خيارات لبنان المستقبل: النظام الطائفي، الفيدرالية، أم الدولة المدنية؟
سأبين في هذه الدراسة، أن النظام الطائفي السياسي اللبناني قد أوصل لبنان إلى طريق مسدود، بحيث لا يمكن إصلاحه أو تحسينه. وقد أنتجت الطائفية السياسية مذهبية سياسية، وكلاهما ناتج عن طائفية مجتمعية حاضنة لهما. إن فشل هذا النظام في الاستجابة للتحديات الداخلية والخارجية التي واجهها لبنان في الماضي، وبخاصة بين العامين 1975 و1990، ويواجهها في الوقت الراهن، وفي مقدمها وضع قواعد متينة للتعايش الطوائفي، جعل البعض يتصور الحلّ في الدولة الفيدرالية. إلا أن الفيدرالية تشكل خطراً كبيراً على الكيان اللبناني، ذلك أن اللبنانيين يفتقدون إلى ثقافة التعايش معاً كأقلية وأكثرية في دولة فيدرالية، أو جنباً إلى جنب كفيدراليات مستقبلية، ما قد يؤدي إلى تقسيم لبنان، فضلاً عن أنهم يختلفون على السياستين الخارجية والدفاعية، اللتين هما من اختصاص الدولة الفيدرالية المركزية. من هنا، لا يبقى أمام اللبنانيين، سوى فكرة الدولة المدنية الديمقراطية العادلة التي تتعاطى مع شعبها على أساس المواطنة، من دون اعتبار للدين أو اضطهاد أتباع الأديان والعقائد. فتغيب بذلك الطائفية السياسية ويتساوى المواطنون وتتقوى اللحمة الاجتماعية في ما بينها، فيقوى لبنان تجاه الخارج ويتماسك. ولكي لا تصطدم الدولة المدنية بأتباع الأديان، يمكن أن يُترك للجماعات الدينية قضايا الأحوال الشخصية. فيتأسس عند ذلك، دولة مدنية ترعى الشأن السياسي العام المشترك على أسس غير طائفية.
النظام الطائفي السياسي: مساوئه وآفاقه المسدودة
الطائفية أو المذهبية، هي في الأساس معطى اجتماعي يتعلق بالجماعات التي ترتبط كل واحدة منها برباط ديني أو مذهبي مختلف عن الأخرى، بغض النظر عن مدى تدينها. وفي لبنان، تترسخ الطائفية والمذهبية، كما هو معروف، في البنيان الاجتماعي والسياسي والثقافي يوماً بعد آخر، وتمنعانه من الانتقال إلى مصاف الدولة الحديثة، على الرغم من أن اللبنانيين يتكاذبون بأنهم يعيشون حالة من “العيش المشترك” أو “العيش الواحد”. ويشير الواقع على الأرض، إلى أنهم أسسوا دولة طائفية فاشلة أعاقت بناء دولة المواطنة، حيث تمكنت الطوائف الدينية من أن تستقوي على الدولة اللبنانية، تارة بموجب مواد دستور طائفي، وتارة أخرى بواقع اجتماعي طائفي على الأرض، فتتمسك كل طائفة بخصوصيتها التي تجعلها تتصادم في كثير من الأحيان مع خصوصيات الطوائف الأخرى، حتى مع الهوية الوطنية.
وبنتيجة الطائفية المجتمعية المستشرية في الجسم اللبناني منذ قرون، والطائفية السياسية الملحوظة في الدستور منذ العام 1926، مروراً بالميثاق الوطني لعام 1943، و»وثيقة الوفاق الوطني»، نشأت في لبنان هوية ثقافية خاصة تقوم على الدين، وعلى خصوصية الطائفة في محيطيها الضيق والواسع، وعلى تمجيد ماضيها وثقافتها وتجاربها التاريخية، وصولاً إلى الاختلاف على الحاضر والمستقبل. وطالما أن الدولة اللبنانية قد أوكلت، بموجب الدستور، الطوائف الدينية شؤون التربية والتعليم وأحوالها الشخصية من ناحية، وأهملت شأن التعليم الرسمي والتربية المواطنية من ناحية أخرى، ولم تتعامل مع الفرد اللبناني على أنه مواطن في دولة، بل تابع إلى طائفة، فقد نتج عن ذلك ثقافة طائفية وتعايش على أساس الاختلاف وعدم الاعتراف بالآخر، وصولاً إلى محاربته واستئصاله. وهذا ما أدى إلى حصول تمركز على الذات، وجعل العلاقات بين الطوائف تقتصر على الوظيفية (Functional relations) والبروتوكولية (Protocol relations) وحدهما، اللتين لا تؤديان إلى حصول اندماج مجتمعي، حيث تراوح العلاقات بين المجموعات الدينية أو المذهبية حدي التعايش والنزاع، وعدم القدرة على الاتفاق على هوية وطنية. فكان «تركيب» لبنان ككيان سياسي في العام 1920 من مجموعات طائفية لكل منها عقيدتها وثقافتها وتجربتها التاريخية، بداية نزاعات مستمرة حتى اليوم.
