مقالة

الطائف بعد 36 عامًا.. بين تسوية استنفدت غاياتها وسؤال المؤتمر التأسيسي

 

منذ إقراره عام 1989، لم يكن اتفاق الطائف مجرد محطة أنهت حربًا أهلية طويلة، بل صيغة حكم أعادت توزيع السلطة على قاعدة توازن دقيق بين الطوائف. غير أن هذه الصيغة، التي قُدِّمت بوصفها جسرًا نحو دولة مدنية، تحوّلت مع الزمن إلى نظام مكتمل يكرّس الطائفية بدل أن يمهّد لإلغائها تدريجيًا كما نصّ الدستور.

وبعد أكثر من ثلاثة عقود، لم يعد النقاش محصورًا في تقييم نجاح الطائف أو إخفاقه، بل في مدى صلاحيته لإدارة بلد تبدّلت معادلاته الداخلية وتبدّل معه الإقليم.

اتفاق الدوحة: هل أنقذ الطائف أم كشف أزمته؟

 

لم يكن اتفاق الدوحة مجرد تسوية سياسية أنهت أزمة داخلية في لبنان عام 2008، بل شكّل محطة مفصلية أعادت طرح السؤال حول طبيعة النظام اللبناني نفسه: هل جاء الاتفاق لإنقاذ اتفاق الطائف أم أنه كرّس واقعاً سياسياً جديداً تجاوزه عملياً؟

في ذلك الوقت، كان لبنان يعيش فراغاً رئاسياً وشللاً حكومياً وانقساماً حاداً بين فريقي الثامن والرابع عشر من آذار، وسط احتقان مذهبي متصاعد ومؤسسات دستورية عاجزة عن إنتاج أي حل. أما أحداث السابع من أيار، فقد كشفت هشاشة التوازنات الداخلية، وأظهرت أن البلاد باتت على حافة انفجار شامل.

الميثاقية والطائف: التناقض في خطاب الثنائي الشيعي

 

منذ لحظة إعلان الحكومة اللبنانية نيتها حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، برز اعتراض واضح من "حزب الله" وحركة "أمل"، اللذين اعتبرا أن مثل هذا القرار "غير ميثاقي"، مستندين إلى مبدأ المشاركة الطائفية في القرارات المصيرية. وقد ترافق ذلك مع انسحاب الوزراء الشيعة من الجلسات، ما أعاد إلى الواجهة النقاش حول حدود الميثاقية من جهة، والتزام اتفاق الطائف من جهة أخرى.

اتفاق الطائف: كيف وُلِد وماذا تحقّق منه وماذا لم يتحقّق من بنوده؟

 

يشكل اتفاق الطائف، أو “وثيقة الوفاق الوطني”، إحدى أهم المحطّات في تاريخ لبنان الحديث. فمن خلاله انتهت الحرب اللبنانية التي استمرّت خمسة عشر عاماً، وأُعيد تنظيم النظام السياسي اللبناني، ورُسمت ملامح الجمهورية الثانية التي لا تزال قائمة حتى اليوم.

مئوية الدستور اللبناني بين دولة المؤسسات وميثاقية التعطيل

 

التجاذبات الطائفية، وأدخل البلاد مراراً في فراغات طويلة عطّلت مؤسسات الدولة وأضعفت ثقة اللبنانيين بالنظام السياسي.

ولم تتوقف المشكلة عند هذا الحد، بل امتدت أيضاً إلى آلية الاستشارات النيابية الملزمة، إذ لم يفرض الدستور مهلة واضحة على رئيس الجمهورية للدعوة إليها، ما سمح بتحويل الاستحقاقات الدستورية إلى أدوات ضغط سياسي تستخدمها القوى المتنازعة لتحسين شروطها داخل السلطة.

السلاح منع تطبيق الإصلاحات... هل لا يزال اتفاق الطائف صالحاً مع المتغيرات؟

 

35 عاماً تأخر لبنان عن تطبيق الطائف، هو الدستور الذي يشكل القاسم المشترك لأبناء هذه الدولة، من أجل تثبيت مفهومي الاستقرار فالازدهار.

أكثر من ربع قرن تأخرنا، فهل حان الوقت للانتقال إلى صيغة أخرى؟

بعد "العصف الجنوني" الذي أُدخل فيه البلد، سؤال محوري: هل لا يزال الطائف صالحاً مع هذه المتغيرات؟ وهل من محاذير لتعديله؟

35 عاماً تأخر لبنان عن تطبيق الطائف، هو الدستور الذي يشكل القاسم المشترك لأبناء هذه الدولة، من أجل تثبيت مفهومي الاستقرار فالازدهار.

ما بين حراسه والمنقلبين عليه... هل الطائف بخطر؟

 

من بين الكلام الخطير الذي أدلى به رئيس "التيار الوطني الحر" النائب جبران باسيل يوم الأحد الفائت تشديده على أن "جوهر الأزمة الوجود والدور والشراكة في دولة تقوم على الإصلاح، وحتى الطائف الذي ارتضيناه ونطالب بتنفيذه وتطويره، وقدمنا مشروعا متكاملا بهذا الخصوص، صار المتمسكون به هم من يسيء اليه، بسوء تطبيقه وعدم احترام نصوصه ورفض تطويره، وبسببهم صار الطائف بخطر".

مئة عام على دستور 1926 .. تكفي!

 

في الثالث والعشرين من أيار، أتمّ الدستور اللبناني مئويته الأولى. مئة عام مرّت على نصٍّ وُضع ليكون هيكلًا لجمهورية ناشئة، فإذ به يتحول إلى عقد "مساكنة إكراهية" يُجدَّد بالغنائم والدم والدموع. واليوم، والبلاد تنوء تحت ثقل تحلّل بنيوي غير مسبوق، لم يعد التساؤل ترفًا: هل ما زال النظام صالحًا لإعادة لَحْم دولة مفككة الأوصال؟ أم أن الاستمرار فيه هو الجريمة الكبرى بحق المستقبل؟

الهواجس المسيحية في مواجهة مسار التسويات!

 

تُظهر العناوين المطروحة في سياق الحراك السياسي العربي الراهن تصاعداً واضحاً في منسوب القلق لدى الأوساط المسيحية، ليس فقط من مآلات التسوية المحتملة، بل من طبيعة المقاربة المعتمدة في إعادة ترتيب النظام. يتمحور جوهر هذا القلق حول الالتزام بتطبيق اتفاق الطائف كاملاً، من دون انتقائية أو تجزئة، باعتباره الإطار الدستوري الناظم للتوازنات الوطنية.

اتفاق الطائف من جديد: تسوية مؤجّلة أم ثمن مسبق لسلاح لن يُسلَّم؟

 

 يبدو أن إعادة إحياء اتفاق الطائف اليوم لا تعني بالضرورة اقتراب تطبيقه، بقدر ما تعكس محاولةً إقليمية لملء الفراغ السياسي اللبناني ومنع انزلاقه إلى خيارات أكثر خطورة.

الصفحات

اشترك ب RSS - مقالة