اتفاق الطائف: كيف وُلِد وماذا تحقّق منه وماذا لم يتحقّق من بنوده؟

النوع: 

 

يشكل اتفاق الطائف، أو “وثيقة الوفاق الوطني”، إحدى أهم المحطّات في تاريخ لبنان الحديث. فمن خلاله انتهت الحرب اللبنانية التي استمرّت خمسة عشر عاماً، وأُعيد تنظيم النظام السياسي اللبناني، ورُسمت ملامح الجمهورية الثانية التي لا تزال قائمة حتى اليوم.

وقّع الاتفاق في مدينة الطائف السعودية في تشرين الأول/أكتوبر 1989، وأقرّه مجلس النواب اللبناني في تشرين الثاني/نوفمبر من العام نفسه. ومنذ ذلك الحين، أصبح المرجعية الدستورية والسياسية الأساسية للدولة اللبنانية. غير أن الاتفاق بقي موضع نقاش دائم بين من يعتبره الصيغة التي أوقفت الحرب وحفظت التوازن الوطني، ومن يرى أن تطبيقه تعرّض لتشويه كبير خلال مرحلة الوصاية السورية وما بعدها.

لفهم هذه الوثيقة لا بد من العودة إلى الظروف التي سبقته، والمحطّات التي مهّدت له، والواقع الذي كان يعيشه لبنان والمنطقة العربية في أواخر ثمانينيات القرن الماضي.

ما هو إتفاق الطائف؟

 لم يكن اتفاق الطائف حدثاً منفصلاً عن مسار الحرب اللبنانية، بل جاء نتيجة سلسلة طويلة من المحاولات السياسية التي سعت إلى معالجة الأزمة اللبنانية منذ السنوات الأولى للحرب.

فمنذ اندلاع الحرب عام 1975، انقسم اللبنانيون بين فريق أيّد الوجود الفلسطيني المسلح على الأراضي اللبنانية واعتبره جزءاً من معركة أوسع ضد إسرائيل، وفريق رأى أن هذا الوجود يهدد سيادة الدولة اللبنانية ويقود البلاد إلى صراعات تتجاوز قدراتها ومصالحها.

ومع تعقّد الحرب وتدخل أطراف إقليمية ودولية متعدّدة، برزت الحاجة إلى إعادة النظر في النظام السياسي اللبناني الذي تأسس بعد الاستقلال عام 1943، خصوصاً في ما يتعلّق بتوزيع الصلاحيات والتوازنات بين المكونات اللبنانية.

المحاولات الأولى للإصلاح

في شباط/فبراير 1976، طرح الرئيس سليمان فرنجية ما عُرف بـ”الوثيقة الدستورية”، التي تضمنت أفكاراً إصلاحية متقدّمة بالنسبة إلى تلك المرحلة، أبرزها المناصفة بين المسلمين والمسيحيين في مجلس النواب وإعادة توزيع بعض الصلاحيات بين الرئاسات الثلاث.

لكن الحرب كانت قد تجاوزت آنذاك حدود الخلافات الدستورية، وتحوّلت إلى صراع إقليمي مفتوح، الأمر الذي حال دون نجاح المبادرة.

وخلال الثمانينيات، تكرّرت محاولات التوصل إلى تسوية سياسية. فعُقد مؤتمر جنيف عام 1983 ثم مؤتمر لوزان عام 1984 بمشاركة أبرز القيادات اللبنانية. وتركز النقاش يومها على مستقبل النظام السياسي واتفاق 17 أيار بين لبنان وإسرائيل، إضافة إلى الإصلاحات الدستورية المطلوبة.

ورغم أهمية تلك الاجتماعات، فإنها لم تنجح في وقف الحرب أو إنتاج تسوية نهائية.

الاتفاق الثلاثي ومحاولة دمشق الإمساك بالحل

 في نهاية عام 1985، وُقّع في دمشق ما عُرف بالاتفاق الثلاثي بين حركة أمل بقيادة نبيه بري والحزب التقدمي الاشتراكي بقيادة وليد جنبلاط والقوّات اللبنانية بقيادة إيلي حبيقة.

عكس الاتفاق رغبة سورية واضحة في إعادة صياغة التوازنات اللبنانية بما يكرّس نفوذ دمشق داخل لبنان. وقد تضمّن تعديلات واسعة على بنية السلطة، وأعطى دوراً محورياً لسوريا في إدارة الشأن اللبناني.

لكن الاتفاق واجه معارضة واسعة داخل البيئة المسيحية، واعتبره كثيرون انتقاصاً من السيادة اللبنانية. وبعد أسابيع فقط، سقط الاتفاق إثر الانتفاضة التي قادها سمير جعجع داخل القوّات اللبنانية وإطاحته قيادة إيلي حبيقة في كانون الثاني/يناير 1986.