عندما تأسس لبنان رسمياً في العام 1920، رفضه نصف سكانه المسلمون، وارتضى به ودافع عنه نصفه المسيحي الآخر. تطلع النصف الأخير إلى الغرب برباط الدين والتاريخ والثقافة، فيما تطلع نصفه الأول إلى محيطه العربي برباط الإسلام والعروبة اللذين مزج بينهما. وعندما جرى التوافق بين النصفين على التعايش في لبنان المستقل، لم يتمكن الميثاق الوطني من دمج النصفين معاً وراء هوية وطنية أو وراء إيديولوجية توحيدية، لأن الطائفية السياسية المرتكزة إلى الطائفية المجتمعية دخلت في بنيانه الدستوري، ولا تزال مستمرة وبشكل تصاعدي، حتى أضحت مذهبية أيضاً. كان على اللبنانيين أن يصدقوا كذبة اخترعوها جميعاً بأنهم يتعايشون معاً بكل الود والمحبة والصدق، حتى أنهم صدقوا أنهم يعيشون في وطن. عكس ذلك، كان لكل طائفة مشروعها الذي ينطلق من خصوصيتها وتجربتها وعلاقاتها مع الخارج.
إن إمساك المسيحيين بمفاصل السلطة والإدارة في لبنان، وفي الوقت نفسه تحقيقهم قفزات اقتصادية وثقافية على المسلمين تعود إلى العهد العثماني، جعل الهوة سحيقة بين الجانبين. فلم يتمكن المسلمون من اللحاق بالمسيحيين، لكنهم حسدوهم على انجازاتهم، بعدما شعروا بغبن لاحق بهم، يوم بدأت الديموغرافيا الإسلامية تتقدم على تلك المسيحية. وأصبحت هناك تساؤلات في صفوف النخب الإسلامية حول الصلاحيات الواسعة والخطيرة التي أنيطت برئيس الجمهورية، وحول استئثار المسيحيين بالمراكز العليا في الإدارة اللبنانية. ومن بين الأسئلة التي طرحوها بقوة: لماذا يخدم النظام الطائفي المسيحيين في لبنان ويستبعد المسلمين؟ ولماذا لا يستطيع مسلم أن يتبوأ منصب رئاسة للجمهورية، أو أن يصل إلى منصب معين، ولماذا جعل الدستور الطائفي رئيس الحكومة ورئيس المجلس النيابي مجرد ملحقين برئيس الجمهورية؟ ولماذا مناطقهم البعيدة محرومة، بينما يقتصر الإنماء على بيروت وجبل لبنان؟
وفي ظل طائفية/مذهبية مجتمعية في لبنان أنتجت معطى سياسياً على شاكلتها، انعكس على الدولة ومؤسساتها، أخذت كل طائفة أو مذهب تعمل على تسويق أهدافها وسياساتها وفق انتمائها الديني أو المذهبي. فتشكل منذ تأسيس لبنان حتى اليوم نظام بنيوي طائفي سياسي اتفقت فيه قيادات الطوائف والمذاهب على تقاسم السلطة ومؤسسات الدولة، وفق محاصصة طائفية ومذهبية. فتمخض عن ذلك ولاء سياسي وتعصب للطائفة أو للمذهب، فضلاً عن خطاب طائفي/مذهبي وتحاسد وصراع على المناصب والمراكز والثروات. لقد أمكن في فترة ما قبل حرب لبنان، وفي ظل الثنائية المارونية السنيّة، استخدام ما يسمى بـ «الديمقراطية التوافقية» وتقاسم المناصب والمراكز وفق النسبية، من أجل الحدّ من الصراعات والنزاعات. لكن خطورة هذه «الديمقراطية» أنها كانت تتعطل من حين إلى آخر وتتسبب بكوارث على لبنان، كانت فاتحة أهم مفاصلها حرب لبنان في العام 1975، واستقالة الوزراء الشيعة من حكومة السنيورة في أواخر العام 2006، وأحداث أيار 2008.
