مبدأ فصل السلطات وصلاحيات رئيس الحكومة

النوع: 

تطور النظام البرلماني في العالم إلى تحديد السلطات الرئيسية في البلاد وفصلها, بحيث أنه جعل من منصب رئيس الدولة منصباً فخرياً بصلاحيات اسمية, ومنح الحكومة الاختصاصات الفعلية أو التنفيذية بحيث يمنع تداخل الصلاحيات.

    وعليه فقد قضى النظام البرلماني بأن لايمارس رئيس البلاد سلطاته بنفسه بل بواسطة الوزراء الذين يتحملون المسؤولية بدلاً عنه . الأمر الذي يحفظ رئيس الدولة في مركز سام محترم كرمز لوحدة البلاد . إذ يجعله بعيداً عن المساءلة طالما أنه لايتنازع سلطة الآخرين أو يحاول التعدي عليها .

    إلا أن عدم مسؤولية الرئيس تقتصر على الناحية السياسية فقط , دون الجنائية , أي أن رئيس الجمهورية لايُسأل سياسياً ما يصدر عنه من أقوال محدودة أو أفعال عند ممارسته مهامه الدستورية , ولكنه يسأل جنائياً في حالات معينة كخرق الدستور أو الحنث في اليمين الدستورية , عند ممارسته لأعمال أو وظائف مخالفة للدستور,أو ارتكابه الخيانة العظمى . كما يسأل جنائياً عما يرتكبه من جرائم عادية يعاقب عليها القانون من أعمال للقتل أو التحريض عليه.

صلاحيات رئيس الجمهورية:

    كان الدستور اللبناني منذ صدوره العام 1926 قد أناط السلطة التنفيذية برئيس الجمهورية الذي يتولاها بمعاونة الوزراء . وعندما جرى تعديل الدستور في 21/9/1990 انيطت السلطة التنفيذية بمجلس الوزراء . واحتفظ رئيس الجمهورية ببعض الصلاحيات التي أضيف إليها أخرى جديدة .

إلا أن هذه الصلاحيات لايستطيع ممارستها بالاستقلال عن الحكومة , باستثناء تسمية رئيس الحكومة وقبول استقالته . وما عدا ذلك, فكل المراسيم تحمل إلى جانب توقيعه, توقيع رئيس الحكومة والوزير أو الوزير المختص. وذلك من أجل التأكيد على أن الوزراء ورئيسهم يتحملون المسؤولية إزاء نتائج هذه القرارات .

وما توقيع رئيس الجمهورية على المراسيم إلى جانب السلطة التنفيذية " إلا كرمز لوحدة الوطن " احتراماً للدستور واحتراماً لهيبة موقع الرئاسة التي يجب مراعاتها وتعتبر هذه المراسيم نافذة في حال تمنعه عن التوقيع وفق مهل معينة. مما يعني أن مجلس الوزراء هو صاحب السلطة الفعلية والتنفيذية بموجب المادة /56/ من الدستور.

رئيس الجمهورية وإدارته جلسات مجلس الوزراء وفقاً للدستور :

أعطى الدستور, بناء للميثاق الوطني , الحق لرئيس الجمهورية بحضور جلسات مجلس الوزراء عندما يشاء شرط عدم المشاركة في التصويت . وفقاً للمادة /53/ من الدستور كالآتي : " يترأس رئيس الجمهورية مجلس الوزراء عندما يشاء دون أن يشارك في التصويت " .

إن هذه " المشيئة " التي أعطاها الدستور لرئيس الجمهورية هي إلزامية والتي تقع تحت الفقرة /11/ من المادة /53/  تستدعي رئيس الجمهورية أن " يعرض أي أمر من الأمور الطارئة على مجلس الوزراء من خارج جدول الأعمال " . أي أن حضوره جلسة مجلسة الوزراء مرتبط بأمر طارئ أو جلل , إنفاذاً للقسم الذي نص عليه الدستور بحفظ الوطن واحترام دستور الأمة وبالتالي الإلزام الأخلاقي بقيامه بواجباته .

