أزمة المراسيم: بين حصّة "الطائف".. وحصص الطوائف

النوع: 

 

في وطني لبنان، انتهت فصول حرب الآخرين التي دارت رحاها على الارض اللبنانية، بتتويج التوقيع على اتفاق الطائف واعتباره الدستور الجديد للبنان، وتسميته بالجمهورية الثانية التي أنهت مفاعيل جمهورية 1943 الطائفية. بيد أن معظم اللبنانيين بقي متمسكاً بالصيغة الطائفية، ولم يستسغ تنفيذ أهم بنود اتفاق الطائف وهو تأسيس "الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية"، وذلك لتخليص مؤسسات الدولة من الانتماء الطائفي والانتقال الى مفهوم المواطنة الحقيقية، والنهوض بالدولة وتطوير مؤسساتها على أسس وطنية.

إن بعض الجهات السياسية في لبنان عملت ـ ولم تزل تعمل ـ على تعطيل  تنفيذ كامل بنود اتفاق الطائف، وهي تريد إلغاء مفاعيله، لا سيما إنشاء مجلس الشيوخ، ومنع تأليف اللجنة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية.  والاخطر من هذا وذاك، هو عملية التشويه الممنهجة والمقصودة  لبنود الاتفاق، خصوصاً ما تم إقراره في وثيقة إتفاق الطائف، ألا وهو ضرورة إنتاج قانون إنتخابي يؤمن عدالة التمثيل من خلال اعتماده مبدأ النسبية على مستوى الوطن.

ان عدم التزام الطبقة السياسية تطبيق بنود اتفاق الطائف، أدّى إلى انفصامٍ بين المؤسسات والدولة وبين المواطن وانتمائه للدولة، وذلك بعد نجاح الجهات السياسية بالقبض على مفاصل الدولة وصارت تتقاسم النفوذ على مؤسساتها من خلال احتكار الوظائف بها، وتجيير مكتسبات الطائف للمصلحة الشخصية أو الحزبية أو الطائفية والمذهبية.

إن إقرار قانون انتخابي طائفي بامتياز يلبس لبوس النسبية، هو نفسه "قانون أرثوزوكسي" طائفي، على عكس ما اتفق عليه في صلب اتفاق الطائف. فهذا القانون الانتخابي لا يمكنه تأمين عدالة التمثيل الوطني الحقيقي، لأن عدالة التمثيل تكمن في اعتماد لبنان دائرة انتخابية واحدة، واذا تعذر ذلك فلا ضير من اعتماد المحافظات الخمس الكبرى  على أساس النسبية الكاملة، ضماناً لأوسع تمثيل وطني،  وليس كما حصل باقرار القانون الانتخابي الحالي الذي اعتمد تقسيم لبنان إلى دوائر طائفية ومذهبية، إضافة إلى احتساب الصوت التفضيلي على مستوى الدائرة وليس على  مستوى القضاء أو المحافظة.

إن مثل هذا القانون الانتخابي لن يؤدي إلى تمثيلٍ عادل، بل إنه سيزيد من غلواء الطائفة، ويقود إلى شراسة التشطيب داخل الحزب الواحد، أو حتى داخل العائلة الواحدة، ما يعزّز الفرز الطائفي والمذهبي داخل الوطن الواحد. وبذلك  نكون قد فوتنا علينا، كلبنانيين، وعلى لبنان، فرصة ثمينة  لتأمين الانصهار الوطني، وفرصة إجراء انتخابات نيابية  تأتي باوسع تمثيل عادل ووطني يؤمّن الاندماج الوطني الحقيقي.

إن زعماء الطوائف في لبنان، ما فتئوا يضغطون باتجاه الحفاظ على مبدأ المحاصصة الطائفية في مؤسسات الدولة، بهدف الاحتماء والتلطي كل خلف طائفته او مذهبه. وبذلك فإن اتفاق الطائف تعرّض لعطب دائم، وعطل من الصعب إصلاحه. بل نستطيع القول إن اتفاق الطائف صار فاقد القدرة على التحرّك ويجلس على كرسي متحرك يُدار بحسب مصالح الطوائف او المذاهب في لبنان.

ان زعماء الطوائف والاحزاب في لبنان تعمّدوا الإضرار باتفاق الطائف، وعملوا على احتكار الدولة لصالح طوائفهم وأحزابهم. بذلك غاب الانتماء الوطني وغيّبت المواطنة، وصار السعي الى تعزيز نفوذ الطائفة أو المذهب متقدماً على المصلحة الوطنية وعلى حساب الوطن، ما أصاب المؤسسات بالوهن والفوضى، واستفحل الفساد في مجمل مرافق الدولة.. إلا من رحم ربّي ممن فضّلوا المصلحة الوطنية بعيداً عن طوائفهم ومذاهبهم، وهم قلائل.

إن من يعتقد أن الأزمة بين بعبدا وعين التينة تتلخّص بالخلاف على صلاحية التوقيع على مرسوم منح الاقدمية  لضباط دورة 1994، أو حول احترام الدستور من عدمه، هو واهم أو أنه يتحنّب الخوض في حقيقة مقاصد الخلاف، ألا وهو ادّعاء كل طرف أنه الحريص على حقوق الطائفة التي ينتمي اليها، وإبراز أفضل ما لديه بهدف زيادة، أو تكبير حجم حصته، من ضمن قاعدة المحاصصة المعمول بها.

وبما أن الخلاف بين الرئاستين الأولى والثانية قائم على مبدأ تنازع الحصص والمصالح، فالمتوقع أن تبقى الأزمة لأجل غير معروف، ليشتد معها العصب الطائفي والمذهبي المربح في موسم انتخابات آتية على مبدأ النسبية التي تخيف زعماء الطوائف من خسارة بعضٍ من نفوذها وعددٍ من مقاعدها النيابية،  فيما الوطن دائماً وحده من يدفع الثمن من حصته الآخذة بالاضمحلال والذوبان.

من هنا وحتى إقرار قانون انتخابي عابر للطوائف والمذاهب يعتمد لبنان دائرة انتخابية واحدة على مبدأ النسبية الصحيحة، فإن أي نتائج ستفرزها الانتخابات المقبلة لن تأتي بنتائج تعبّر عن التمثيل الصحيح، فيما الحصص الطائفية والمذهبية آخذة  بالازدياد والاستشراس في لبنان.

نحن لسنا أمام خلاف على توقيع مرسوم وحسب، بل نحن أمام أزمات رئاسات طائفية حقيقية ومستمرة طالما استمرت الذهنية الطائفية والمذهبية سائدة في لبنان.

الكاتب: 
رفعت البدوي
المصدر: 
التاريخ: 
الخميس, يناير 25, 2018
ملخص: 
بعض الجهات السياسية في لبنان عملت ـ ولم تزل تعمل ـ على تعطيل تنفيذ كامل بنود اتفاق الطائف، وهي تريد إلغاء مفاعيله، لا سيما إنشاء مجلس الشيوخ، ومنع تأليف اللجنة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية. والاخطر من هذا وذاك، هو عملية التشويه الممنهجة والمقصودة ل