وفي فترة ما بعد الطائف، وظهور بدعة «الترويكا»، أصبح الصراع على المناصب، ليس بين الموارنة والسنّة، بل ثلاثياً، بدخول الشيعة إلى «حلبة الصراع»، ويستتبع ذلك مطالبة الطوائف الأصغر حجماً الأخرى بحصص لها. وما نشهده اليوم، من صراع، حتى بين حلفاء «الصف الواحد»، حول التعيينات والمراكز والأسماء، هو دليل إلى ما آل إليه حال الطائفية/المذهبية السياسية، بخاصة مع الدعوات إلى المثالثة أو إلى الفيدرالية، أو حتى إلى تجميل النظام الطائفي. صحيح أن المسيحيين حصلوا، بموجب الدستور، على المناصفة مع المسلمين في مجلسي الوزراء والنواب وفي فئة المديرين العامين، إلا أن هذه «المناصفة» بقيت وهمية، في ظل المحادل الانتخابية وخرق الدستور بتعديل دوائر الانتخاب على قياس المصالح، وهذا ما جعل المسيحيين يرتدون إلى قانون أشد طائفية يعود لعام 1960، ثم يطالبون بعد ذلك بأن ينتخب المسيحي المسيحي، والمسلم المسلم.
ومن الطبيعي في ظل النظام الطائفي القائم على المحاصصة، أن يكون الفرد مجبراً على البقاء ضمن دائرة طائفته الضيقة، أو أن تكون له مصلحة في البقاء ضمنها. ولا يكون لكفاءة الأفراد ومؤهلاتهم في النظام المذكور فرص للنهوض ببلدهم، حيث تنشأ المحسوبية والمحاباة وعلاقة زبانية تربط المواطن بالدولة الطائفية ومؤسساتها، عبر الزعيم الطائفي أو الحزب الطائفي، وكل هذا يغيب مبدأي العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص. فتمتلئ الإدارات بموظفين غير أكفاء يستمدون نفوذهم من زعيمهم الطائفي أو من حزبهم الطائفي، الذي يغطي كل عيوبهم وتجاوزاتهم، التي نسمع عنها كل يوم. وهذا لا ينطبق فقط على الموظفين في الإدارات، بل على الكبار منهم، وعلى وزراء.
وفي ظل الطائفية/المذهبية السياسية، غابت فكرة الوطن عند اللبنانيين، فأصبح الفرد «مواطناً» في طائفته، يدين بالولاء لقياداتها المدنية والروحية، ويتلقى منها التقديمات والخدمات. وفي ضوء غياب الانتماء الوطني وسيادة الهوية الطائفية، تتطلع الطوائف إلى خارج حدود لبنان للاستقواء على بعضها البعض. بالنسبة إلى المسلمين السنّة بشكل عام: إلى الوحدة السورية قبل الميثاق الوطني، وإلى الناصرية في الخمسينيات والستينيات، ثم إلى المقاومة الفلسطينية بعد ذلك التاريخ، وإلى السوري منذ العام 1976، حتى بعد خروجه من لبنان في العام 2005، بالنسبة إلى بعضهم. ومنذ التاريخ الأخير، استنجد مسلمون ومسيحيون بفرنسا والولايات المتحدة والسعودية لتغيير التوازنات في الداخل. وفي ما يتعلق بالمسيحيين، وبخاصة الموارنة، فقد تطلعوا إلى الولايات المتحدة في عصر الأحلاف في الخمسينيات، واستنجدوا بسورية وإسرائيل في السنوات الأولى لحرب لبنان، ثم راهنوا على إسرائيل لتغيير المعادلة في الداخل. وبين العامين 2003 و2005، راهن ميشال عون على الأميركيين لإخراج السوريين من لبنان، ثم تحول إلى محور سورية – إيران. أما الشيعة، الذين قاوموا الاحتلال الإسرائيلي وأخرجوه من جنوب لبنان عنوة، فاعتبر بعضهم نفسه جندياً عند ولي الفقيه، ثم انحاز إلى النظام السوري في معركته ضد شعبه. هكذا، انحسر الصراع الداخلي قبل حرب لبنان وخلالها ببعده الخارجي بين القومية اللبنانية (الانتماء والولاء للبنان) وبين القومية العربية بدعواتها الفاشلة إلى صهر لبنان في بوتقتها. أما اليوم، فتغيب القومية العربية لمصلحة «لبنان أولاً»، وينحصر الصراع بين قومية لبنانية تجمع مسيحيين ومسلمين وبين «ولاية الفقيه» (الفارسية) التي يتطلع إليها شيعة حزب الله.