وعليه فإن فقرة " عندما يشاء" تعني  ضرورة الحضور إلى مكان انعقاد جلسة مجلس الوزراء في السراي الحكومي, لأن مصلحة البلاد تقتضي ذلك , على أن ينسحب رئيس الجمهورية عقب عرض الأمر ومناقشته . وهذا الانسحاب ملزم دستورياً وفقاً لمبدأ فصل السلطات ووفق تفسير المادة/53/ من الدستور التي تنص عند حضور رئيس الجمهورية لمثل هذه الجلسات , يعرض الأمر " دون أن يشارك في التصويت " وذلك منعاً لسؤ التفسير بالتعدي أو الهيمنة على صلاحيات رئيس الوزراء أو التأثير عليه أو على الوزراء . وهذا الوضوح في النص لم يقابله نص لرئيس الوزراء بالامتناع عن التصويت .

   كما تؤكد المادة /64/ من الدستور مبدأ فصل السلطات بحيث تحصر صلاحيات رئاسة مجلس الوزراء برئيس الحكومة الذي يستطيع أن يدعو مجلس الوزراء إلى الانعقاد  ويضع جدول أعماله بما له من صلاحيات وفقاً للدستور وبما له من سلطة تنفيذية ؛ بينما منع ذلك عن رئيس الجمهورية بحيث أنه لايستطيع دعوة مجلس الوزراء دون موافقة رئيس الحكومة والتفاهم معه وفقا للنص الدستوري , المادة /53/ كالآتي :إن رئيس الجمهورية " يدعو مجلس الوزراء استثنائياً كلما رأى ذلك ضرورياً بالاتفاق مع رئيس الحكومة " إلا أن ذلك لايعني بالمطلق أن يكون الاجتماع لدى رئيس الجمهورية في القصر الجمهوري,لعدم الملائمة دستوريا أًو وفاقياً ,أو أن يترأس الاجتماع الوزاري.

فالمادة /64/ من الدستور تؤكد أن جلسات مجلس الوزراء هي برئاسة رئيس الحكومة بحيث أن المواضيع التي ستبحث في جلسة مجلس الوزراء , حتى الطارئة منها, هي من صلاحيات رئيس الحكومة دون اشتراط موافقة رئيس الجمهورية الذي لايملك حق الأعتراض , مع غياب النص , وإلا أضحى تدخلاً في أعمال السلطة التنفيذية وتعدياً على الصلاحيات مما يشذ عن النظام الديمقراطي ويعيق نمو البلاد مع ازدواجية الحكم بهذا الأسلوب الذي يخرج عن النص الدستوري .

صلاحيات رئيس مجلس الوزراء بترؤس الجلسات وفقاً للدستور:

جاء في المادة /64/ من الدستور بأن رئيس الحكومة.:..............................................  :                                                                                                                                                                                            " يرئس مجلس الوزراء..."

و " يدعو مجلس الوزراء إلى الانعقاد ويضع جدول الأعمال .."

و " يتابع أعمال الإدارات والمؤسسات العامة.."

و" يعقد جلسات عمل مع الجهات المعنية في الدولة .."

هذه الفقرات 1و6و7و8 , من المادة أعلاه , تؤكد بشكل واضح على صلاحيات رئيس الحكومة بترؤس جلسات مجلس الوزراء , دون حضور رئيس الجمهورية أو تدخله في أعمال مجلس الوزراء أو التأثير عليه ,تحديداً للمسؤولية, ولمنع الازدواجية في الحكم مما في ذلك من تأثيرات سلبية على النهوض بالوطن .

فالفقرة الأولى من المادة/53/ التي تنص على أن رئيس الجمهورية "يترأس" مجلس الوزراء عندما يشاء دون أن يشارك في التصويت " , فأنه يساء تفسيرها .فالمعنى اللغوي الذي قصده المشترع هو أن "يتصدر" أو " يترأس " قاعة الاجتماعات عند وصوله , نظراً لموقعه ؛ ويعرض مايشاء بما أنه يحضر عندما يشاء ؛ على أن يكون هذا الأمر مهماً جداً  قد طرأ في الفترة الواقعة بين التقائه مع رئيس مجلس الوزراء, للإطلاع على جدول أعمال جلسة مجلس الوزراء وبين انعقادها . إلا أنه لايحق له أن " يرأس " الجلسة أي أن يديرها , وفقاً للمعنى اللغوي أيضاً.

