مقالة

مئوية الدستور اللبناني: قرن من التوازنات والأزمات

 

في 23 أيار 1926، تحت سماء الانتداب الفرنسي، أُعلن دستور لبنان الكبير. لم يكن مجرد وثيقة قانونية، بل محاولة تاريخية لصياغة عقد اجتماعي يجمع طوائف متنوعة في إطار دولة حديثة. اليوم، وبعد مرور قرن كامل، يقف هذا الدستور شاهداً على مرونته وقدرته على الصمود، كما على ثغراته التي ساهمت في أزمات لبنان المتكررة.

وبينما يدخل لبنان مئوية دستوره وسط انهيار اقتصادي ومؤسساتي غير مسبوق، يعود السؤال الأساسي: هل تعثّر التطبيق، أم أن الأزمة تكمن في بنية النظام نفسه كما صاغها دستور 1926 وتعديلاته اللاحقة؟

نشأة دستور في زمن الانتداب

مئوية دستور 1926: منطلقان للمستقبل في المنهجية والذاكرة

 

تتصف غالبًا الأبحاث والمناقشات والسجالات والتوصيفات المتعلقة بالدستور اللبناني، وهي غالبًا ذات توجهات أيديولوجية، بغياب المنهجية في تصنيف النظام الدستوري اللبناني ضمن النظرية الدستورية العالمية اليوم. وتفتقر أيضًا إلى البُعد التاريخي اللبناني في الاختمار والمعاناة. ومن يسعى إلى التجدد والأصالة والتعمّق يُوصَف، أو يُتَّهَم أيديولوجيًا، بأنه يدافع عن "الصيغة"، مع تلوّث تام لهذا المصطلح أيضًا.

"1926 – 2026 دستور لبنان: 100 عام"... ملفّ خاص من "النهار"

 

منذ ولادته في زمن الانتداب، ظلّ الدستور مرآة لتحوّلات لبنان: الاستقلال، الطائف، الحروب، التسويات، والانقسامات التي أعادت طرح السؤال نفسه في كل مرحلة: أي لبنان نريد؟

في مئوية الدستور اللبناني، لا تبدو العودة إلى نصّ 1926 استعادةً لوثيقة قانونية بلغت قرناً من الزمن، إنما هي مراجعة لمسار دولة ما زالت تبحث عن توازنها بين الفكرة والمؤسسة، بين العيش المشترك وأزمات الحكم. فمنذ ولادته في زمن الانتداب، ظلّ الدستور مرآة لتحوّلات لبنان: الاستقلال، الطائف، الحروب، التسويات، والانقسامات التي أعادت طرح السؤال نفسه في كل مرحلة: أي لبنان نريد؟

"الطائفية": من خطاب السوق إلى منهجية المادة 95

 

تبيّن دراسة المادة 95 من الدستور في التطبيق أشكال تبرير الزبائنية، حتى في ما يتعلق بحراس الغابات وإدارة عامة غير كفوءة وغير منتجة وعبء على المال العام. يقول إبراهيم شمس الدين: "لبنان مكوّن من طوائف محترمة ونبيلة. أما اليوم، إذا كنت غير مستزلم، فإني درجة رابعة في طائفتي!". تكمن المخادعة وسوء تطبيق المادة 95 في ذهنيات سائدة حول "الطائفية" – وهو تعبير يستعمله ميشال شيحا بين مزدوجين - وفي اجتزاء إعلان رياض الصلح في بيانه الوزاري لدولة الاستقلال سنة 1943. يورد رياض الصلح بدقة متناهية وتكرارًا في البيان الوزاري التأسيسي:

مئوية لبنان الكبير بين فلسفة دستور 1926 وأزمات الكيان: قراءة في نشأة الدولة وتحولات العقد الوطني

طرح سعودي لتطبيق "اتفاق الطائف" بعد 37 عاماً: الأسباب والخلفيّات

مئوية دستور 1926 أم "عصفورية دستورية" مستمرة؟

 

يعيش اللبناني العادي سجالات شبه يومية، في كل مناسبة وغير مناسبة، بشأن ما يوصف بالدستور أو بمصطلح "النظام". ويعيش سجالات دائمة حول مصطلح "الطائفية" و"الطائفية السياسية"، مع رغبة سحرية ومستقبلية في "الإلغاء"!

طوال مراحل الأزمات في السنوات 1975-1990، ومع تضخّم اقتراحات إصلاحية من قبل من وصفهم وضاح شراره بـ "الورّاقين"، أي مقدّمي الأوراق الإصلاحية، مقارنةً بعمّال "الورقة" و"التوريق" في الطرش و"الدهان"، وصف غسان تويني الظاهرة العامة والمستدامة بـ "العصفورية الدستورية"! هل نعيش، ولا نزال، في "عصفورية دستورية"، أو سوق عكاظ دستورية، أو بالأحرى لا دستورية؟

مفتاح "الطائف" هو إنهاء السلاح

 

من الملاحظ أنه ثمة بعض الحملات الناعمة التي انطلقت بالتزامن مع زيارة الأمير يزيد بن فرحان إلى بيروت، وعملت على استثمار المناخ المشحون أساسًا في هذه المرحلة الحسّاسة من تاريخ البلاد، من أجل بث تأويلات وتسريبات عن مخرجات الزيارة تتسم بالكثير من المبالغة والافتعال العاري من أي سياق جديّ. من جملة هذه التسريبات المفخخة كان ترويج أن من أهداف الزيارة الرئيسية كبح اندفاعة رئيس الجمهورية في المفاوضات مع إسرائيل، وإعادة ربط لبنان بالإجماع العربي.

الطائف والسيادة المفقودة: لبنان بين وصايات الماضي والتحولات الراهنة

 

منذ أكثر من خمسة وثلاثين عامًا، يظل اتفاق الطائف الركيزة الأساسية للنظام اللبناني، رغم التحولات السياسية والاقتصادية والأمنية التي شهدها لبنان والمنطقة. تم توقيع الاتفاق عام 1989 لإنهاء الحرب الأهلية اللبنانية، لكنه لم يكن مجرد وثيقة دستورية لتنظيم توزيع السلطات، بل جاء كتسوية سياسية إقليمية-داخلية أعادت رسم توازن القوى وربطت بناء الدولة بمصالح محلية ودولية متشابكة.

طبقوا اتفاق الطائف الآن الآن وليس غداً

 

إنها دعوة جدية الى تطبيق الطائف كاملاً، فلا يشعر أي مكوّن بالغبن والإقصاء والظلم والاضطهاد، لأن هذه الأمور لا تضمن المحافظة على ميثاق العيش المشترك.

الصفحات

اشترك ب RSS - مقالة