ولأن الطوائف والمذاهب هي في الأساس وحدات سياسية واجتماعية وثقافية، فلا مكان في لبنان الطائفي لمجتمع مدني يراقب ويصحح ويضبط، على الرغم من وجود أحزاب علمانية ونقابات وجمعيات أهلية، ذلك أن الانتماء إلى الطائفة والمذهب أقوى من الانتماء إلى الوطن، وأقوى من المصالح المشتركة للفئات العمالية والنقابية، إلا في حالات نادرة جداً. فالانتماء إلى الطائفة أو إلى المذهب، هو، في كثير من الأحيان، أقوى من الوفاق على القضايا الوطنية والسياسية والمعيشية، أو الالتقاء في الجمعيات والنوادي فوق الطائفية أو المذهبية؛ فتغيب تبعاً لذلك ثقافة الحوار والاعتراف بالآخر.
هكذا، غيب النظام الطائفي الهوية الوطنية، وجعل اللبنانيين في حلبة صراع دائم على المكاسب والمغانم، أو في حالات فوبيا متواصلة، أو جعلهم أدوات في أيدي الخارج يستغل خلافاتهم لجعل بلدهم ساحة لتصفية الحسابات مع الدول الأخرى. لقد دعا الإمام الراحل محمد مهدي شمس الدين عشية وفاته (كتاب الوصايا)، إلى الإبقاء على النظام الطائفي من أجل الحفاظ على التعايش بين المسلمين والمسيحيين. صحيح أن هذه الدعوة نبعت من رغبة صادقة في العيش مع الشريك في الوطن، إلا أنه منذ رحيله، ازدادت مساوئ النظام الطائفي، بعدما أضحى مذهبياً أيضاً. من هنا، لا يمكن تجميل وجه هذا النظام القبيح، مهما كانت درجة هذا التجميل متقنة، ومهما صفت النوايا.
عندما نتحدثُ كلَ يوم عن إلغاءِ الطائفية السياسية، بوعي أو من دون وعي، نعتقد واهمين أن هذا هو الحلّ لمشكلات لبنان، ولا ندري أن الطائفيةَ المجتمعيةِ هي الأم الحاضن لنظامنا الطائفي السياسي. فكيف نقضي على هذا النظام في ظلّ طائفية مجتمعية أضحت مذهبية بغيضة؟ وكيف نلغي الطائفيةَ المجتمعيةَ، وكل واحد منا يجهلُ «الآخر»، بل يتربصُ به ويريدُ أن يفوزَ عليه، وأن يضعفَه ويفتك به أحياناً أخرى؟ إن هذا النظام الطائفي السياسي لم يعد مجرد صراع على المناصب والمراكز فحسب، بل أضحى بؤرة فساد وإفساد، عندما تحمي كل طائفة «اللصوص» التابعين لمعتقدها وتدافع عنهم، أولئك المتربعين على عرش المناصب والمؤسسات، جامعي الثروات الذين يسرقون الشعب وينهبونه ويفقرونه. وما أكثر حالات الفساد المستشري التي نسمع عنها اليوم: من مأكولات وأدوية وحليب أطفال، وبطاطا منتهية الصلاحية، ولحوم واسماك فاسدة، وصفقات كهرباء بوساطة البواخر أو ببناء المعامل، ومياه وهواء ملوثين، وأمن مفتوح لحساب قطّاع الطرق... إنها حرب قذرة على الإنسان....في ظل نظام طائفي/مذهبي يحمي الفساد.
الفيدرالية: مشروع تقسيم للبنان
وطالما أن النظام الطائفي، منذ تأسيس دولة لبنان الكبير، يتسبب بنزاعات، وحروب كل عقد من الزمن، فأين يكمن الحلّ إذاً؟ هل في الفيدرالية، أم في الدولة المدنية، مع بقاء لبنان موحداً مركزي السلطة والقرار؟
في رأينا، إنّ الفيدرالية هي مشروع حرب مستقبلية وتقسيم نهائي للبنان، لأسباب جغرافية واقتصادية وثقافية وسياسية ونفسية. فهي تستلزم، على الصعيد الجغرافي، تجانساً بين الطوائف والمناطق المعدّة للدخول إلى الاتحاد الفيدرالي. وكما هو معروف، تتداخل الطوائف والمذاهب في العديد من المناطق اللبنانية حتى مع اعتماد الفيدرالية، ممّا يستتبع، في حال إقرارها، طوعاً أو قسراً، حدوث أمور ثلاثة:
1- أن تعمد الطائفة ذات الأكثرية العددية في الدولة الفيدرالية، في ضوء ثقافة عدم الاعتراف بالآخر، إلى فرض هيمنتها على الطوائف أو المذاهب الأخرى الأقلّ حجماً التي تعيش تحت سيادتها. وفي هذه الحالة، تكون الأقليات الدينية أو المذهبية عملياً تحت رحمة الطائفة الأكبر، ما يؤدّي إلى حدوث توتّرات ونزاعات كالتي تحدث اليوم في لبنان.
2- أن تقوم الطائفة ذات الأكثرية العددية بتطهير مناطقها من الأقليّات الدينية أو المذهبية للوصول إلى حالة صفاء طائفي أو مذهبي، متوسّلة في ذلك العنف والتخويف والتهجير. وتاريخ جبل لبنان خلال الحرب الاجتماعية في العام 1860، وتاريخ لبنان بين العامين 1975 و1990 حافل بالأمثلة على التطهير الطائفي والتهجير.
3- أن تكون طائفة معينة في الفيدراليات المزمع إنشاؤها مقطعة الأوصال، ولا تتمكن من تشكيل وحدة بشرية متصلة ومتواصلة. فإما أن يخضع بعض مجموعاتها لسيطرة الطائفة الأكبر حجماً في الحيّز الجغرافي، أو أن ينزح البعض الآخر، طوعاً أو قسراً، إلى مناطق تسود فيها جماعته الطائفية أو المذهبية. وهذا ينطبق بشكل خاص على الطائفة السُنيّة التي ينتشر أبناؤها في عكار والبقاع الغربي، وفي كل من مدن طرابلس وبيروت وصيدا، وعلى الطائفة الشيعية بدرجة أقلّ، التي تتواجد بكثافة في البقاع وفي جنوب لبنان من دون تواصل بشري شيعي متماسك، وبشكلٍ قليل جداً في قضاء جبيل. كما ينطبق بدوره على المسيحيين الذين يتوزّعون في جبل لبنان وفي جنوب لبنان وفي بقاعه وشماله.
وفي ضوء صغر مساحة لبنان الجغرافية، وإمكاناته وثرواته الطبيعية المتواضعة، فإن «الدولة الفيدرالية اللبنانية» المزعومة، لن يكون في إمكانها استيعاب كل الكيانات الطائفية المنخرطة فيها وتأمين سبل الحياة لها. فهناك من الكيانات الطائفية المنضمّة إلى الدولة الفيدرالية من سيتمتّع بمنافذ على البحر، فيما يمتلك آخرون سهولاً ويكوّنون كيانات داخلية. ألم تكن هناك دعوة مسيحية مزمنة أثناء عهد المتصرفية لضم سهل البقاع ومدينة بيروت إلى جبل لبنان لأهميتهما الحيوية الاقتصادية بالنسبة إلى الجبل؟ ألم يُولِّ البقاع، اقتصادياً، وجهه شطر الشرق، نحو سورية، أثناء العهد العثماني وفي عهد المتصرفية؟ هل ستكون موارد المياه وغيرها من الثروات متوافرة بشكلٍ متوازنٍ لكلِ الدويلات الطائفية في الدولة الفيدرالية؟ وماذا عن النفط والغاز المتوقع وجودهما قبالة الساحل اللبناني؟ هل سيكون ملك الدويلة الفيدرالية المواجهة له، أم يكون لمصلحة الفيدراليات جميعاً؟ إن كل هذا يعني إمكان حدوث صراع دموي حول ترسيم الحدود وعلى الموارد والمنافذ والسهول ما يؤدي بالتالي إلى تقسيم لبنان.
