساً للحكومة أو استقالته أو اعتبار الحكومة مستقيلة، كما حُرم الرئيس من حق حلّ مجلس النواب وقيِّد بمهلٍ زمنية لنشر وتوقيع القوانين والمراسيم كما كان الأمر قبل الطائف في حين لا توجد مثل هذه القيود على سائر الرؤساء وحتى الوزراء.
صلاحيات رئيس مجلس النواب
التعديل الأساسي الذي حصل هو جعل ولاية الرئيس 4 سنوات بدلاً من سنة واحدة وهذا ما عزَّز موقعه.
صلاحيات رئيس الحكومة
أصبح رئيس الحكومة شريكاً أساسياً في الحكم واختياره لهذا المنصب لم يعد نتيجة إرادة ومشيئة رئيس الجمهورية بل بعد اختياره من النواب وهذا ما أعطاه قوة، وتوقيعه أساسي في كل المراسيم ما خلا تسميته أو استقالته.
وبعد الطائف أصبحت صلاحياته كالآتي:
ـ يرأس مجلس الوزراء ويكون حُكماً نائباً لرئيس المجلس الأعلى للدفاع
ـ يجري الاستشارات النيابية لتشكيل الحكومة ويوقِّع مع رئيس الجمهورية مرسوم تشكيلها
ـ يوقِّع مع رئيس الجمهورية جميع المراسيم ما عدا مرسوم تسميته رئيساً للحكومة ومرسوم قبول استقالة الحكومة أو اعتبارها مستقيلة
ـ يدعو مجلس الوزراء إلى الانعقاد ويضع جدول أعماله ويُطلع رئيس الجمهورية مسبقاً على المواضيع التي يتضمنها وعلى المواضيع الطارئة التي ستُبحث
ـ يتابع أعمال الإدارات والمؤسسات العامة ويُنسّق بين مجلس الوزراء ويعطي التوجيهات العامة لضمان حسن سير العمل
ونص الاتفاق على انه «على مجلس النواب المنتخب على أساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين اتخاذ الإجراءات الملائمة لتحقيق إلغاء الطائفية السياسية وتشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية تضم بالإضافة إلى رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء شخصياتٍ سياسيةٍ وفكريةٍ واجتماعية، مهمة الهيئة دراسة واقتراح الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفية وتقديمها إلى مجلس النواب والوزراء ومتابعة تنفيذ الخطة المرحلية». وبالرغم من انتخاب أول مجلس على أساس المناصفة في عام 1992 فإنّ تشكيل الهيئة لم يحصل حتى اليوم ولا تزال الطائفية تسيطر على كافة مفاصل الحياة في لبنان.