بل أن كلمة "يرأس" التي تعني إدارة جلسات مجلس الوزراء قد حصرت برئيس مجلس الوزراء في المادة /64/ من الدستور وفسرت في فقراتها الثمانية ضمناً تأييداً لفصل السلطات بحيث تعطيه الحق بدعوة الحكومة إلى الانعقاد وترؤس جلساتها والاكتفاء باطلاع رئيس الجمهورية مسبقاً على المواضيع التي ستبحث . أي أنها لم تلزمه بدعوة رئيس الجمهورية لحضور الجلسة, بينما ألزمت رئيس الجمهورية, وفقاً للمادة /53/ من الدستور في حال رغب في دعوة مجلس الوزراء "استثنائياً" أو للضرورة, موافقة رئيس الحكومة وحضوره على أن يكون الاجتماع في القصر الحكومي.

ولو تخلف رئيس الحكومة , لسبب ما , عن اجتماعات مجلس الوزراء ولو بحضور رئيس الجمهورية , فأن انعقادها يعتبر باطلاً , وبالتالي مايصدر عنها ." فرئاسة" جلسات مجلس الوزراء محصورة برئيس الحكومة لتأخذ الصفة القانونية والرسمية بما يصدر عنها.أما "ترؤس" الجلسة للمناقشة والتداول لأمر طارئ ما فقط , دون حضور رئيس مجلس الوزراء , فلا يعطي للجلسة أي صفة رسمية ولو بحضور نائب رئيس مجلس الوزارة , الذي ليس له  أي صفة تقريرية سوى تمثيل رئيس مجلس الوزراء بروتوكولياً, في حال تكليفه أو تفويضه من قبله . كما ولا يحق لرئيس الحكومة تفويض "نائبه " أو إنابته بالتوقيع , لا في جلسات مجلس الوزراء أو خارجه . لذا فأي مفاوضات تنتهي بتوقيع عقود أو اتفاقيات من قبل نائب رئيس الحكومة تعتبر باطلة وملغاة لعدم قانونيتها إذ أن هذا المنصب لم يلحظ أصلاً في الدستور فلا سلطة له وفقاً لمقدمة الدستور , الفقرة(ى) التي تنص على أنه :" لاشرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك" .

إن ترؤس رئيس الجمهورية مجلس الوزراء وإدارة جلساته  بصورة مستمرة فيه إخلال بالنظام الديمقراطي البرلماني وبميثاق العيش المشترك وتجاوز للدستور الذي ينص في مقدمته على أن " لبنان جمهورية ديمقراطية.. والمساواة في الحقوق والواجبات .." وأن " النظام قائم على مبدأ الفصل بين السلطات". ويؤكد هذا الحق بدعوته إلى " إلغاء الطائفية السياسية " ويعتبرها " هدف وطني أساسي يقتضي العمل على تحقيقه .." . فكيف بمراعاته؟! فلا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك أو وثيقة الوفاق الوطني ومسيرتها , التي لايمكن أن يبنى الوطن ويستعيد عافيته إلا على أساسها .

صلاحيات رئيس الحكومة في ترؤس الجلسات زمن الانتداب :

إن التنازع على سلطات رئيس الوزراء أواحتوائها لصالح رئاسة الجمهورية كان هدفاً ملحاً منذ عهد الانتداب الفرنسي الذي أبدى رأيه في هذا النزاع إثر تفجر الخلاف بين رئيس الجمهورية أميل اده ورئيس مجلس الوزراء خير الدين الأحدب , العام 1936 , الذي كان يرفض ترؤس رئيس الجمهورية لجلسة مجلس الوزراء , لما في ذلك من تعد على أعمال الحكومة بالاستحواذ على صلاحياتها . وعرض الأمر على المندوب السامي الفرنسي الكونت " دو مارفيل " الذي أفتى بصحة مواقف رئيس الحكومة وعدم جواز ترؤس رئيس الجمهورية لمجلس الوزراء .

وقد أورد الأستاذ عارف الغريًب في مجلة الصياد , كانون الأول 1970, مايلي :

" ولما صار خير الدين الأحدب في رئاسة الوزراء أخذ يسعى لتحقيق أهدافه. وخوفاً من أن يعارضه رئيس الجمهورية في أي عمل يقوم به , طلب منه أن يبقى في بيته ولا يحضر إلى سراي الحكومة , كما كانت العادة جارية في ذلك الزمان , قائلاً له أن رؤوساء الجمهورية في العالم لايتعرضون لما تعمل حكوماتهم ويبقون دائماً في أماكن سكنهم , وعندما يحتاج رئيس الجمهورية إلى إمضائهم فأنه يحمل المرسوم المطلوب توقيعه إلى مكان سكنهم فيوقعونه له .

ورفض الرئيس أميل أده أن يتقيد بهذه الآراء التي رآها جديدة عليه. وحصل خلاف بينه وبين رئيس الحكومة . ورفع الخلاف إلى المفوض السامي الكونت " دو مارفيل "لكي يفصل فيه . ففصل المفوض السامي في الخلاف لمصلحة خير الدين معتبراً أن عمل الوزارة مجرد عمل إداري.

وعلى إثر ذلك اضطر المرحوم أميل أده إلى الإقامة في بيته وكظم غيظه وحقده بسبب هذه المناورة "

إن محاولة الرئيس أميل أده ترؤس جلسات مجلس الوزراء هي بهدف الاستحواذ على صلاحيات رئيس مجلس الوزراء طمعاً في مزيد من السلطة , وليس لأمر آخر , إذ أنه كان من أكثر المسؤولين بعدا عن الطائفية , خاصة عندما نعلم بأنه هو الذي رشح الشيخ محمد الجسر لرئاسة الجمهورية العام 1932 بدعم وتأييد من أقطاب الزعامات المسيحية أمثال حبيب باشا السعد , وجورج ثابت , وروكز أبو ناضر , ويوسف الخازن , وسامي كنعان .. وغيرهم . فرغم اعتراض المندوب السامي الفرنسي برفض وصول مسلم لرئاسة الجمهورية في لبنان, فأن له موقفاً آخر يقابله وهو اعتراضه على ترؤس رئيس الجمهورية لجلسات مجلس الوزراء والإصرار على حصر ذلك برئيس الحكومة تأكيداً لمبدأ فصل السلطات . إذ أن فرنسا تعتبر نفسها أم الشرائع والديمقراطية.

تأليف الوزارة و"الثلث المعطل":

إن مشاركة رئيس الجمهورية رئيس الحكومة في تأليف الوزارة وتسمية بعضهم بما يعرف بالثلث المعطل , كما هو رائج سياسياً , فيه إعاقة لبناء الوطن والنهوض به , إذ أنه مفهوم مخالف ومناقض لوثيقة الوفاق الوطني التي أقرها اللقاء النيابي في مدينة الطائف بتاريخ 22/10/1989 وصدقها مجلس النواب بتاريخ 5/11/1989 . حيث جاء في الفقرة (ه) من المبادىءالعامة أن " النظام قائم على مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعادلها " وشدد في الفقرة (ى) على أن " لاشرعية لأي سلطة تناقض العيش المشترك " .

فرئيس الجمهورية هو رمز وحدة الوطن. والشعب كله يتطلع إليه كشخص فوق المنازعات والأهواء يعمل لصيانة الدستور واحترامه الذي انبثق نتيجة وفاق وطني. ومجرد حضوره لجلسات مجلس الوزراء , يجب أن يكون لأمر طارئ لايحتمل التأجيل  وإلا فأن حضوره فيه نقض لمبادئ العيش المشترك وإخلال بوحدة الوطن القائم على التعايش بين مختلف الطوائف والمذاهب وفق أسس حددها وأرساها الدستور عند صياغته . فحضور رئيس الجمهورية لجلسات مجلس الوزراء , بما له من مقام , يلغي موقع رئيس الحكومة الذي يصبح أشبه بوزير دولة لاعمل له , أوأشبه بظل طغت عليه شمس الظهيرة دون حجاب أو ورقة توت .وهذا نسف صارخ لمبدأ فصل السلطات وتوازنها يجب إعادة تصحيحه بالتقيد بالدستور

مؤتمر لوزان والصلاحيات :

وأبلغ من عبًر عن رفض هذا الواقع من التجاوزات هو الرئيس الشهيد رشيد كرامي في مؤتمر لوزان في 13/3/1983, في رده على بعض المؤتمرين, بقوله:

"إن نظام الحكم في لبنان هو مشاركة في الظاهر, ولكن عنوانه هو مستمد من طغيان طائفة على الحكم بكل مؤسساته "

و"الطائفية حقاً هي السبب في الفساد السياسي "

وهي " مطية الوصول إلى الأهواء والمصالح الحزبية والذاتية "

لقد كانت هذه المداخلة في معرض مناقشة صلاحيات رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وتحديد صلاحياتهما. وتوسعت الاقتراحات, وعرض البعض من المشاركين في المؤتمر أن يصار إلى انتخاب رئيس مجلس الوزراء من قبل مجلس النواب بالأكثرية النسبية, وتأليف الحكومة من قبل رئيس مجلس الوزراء ورفعها إلى رئيس الجمهورية لإصدار مراسيم التعيين.ومن ثم ينفرد رئيس مجلس الوزراء بترؤس الجلسات الحكومية وفقاً لمبدأ فصل السلطات بما يضع حداً للتنازع المزمن. على أن يقسم رئيس مجلس الوزراء اليمين الدستورية أمام مجلس النواب الذي انتخبه. وعندها يصدر رئيس الجمهورية المراسيم حكماً خلال أسبوع لاأكثر . فاعترض الرئيس كميل شمعون بالقول "..أخذتم كل صلاحياته " . واعتبر الرئيس سليمان فرنجية أن المشاركة بهذا المفهوم هي احتكار للحكم قائلاً :"نبحث بالطائفية وبإلغاء الطائفية , ثم نعطي الحقوق لطائفة من حقوق الطائفة الثانية , هذا مرفوض جداً ".

فرد أحد المؤتمرين أن هذا الجواب يعني أن رئيس الجمهورية مهيمن على الحكم. فرد قائلاً "جائز كثيراً أن يكون رئيس الجمهورية مهيمن على الحكم دون أن يدري ". واعتبر أن هذا الفصل بالصلاحيات يدفعه إلى المطالبة برئاسة الوزارة للمسحيين وحصر رئاسة الجمهورية بالمسلمين ؟! وكان مصراً على ذلك .

إلا أن اعتراض الرئيس كميل شمعون على الاقتراح أعاد الأمور إلى بداياتها من النقاش والخروج بلا شيء .

إن مداخلة الرئيس فرنجية أكدت أن ترؤس رئيس الجمهورية لرئاسة الحكومة فيها ازدواجية وهيمنة في ممارسة الحكم واختزال لصلاحية رئيس الوزراء ورفض التخلي عن هذه السيادة . وأن الاحتفاظ برئاسة الجمهورية لطائفة معينة ليس القصد منه المنصب أو المركز , بل القصد منه السيطرة والنفوذ والهيمنة على السلطة من أي موقع أتت . وتجلى ذلك عند اقتراح تفعيل سلطات صلاحيات رئيس الوزراء الفعلية وتحصينها وفقاً للدستور . عندها فضل الرئيس فرنجية موقع رئاسة الوزارة على رئاسة الجمهورية فيما لو أعطيت صلاحيات مستقلة بعيداً عن تدخلات رئيس الجمهورية . علماً أن الرئيس الراحل كان أبعد الناس عن الطائفية ويتمتع بروح وطنية عالية ليست موضع شك أو نقاش. إنما كمسؤول سياسي وزعيم ماروني يحاول الاحتفاظ والاستحواذ على أوسع صلاحيات ممكنة لموقع رئاسة الجمهورية . خاصة وأنه كان مرشحاً دائماً لهذا المركز حتى وفاته .

لذا فأن عقوداً من تنازع الرئاسات الثلاث على النفوذ والسلطة والصلاحيات , ومخالفة القانون والدستور في الممارسات السياسية , أدى إلى منازعات دموية وأهلية عدة غُلِفت معظمها بدعاوى طائفية على غير واقعها , خاصة عند كل محاولة لتمديد ولاية رئيس الجمهورية .

ولوضع حد لهذا التنازع الذي يعيق البلاد, ووقف حمًامات الدم, لابد من العودة إلى روح مؤتمرات لوزان ووثيقة الطائف اللذان سعيا إلى نبذ العنف والانصهار في وفاق وطني.

في الحلول والمقترحات :

أ ـ تداول السلطة بين الرئاسات الثلاث:

أن أفضل الحلول لتوازن الحكم هو في تداول السلطة بين الرئاسات الثلاث بين المسلمين والمسحيين , على أن تضع ,مسبقاً, لجنة نيابية من هاتين الطائفتين القواعد القانونية اللازمة لتحديد سلطات  الرئاسات الثلاث والفصل بينها بصورة قانونية واضحة لالبس فيها . عندها ستأتي النصوص سليمة مع تداول السلطة.وبذلك نضع حداً للطائفية السياسية والمتاجرين بها .

فمن المعيب جداً أن تبرز أصوات ,  كالتي صدرت عقب الانتخابات النيابية الأخيرة , تدعو إلى انتخاب كل طائفة لممثليها في المجلس النيابي ؟!! و الدعوة إلى تطبيق ذلك على الرئاسات الثلاث . وكأن هذه المواقع والمراكز هي لطائفة أو مذهب أو أفراد وليست لصالح الوطن والشعب. إن هذا الكلام يدل على الأنانية والجهل والخروج عن مبدأ التوافق ويرتقي إلى روح الخيانة بحق الوطن والشعب والعيش المشترك . وسوف لن نسمع مثل هذا الكلام لو رسخ فصل السلطات بين الرئاسات الثلاث وطبق الدستور بحذافيره.

إن فصل السلطات ومداورة الرئاسات الثلاث سيضع حداً لتجاوز الدستور في تعيين رئيس وزراء غير مسلم , دون مسوغ شرعي , في كل مرة يشغر فيه موقع رئاسة الجمهورية , كما مرر في نهاية عهد الرئيس بشارة الخوري عندما عين الجنرال فؤاد شهاب رئيساً للوزراء. وفي نهاية عهد الرئيس أمين الجميل عندما تم تعيين, قائد الجيش العماد ميشال عون , رئيساً للوزراء

ب ـ انتخاب رئيس الحكومة من المجلس النيابي :

ولمنع رئيس الجمهورية من تجاوز صلاحياته  الدستورية بهذا الشكل التعسفي في تعيين رؤوساء الوزراء وتجاوز صلاحياتهم وتجاهلها, كان من الضروري الدعوة إلى انتخاب رئيس مجلس الوزراء من قبل مجلس النواب وتأليف الحكومة من قبل رئيس الحكومة ورفعها إلى رئيس الجمهورية لإصدار مراسيم التعيين , أي بالآلية التي اقترحت في مؤتمر لوزان . مما سيضع حداً للشعور بالإحباط والغبن لشريك وطني , الذي تتعرض قياداته إلى التهميش و القتل بين فترة وأخرى مما أفقدها أغلى الرجال لديها لتمسكها باللحمة الوطنية وبميثاق العيش المشترك وببناء الوطن ووحدته أرضاً وشعباً ومؤسسات .

ج ـ انتخاب شعبي مباشر لرئيس الجمهورية :

إن الإتيان برئيس جمهورية مخلص لشعبه ووطنه , بمواصفات الرئيس الراحل فؤاد شهاب , يقتضي انتخابه من الشعب مباشرة لإخفاق المجلس النيابي لمرات عدة بمقاومة الضغوط التي تمارس عليه للإتيان برؤساء للجمهورية أورثوا البلاد الخراب والضياع والحروب الأهلية لاستهتارهم بالقانون والدستور, بالتمديد أو محاولات التمديد بالقوة القاهرة على حساب الوطن وأمنه واستقراره ومن ثم التنصل الفوري من تداعيات هذا العمل وويلاته , بحجة عدم قدرتهم على مقاومة الضغوطات الهائلة , مما يدخل البلاد في منازعات طائفية وسياسية كان بالإمكان تجنبها .

لذا فلا بد من إعادة الأمر إلى الشعب  صاحب السلطة الأساسية , ألذي أوصل المجلس النيابي الحالي , لينتخب رئيس الجمهورية مباشرة وليتحمل مسؤولياته في تقرير مستقبل بلاده وبالتالي الدفاع عن خياراته ولقمة عيشه ومستقبل أولاده في وطن يسوده العدالة والحرية والديمقراطية .

الكاتب: 
محمد السويسي
التاريخ: 
الاثنين, سبتمبر 10, 2012
ملخص: 
إن التنازع على سلطات رئيس الوزراء أواحتوائها لصالح رئاسة الجمهورية كان هدفاً ملحاً منذ عهد الانتداب الفرنسي الذي أبدى رأيه في هذا النزاع إثر تفجر الخلاف بين رئيس الجمهورية أميل اده ورئيس مجلس الوزراء خير الدين الأحدب , العام 1936 , الذي كان يرفض ترؤس رئيس