ولا يبدو، على كلِ حال، أن الطوائف اللبنانية مهيأة، نفسياً وثقافياً، لولوج «نفق» الفيدرالية اللبنانية. ففي معظم الدول التي تعتمد النظام الفيدرالي، تسود فيها ثقافة الاعتراف بالآخر والثقة به والتعاون معه. وبسبب تعددية المجتمع اللبناني دينياً والتباينات الثقافية بين طوائفه والتجربة التاريخية لكلٍ منها، فإن إقامة فيدرالية تقوم على الحسّ المدني الفيدرالي غير متوافرة.
إلى ذلك، فإن إحدى مهام النظام الفيدرالي هي إمساك الدولة بالسياستين الخارجية والدفاعية، أي كما هو في الدولة المركزيّة. ولكن، في ظلّ مجتمع لبناني طائفي منقسم على نفسه تاريخياً، حول علاقاته بالخارج وبدول الجوار، سياسياً وعسكرياً وثقافياً، فمن المؤكد أن هذه العوامل سوف تتسبّب مرة أخرى بخلافات بين المسلمين والمسيحيين في الدولة الفيدرالية، وبين المسلمين أنفسهم (السنّة والشيعة)، حول سياسة بلدهم الخارجية وسياسته الدفاعية وحول عقيدة جيشهم. فكيف سيتّفق اللبنانيون على سياسة بلدهم الخارجية والدفاعية في ظلّ دولة فيدرالية («كانتونات» طوائفية متعددة متناحرة)، وقد فشلوا في تحقيق ذلك في ظلّ دولة مركزية (لبنان)؟ إن الأمثلة حول الخلاف على العلاقات الخارجية كثيرة: العلاقات مع سورية في ظل وصايتها على لبنان حتى العام 2005، والخلاف حولها حتى العام 2011، والمواقف الخطيرة المتباينة من «الثورة السورية» ومن النظام السوري. واللبنانيون منقسمون اليوم حول دور إيران في لبنان والمنطقة، وعلاقة حزب الله بولاية الفقيه، والعلاقة مع العالمين العربي والغربي. أما في شأن السياسة الدفاعية، فاللبنانيون مختلفون حول أن تكون الدولة وحدها هي المناط بها الدفاع عن لبنان، أو أن يُعهد على المقاومة بذلك. وهناك خلاف عميق حول الموقف من الصراع العربي – الإسرائيلي وأفقه المفتوح بالنسبة إلى حزب الله وسلاحه.
الحلّ: في الدولة المدنية
وفي ضوء أفق الفيدرالية المسدود، أليس من الأفضل والأجدى، أن نبني الدولة المدنية الديمقراطية العادلة والأكثرَ أماناً؟ في الدولة المدنية، تزول الخلافات حول المصالح المحقة وغير المحقة، ويتقارب أبناء الشعبِ الواحدِ، عندما يشعر كل فرد منهم أنه متساوٍ مع «الآخر»، ويتمتع بالحقوق والواجبات نفسِها، ومنتفع مثله بثروات البلد، ولا يشكل الواحد تهديداً للآخر.
إن أهمَ شيءٍ في الدولةِ المدنية هو انبثاق وحدة مجتمعية تؤسس لوحدة وطنية، ما يؤدي إلى لحمة بين المواطن وشريكهِ في الوطن وبينه وبين دولته المدنية التي تجسد أمانيه. فيقوى الداخل اللبناني ويتماسك في مواجهة الجغرافيا السياسية ومؤامرات الخارج. كما يشعر الفرد أنه يعيش على قدم المساواة في وطن يشاركه فيه غيره.
وربّ سائل: ماذا نفعل بالأديان، حيث يتخوف البعض من أن تكون الدولة المدنية ضد الدين؟ رغم أن لا دين لها، وتتعاطى مع شعبها على أساسِ المواطنة، إلا أن الدولة المدنية لا تضطهد الأديان؛ فيمكن شعبِها أن يُمارس شعائره الدينية أو لا يُمارسها، وله الحق في أن يطرح أفكاره ويعبّر عنها بحرية. والدولة المدنية لا يمكن أن تكون مؤمنة كما يروّج حزب الله، ولا ذات مرجِعية إسلامية كما يدعي الإخوان المسلمون في مصر، بل هي دولة وطنية لجميع أبنائها. إذا حققنا الدولة المدنية، لا تعود ولاية الفقيه عندها تخيف الآخرين، فيمكن للحزب أن يتبع دينياً من يشاء، ولا يخشى المسيحيون من أن يستجيب سنّة لبنان للأصولية في دول الجوار (سورية)، طالما أن الولاء السياسي هو للبنانَ وحده، ومصالح لبنان فوق كل اعتبار.
إن المشكلة في أقامة الدولة المدنية في لبنان تكمن في أن قيادات روحية مسيحية تدعو إلى الدولة المدنية التي لا تقود إلى العلمانية الملحدة، بينما تغيب هذه الدعوة عند المسلمين، مع أنهم، في السابق وفي الوقت الراهن، لا يرفضون الإنخراط في نظام سياسي مع شركائهم في الوطن، لا يتعارض مع الدين. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل في إمكان الدولة المدنية أن تبقي على نظام الأحوال الشخصية في أيدي المجموعات الدينية؟ في دول الغرب حيث تطبق العلمانية، تكون الأحوال الشخصية، زواج طلاق، إرث الخ...، من ضمن مهام الدولة، ويمكن للمواطن في الوقت نفسه أن يعقد زواجه أو طلاقه لدى المؤسسة الروحية التي يتبعها. فهل في الإمكان في لبنان أن تتخلى الدولة المدنية، في ما لو قامت، عن هذا الامتياز وتتركه في أيدي المؤسسات الروحية، بحيث يكون النظام السياسي غير طائفي، وتقتصر مهام الدولة المدنية على استخدام قوانين وضعية لتسيير الشأن العام المشترك لكل المجموعات الدينية، ويكون التعامل مع أفراد المجتمع على أساس المواطنة؟
لا شيء مستحيل، طالما أن ذلك يبعد الصراعات بين الطوائف على السياسة والمناصب والمراكز، ويؤدي إلى لحمة مجتمعية. فيكون لبنان بذلك دولة مدنية في السياسة وفي إدارة الشأن العام، باستثناء الأحوال الشخصية، على أن تكون التربية والتعليم في يد الدولة أو تحت إشرافها، لأن وضعهما في أيدي الطوائف يفسد ويؤدي إلى القضاء على فكرة المواطنة، أحد أهم أسس الدولة المدنية، مع أن إبقاء الأحوال الشخصية بأيدي الطوائف يرتدّ سلباً على الدولة المنشودة، إذ لا يؤدي إلى انفتاح الطوائف على بعضها البعض، وبخاصة في مسائل الزواج المختلط، في ظل رفضها الزواج المدني الذي يرفض المسلمون حتى الاختياري منه. إن هذه الشراكة السياسية المقترحة بين المسلمين والمسيحيين القائمة على الاعتراف بالآخر المختلف، لا تتناقض بتاتاً مع الإسلام. وهناك نماذج من التاريخ الإسلامي تؤكد ذلك. وليس هناك ما يمنع أن تكون الطائفة وحدة ثقافية نتيجة التعدد الديني في لبنان. فيكون المجتمع اللبناني عندئذ تعددياً من الناحية الثقافية تحت مظلة الدولة والوطن. وبذلك، يمكن إلغاء الطائفية السياسية والإدارية وإبعاد شبح الفيدرالية، وفي الوقت نفسه الإبقاء على قوانين الأحوال الشخصية وعلى التعددية الثقافية، وعلى الخصوصية الثقافية لكل الطوائف.
صحيح أن الدولة المدنية المقترحة (الناقصة) ليست تلك التي يريدها الكثير من اللبنانيين، لأنها تبقي على الأحوال الشخصية في أيدي الطوائف، ولا تفتح الأبواب المغلقة أمام الطوائف في ما يتعلق بالزواج المختلط أو الزواج المدني، لكنها، برأينا، تبقى الأفضل، في ظل نطائفية مجتمعية ونظام طائفي سياسي لا يمكن إصلاحه أو تحسينه، يفرق ولا يجمع، وفيدرالية مدمرة قد تطل برأسها. إن هذا النوع من الدولة المدنية "على المقاس اللبناني" يحتاج إلى مزيد من النقاش والتعليق.
