الهواجس المسيحية في مواجهة مسار التسويات!
تُظهر العناوين المطروحة في سياق الحراك السياسي العربي الراهن تصاعداً واضحاً في منسوب القلق لدى الأوساط المسيحية، ليس فقط من مآلات التسوية المحتملة، بل من طبيعة المقاربة المعتمدة في إعادة ترتيب النظام. يتمحور جوهر هذا القلق حول الالتزام بتطبيق اتفاق الطائف كاملاً، من دون انتقائية أو تجزئة، باعتباره الإطار الدستوري الناظم للتوازنات الوطنية.
في هذا السياق، تبرز مسألة اللامركزية الإدارية والمالية الموسعة كأحد أبرز مطالب الإصلاح المؤجّلة. ويعكس رفض المكون السياسي والحزبي المسلم هذا الطرح تبايناً عميقاً في قراءة مفهوم الدولة، بين من يراه مدخلاً لتعزيز الفاعلية والإنماء المتوازن، ومن يعتبره خطوة قد تؤدي إلى تفكيك السلطة المركزية أو إعادة إنتاج انقسامات بنيوية، لكنها فعلياً ستحدّ من سطوته على الدولة ومؤسساتها. كما يبرز المطلب المسيحي بإلغاء الطائفية بشكل كامل لا الاكتفاء بأن يكون الإلغاء حكراً على السياسية منها كاشتراط أساس لإستكمال هذه العملية المتكاملة.
أما على مستوى التمثيل السياسي، فتتخذ مسألة المناصفة الفعلية بعداً محورياً. إذ ترتبط المخاوف بإمكانية العودة إلى قوانين انتخابية تُعيد إنتاج اختلالات عددية، على غرار ما يُعرف بقانون المحدلة، بما يؤدي عملياً إلى ترجيح كفة المكوّن المسلم في اختيار ممثلي البرلمان، وإنتاج التمثيل المسيحي المختل. من هنا، يُطرح هذا الملف كاختبار حقيقي لمدى الالتزام بروح الشراكة، لا مجرد نصوص شكلية.
في موازاة ذلك، يُعاد إحياء النقاش حول إنشاء مجلس الشيوخ، المنصوص عليه في الطائف، مع طرح أن تكون رئاسته من حصة المسيحيين وأن يكون بصلاحيات فعلية لا شكلية. هذا الطرح يُقدَّم كجزء من إعادة توزيع الأدوار بين مجلس نواب غير طائفي مستقبلاً ومجلس شيوخ يُمثّل الهواجس الطائفية، إلا أن غياب توافق وطني حول آليات التنفيذ يبقيه في دائرة التعطيل.
إلى جانب ذلك، تتقدم مسألة صلاحيات رئاسة الجمهورية، حيث يُنظر إلى التآكل الذي أصاب هذا الموقع إما نتيجة سوء تطبيق الدستور أو غموض بعض مواده، كعنصر خلل في التوازن التنفيذي. وعليه، يبرز اتجاه يدعو إلى إعادة تحصين هذه الصلاحيات أو توضيحها، بما يمنع التأويل السياسي الذي غالباً ما يتم توظيفه في لحظات الأزمات.
كما يُطرح مطلب تأطير المهل الزمنية في عمليتي التكليف والتأليف كآلية للحد من الفراغات المزمنة التي شهدها لبنان. فغياب سقوف زمنية واضحة لرئيس الجمهورية في الدعوة إلى الاستشارات، وللرئيس المكلّف تشكيل الحكومة، أسهم في تعطيل المؤسسات، مما يستدعي مقاربة أكثر صرامة لضمان انتظام العمل الدستوري.
تعكس هذه العناوين محاولة لإعادة تصويب مسار النظام من داخل نصوصه الأصلية، لكنها في الوقت نفسه تكشف عمق التباينات بين المكونات حول تفسير هذه النصوص وآليات تطبيقها، مما يجعل أي تسوية رهناً بتوازن دقيق بين الإصلاح والتوافق.