الطريق إلى الطائف

مع انتهاء ولاية الرئيس أمين الجميل في أيلول/سبتمبر 1988، دخل لبنان مرحلة جديدة من الانقسام السياسي. فقد تشكّلت حكومة عسكريّة برئاسة قائد الجيش العماد ميشال عون، فيما استمرّت حكومة الرئيس سليم الحص في ممارسة صلاحياتها في بيروت الغربية.

وفي آذار/مارس 1989، أعلن عون “حرب التحرير” ضد الاحتلال السوري في لبنان. إلا أن المواجهات وما رافقها من قصف واسع للمنطقة الشرقية أدّت إلى خسائر بشريّة وماديّة كبيرة من دون تحقيق أهدافها السياسية والعسكرية.

بالتوازي، كانت جامعة الدول العربية تتحرّك لإيجاد مخرج للأزمة اللبنانية. فتشكلّت لجنة عربية ثلاثية ضمت المملكة العربية السعودية والجزائر والمغرب، وتولت رعاية جهود التسوية.

وبعد أشهر من الاتصالات والمشاورات، انتقل النواب اللبنانيون إلى مدينة الطائف في المملكة العربية السعودية في أواخر أيلول/سبتمبر 1989، حيث استمرّت الاجتماعات 23 يوماً قبل التوصل إلى الصيغة النهائية لوثيقة الوفاق الوطني.

أبرز بنود الاتفاق

أقر اتفاق “الطائف” مجموعة من التعديلات الجوهريّة على النظام السياسي اللبناني.

ومن أبرز هذه البنود:

–تكريس المناصفة بين المسيحيين والمسلمين في مجلس النواب.

–تعزيز دور مجلس الوزراء مجتمعاً في السلطة التنفيذية.

–  إعادة توزيع بعض صلاحيات رئيس الجمهورية.

–حلّ جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم أسلحتها إلى الدولة.

–بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها.

–  اعتماد اللامركزية الإدارية الموسعة.

–إنشاء مجلس شيوخ بعد إلغاء الطائفية السياسية.

–التأكيد على العلاقات المميزة بين لبنان وسوريا ضمن إطار احترام سيادة البلدين واستقلالهما.

–تشكيل هيئة وطنية لبحث إلغاء الطائفية السياسية.

 ولم يقتصر اتفاق الطائف على إعادة توزيع الصلاحيات بين المؤسسات الدستورية، بل قدّم رؤية متكاملة للدولة اللبنانية بعد الحرب. فقد أكّد أن لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه، واحد أرضاً وشعباً ومؤسسات، وأن الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسسات الدستورية. كما شدّد على احترام الحريّات العامّة والعدالة الاجتماعية والإنماء المتوازن بين المناطق، ورفض التقسيم والتجزئة والتوطين، مع تأكيد أن لا شرعيّة لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك.

كما تضمّن الاتفاق إصلاحات دستوريّة ومؤسساتية واسعة، أبرزها تعزيز دور مجلس الوزراء في السلطة التنفيذية، وإنشاء مجلس دستوري لمراقبة دستورية القوانين والبت في الطعون الدستورية والانتخابية، وإنشاء مجلس اقتصادي اجتماعي للمساهمة في رسم السياسات العامة، إضافة إلى النص على إنشاء مجلس شيوخ.

من الطائف إلى نهاية الحرب

أُقرّ الاتفاق رسمياً في مجلس النواب اللبناني في 5 تشرين الثاني/نوفمبر 1989، وانتخب النواب الرئيس رينيه معوض رئيساً للجمهورية.

غير أن معوض اغتيل بعد سبعة عشر يوماً فقط من انتخابه، في حدث اعتُبر ضربة مبكرة لمسار تطبيق الاتفاق.

وبعد انتخاب الرئيس الياس الهراوي، استمرّت المواجهة مع حكومة العماد ميشال عون إلى أن نفذت القوّات السورية عملية 13 تشرين الأول/أكتوبر 1990 التي أنهت الوجود العسكريّ لعون وأخرجته من لبنان، معلنة عملياً نهاية الحرب اللبنانية.

تطبيق الاتفاق: ما الذي تحقق؟

 نجح اتفاق الطائف في إنهاء الحرب وإعادة توحيد المؤسسات الدستورية وإطلاق عجلة بناء الدولة اللبنانية.

المصدر: 
التاريخ: 
الجمعة, يونيو 26, 2026
ملخص: 
لم يقتصر اتفاق الطائف على إعادة توزيع الصلاحيات بين المؤسسات الدستورية، بل قدّم رؤية متكاملة للدولة اللبنانية بعد الحرب أكّد أن لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه، واحد أرضاً وشعباً ومؤسسات، وأن الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة.