مسؤولية النخب اللبنانية في التحضير للحرب الأهلية: القابليات والمناعات

النوع: 

 

يقال ان الحروب تولد في عقول القادة، ولكن هذا القول ينطبق على الحروب النظامية التي تتقرر في أطر المؤسسات العسكرية، والسياسية، والاقتصادية، والتي تهدف الى الدفاع عن مصالح الدولة المهددة من عدو خارجي. أما الحروب الاهلية فقصتها مختلفة كل الاختلاف من حيث الدوافع والاسباب والاهداف، اضافة الى ساحاتها وسلاحها العسكري والسياسي والاعلامي. واذا أخذنا الحرب الاهلية الاميركية، والحرب الاهلية الاسبانية، نموذجين، وعقدنا مقارنة بينهما وبين الحرب الاهلية اللبنانية التي ما زلنا الى الآن مختلفين على تسميتها، نجد أن الاولى، الاميركية قامت من اجل توحيد القارة في دولة واحدة، والثانية الاسبانية، من اجل اسقاط النظام القائم والتخلف من “مظالمه” واقامة نظام جديد بديل، فيما الحرب الاهلية اللبنانية، لم تقم من اجل توحيد البلد، فهو لم يكن مقسماً، ولا من اجل تغيير النظام الجمهوري الديموقراطي الطوائفي القائم، فاليمين المسيحي حمل السلاح دفاعاً عن الكيان المهدد في اعتقاده من قبل الوجود الفلسطيني المسلح والمدعوم من أكثرية اسلامية، ويسارية. وعندما يتهدد الكيان يتهدد الوجود المسيحي الوحيد الحر في هذا الشرق العربي الاسلامي. أما اليسار الاسلامي فقد حمل السلاح تحت شعار منع التقسيم!! والدفاع عن هوية لبنان العربية. أما السيادة والحرية والديموقراطية والاستقلال وسائر قيم التجربة اللبنانية، فأنا شخصياً لم أجد لها أثر في أدبيات هذا الفريق.

وهكذا يصبح سؤال: لماذا قامت الحرب الاهلية اللبنانية، سؤالاً مشروعاً، طالما لم تكن من اجل استعادة وحدة بلد مقسم، على غرار اليمن مثلاً، ولا من اجل اسقاط النظام الطائفي القائم، واستبداله بنظام لا طائفي، بدليل قبول الجميع، وفي المقدمة اليسار الاسلامي، باتفاق الطائف الذي اعتمد النظام الطائفي ذاته معدلاً، فالمناصفة رفعت من حصة المسلمين في الدولة، وأمنت حصة للمسيحيين ثابتة، لا تخضع للحقيقة الديموغرافية. كما طمأن المسيحيين على نهائية الكيان اللبناني، مقابل الاعتراف بهوية عربية واضحة وصريحة، وثبتت رئاسة الدولة لهم مقابل المقاعد النيابية التي خسروها باعتماد المناصفة. ومن دون الدخول في باقي تفاصيل اتفاق الطائف، يمكن القول انه يصلح منطلقاً لتأسيس دولة جديدة منيعة موحدة، لو سلم من التشويه المتعمد، وسوء التطبيق واجتزائه، واغفال مواده ا لمتعلقة باللامركزية الادارية، واعادة النظر في التقسيمات الادارية والدوائر الانتخابية.

والكلام على اتفاق الطائف وما جرى له، لا يغني عن مناقشة اسباب الحرب الاهلية، مناقشة حرة وصريحة وجريئة ولو متأخرة، لعل النخب التي احجمت عن هذه المهمة الضرورية، اذ بدون تحديد اسباب الحرب الاهلية ودوافعها وثقافتها والجهات المسؤولة عنها، لا يصح الحوار ولا يكون مجدياً، لعلها تقوم بدورها المفقود في دراسة ومعالجة القابلية الشعبية للانقسام والتشرذم والاقتتال وصولاً الى اجتراح السبل الكفيلة بمد المجتمع اللبناني بالمناعة المطلوبة، بحيث لا يبقى وقوداً يشعله خطاب حماسي لطامح الى زعامة أو طالب لسلطة، أو حالم بسلطان، أو مريض بالوهم.

النخب، ويلي منهم وويلي عليهم، هم كثر في لبنان ولكنهم في النائبات قليل. ويلي منهم، عندما كتبوا ما لا يكتب، وقالوا ما لا يقال، وسكتوا عما لا يجوز السكوت عنه. وويلي عليهم يوم ركبهم الرعب جراء اغتيال كمال جنبلاط ومجده لم يحمه، ثم اغتيال المفتي حسن خالد، ودينه لم يحمه، ثم اغتيال رينه معوض، ورئاسته لم تحمه، ثم اغتيال رفيق الحريري، وانجازاته لم تحمه، وبعدهم بيار الجميّل، وسمير قصير، وجبران تويني، وجورج حاوي، الخ… الذين اغتيلوا لا لسبب سوى أنهم من النخبة. ولم يكتفِ النظام المهيمن آنذاك بارهاب الاغتيالات، فعمد الى جزرة الاغراءات، فكان يقال لهذا، كن وزيراً فيكون، ولذاك كن نائباً فيكون، فاذا كانت قد فاتتهم مناقشة اسباب الحرب، كما سبق القول، فهل باتوا، بعد الاخطار التي تتهدد لبنان بما هو أشد وأدهى من حرب العام 1975، على استعداد لطرح القضايا الحساسة، والدخول في عمق الازمة اللبنانية الضاربة، قافزين فوق المحرمات والممنوعات والخطوط الحر، بدءاً من المقاومة، وانتهاء بالارهاب الاصولي الذي يحمل اسم الاسلام، دون ابتداع ارهاب آخر على سبيل التوازن والمدارات؟

لسنا هنا في وارد اتهام الاسلام بالارهاب، حاشى وكلا، ومعاذ الله. انما الحقيقة الماثلة هي أن الارهابيين مسلمون ويفعلون ما يفعلون منسوباً الى الاسلام، وعليه فإن المرجعيات الدينية الاسلامية مدعوة لدور واضح وصريح في تسفيه منطق الارهابيين والتصدي للحركات الاصولية واعفاء الدولة من هذه المهمة التي لا تستطيعها الا بثمن باهظ قد لا تملكه.

أما المقاومة التي بدأت وطنية، وقامت بعمليات خارقة، شهد لها القاصي والداني ووحدت، الى مدى بعيد، اللبنانيين حولها، وأقنعتهم بخطر اسرائيل على الجميع، طوائف ومناطق، وعلى لبنان الدولة والكيان، وهذا الانجاز كان الأهم برأيي للعمليات البطولية، واذ بهذه المقاومة الوطنية، تمنع بوسائل دموية من ممارسة أي نشاط، ويحضر حق المقاومة وشرفها بحزب ينتمي الى مذهب دون سواه، يعطي المقاومة مضموناً دينياً ويعتبرها تكليفاً شرعياً لا واجباً وطنياً مكتوباً على كل مواطن بغض النظر عن انتمائه الديني، بحيث غدت المقاومة امتيازاً لمذهب بعينه، ومحرمة على الآخرين احزاباً كانوا أم مذاهب، الامر الذي أوجد خللاً في العلاقات بين الطوائف والمذاهب، وخلق لدى اصحاب الامتياز بالمقاومة، شعوراً بالتميز والامتياز، وقسم اللبنانيين شعبين، “شعب المقاومة” و”شعب القاعدين”. ثم اتخذت المقاومة منحى استقلالياً عن الدولة وعن القرار الوطني، وتحول الاجماع الوطني الذي حققته المقاومة الاولى الى افتراق مع المقاومة المحصورة، ما جعل المقاومة على نبلها المحسوم موضع سؤال: هل تتساوى سياسة لامقاومة نبلاً مع مضمونها؟ ان ملف المقاومة بعد ان اقحمت نفسها في زواريب السياسة الداخلية، وبعد ان وظفت في الصراع الاقليمي، وبعد ان تماهت مع مذهب معين، سيبقى الملف المتفجّر، والبركان الذي يقذف حمماً.

ان معالجة هذا الملف، ليست في ضم سلاح المقاومة الى سلاح الدولة، ولا في السجالات السياسية انما بحسم دور لبنان في الصراع مع اسرائيل، بعد تحديد حجم الخطر الاسرائيلي وسبل مواجهته ومدى ارتباط الدور اللبناني بالدور السوري والآخر الفلسطيني، والاخير العربي، وتوزيع الادوار بين الجميع واحترم حق كل دولة، بما فيها لبنان، بتقرير دورها. وأنا على ثقة ان اختيار لبنان لدوره، سيكون أكبر وافعل مما يتصور المشككون. وربما كان المطلوب قبل حسم ملف المقاومة، وضع خط فاصل بين اللبنانية والسورية قبل ترسيم الحدود وتبادل السفارات، وبين اللبنانية والعروبة، قبل مناقشة حضور القمة العربية وبعده وبين اللبنانية والفلسطينية، قبل جمع السلاح الفلسطيني خارج المخيمات وداخلها. مسكينة اللبنانية كم تتعرض لتجاذبات من هنا وهناك، وكم تخضع لتفسيرات، وكم لها من قراءات، وكم يوضع عليها من شروطات.

لماذا سمح للكيانات العربية كافة ان تضع خطاً فاصلاً بين الهوية الوطنية والهوية القومية، ومنع عن لبنان؟! لماذا اعترف لجبيوتي بحقها في الاستقلال الناجز وحرم منه لبنان؟! لماذا كان الاستعمار مشكوراً عندما جمع ثلاث ولايات في مملكة سميت العراق، وملعوناً عندما قسم بلاد الشام الى كيانات اربعة؟ هل كان الاستعمار قومياً عربياً في العراق واستعماراً غربياً في بلاد الشام؟!

واذا كانت الكيانات العربية مفروضة من الاستعمار ضد ارادات شعوبها فلماذا استمرت هذه الكيانات بعد زوال الاستعمار؟!

شرط اساسي، للاستقرار والامن والامان والسلامة، بعد تعريف نهائي للبنانية، ارساء علاقة ثابتة وسليمة مع سوريا، تأخذ في الاعتبار حقوق الجوار المتبادلة، والمصالح المشتركة، والامن القومي، واحترام الشرعية الدولية الى جانب الشرعية العربية ممثلة بالجامعة العربية.

ملف آخر في لبنان، آن له أن يحسم، بعيداً عن التوظيف السياسي، والشعارات القومية الفارغة، والعنعنات الطائفية والمذهبية، الا وهو ملف الوجود الفلسطيني في لبنان، بحيث يتساوى الفلسطيني مع اللبناني في واجب الخضوع لسلطة القانون وسلطان الدولة في المخيمات وخارجها، ووقف المتاجرة بفزاعة التوطين، بعد أن حسمه اتفاق الطائف واجماع اللبنانيين والفلسطينيين، ونص عليه الدستور، ثم تصحيح الوضع الانساني للفلسطينيين، لناحية اعطائهم حق العمل، والسفر، وحق تملك شقق سكنية. ان ترك الفلسطينيين في الوضع المزري البائس في المخيمات لا يمنع التوطين ولا يشكل ضمانة لحق العودة.

لفتني في بيان تجمع 14 آذار تركيزه على الثقافة، لقد وضع اصبعه على الجرح، فمشكلة لبنان ثقافية بالدرجة الاولى والثانية والثالثة، والعيش الواحد لم يستولد ثقافة واحدة ولا مفاهيم موحدة، فالمجتمع المسلم يعيش ثقافة الاملاء الالهي، والمجتمع المسيحي يعيش ثقافة الخيار البشري الحر، وقد تنبه واضعو النظام اللبناني الى هذا الاختلاف الثقافي البين، باقامة دولة مدنية، قوانينها وضعية، يشرع لها مجلس نيابي منتخب يمثل الطائفتين الاسلامية والمسيحية، وبالتالي الثقافتين، ما ارضى المسيحي الخائف من حكم الشريعة الاسلامية، كما ارضى المسلم لالحاقه دار الفتوى والمحاكم الشرعية، ودائرة الاوقاف، بتنظيمات الدولة وأتبعها برئيس الوزراء المسلم، فأشعره بإسلامية الدولة، رغم ان الدستور لم ينص على دين الدولة أو على دين رئيسها، انما تركيب الدولة على هذا النحو المطمئن للفريقين والموازن بينهما لم يحل دون التناقض بين ثقافة غربية، ينزع اليها المسيحيون تترجم سياسياً بدولة مدنية ونظام ديموقراطي مقيد بالطائفية، وحريات واسعة وتنوع وتعددية، وثقافة عربية، ينزع اليها المسلمون لا تعطي حيزاً يذكر لحرية الفرد وللديموقراطية وحقوق الاقليات، وتتوجس من الانفتاح على الغرب بدعوى الدفاع عن الذات والتراث والاصالة والهوية.

مع اختلاف الثقافة والقيم والمفاهيم انفرز المجتمع اللبناني مجتمعين، واحد مسلم وآخر مسيحي، لم تتمكن التجربة اللبنانية على فرادتها من دمجهما كلياً في اطار الدولة والنظام، مع احتفاظ كل منهما، بشخصيته، الطائفة اقصى المنى وغاية الطلب، اما الوحدة الوطنية وشرطها الخروج من وحدة الطائفة فموعدها مؤجل، ومعه مشروع الدولة الذي ينتظر ولادة ثقافة الدولة وتكوين مجتمع الدولة ونشوء شعب الدولة.

هذا غيض من فيض الجواب على سؤال ” قضايا النهار” حول مسؤولية النخب في التحضير للحرب الاهلية، مع الاعتذار عما فاتنا وهو كثير والامل في الاقلام التي ستأتي من بعدي لاكمال الشوط… لها الشكر وللقارىء الصبر.

الكاتب: 
رشيد القاضي
التاريخ: 
الأحد, ديسمبر 8, 2013
ملخص: 
والكلام على اتفاق الطائف وما جرى له، لا يغني عن مناقشة اسباب الحرب الاهلية، مناقشة حرة وصريحة وجريئة ولو متأخرة، لعل النخب التي احجمت عن هذه المهمة الضرورية، اذ بدون تحديد اسباب الحرب الاهلية ودوافعها وثقافتها والجهات المسؤولة عنها، لا يصح الحوار ولا يكون