قراءة في الحروب الأهلية في لبنان: تبدّل بالهيمنات ( ج 3)
الحرب وسيلة تلجأ إليها أطراف متصارعة تتنازع على موارد محدودة أو حول أهداف لتغيير موازين القوى للوصول إلى طرف رابح وآخر خاسر ، وربما يخسر كل الفرقاء. وفي الحرب هناك هدف رئيس تدور حوله أهداف أخرى تسعى أطراف الحرب إلى تحقيقها من خلال هذه الوسيلة .
الحرب الأهلية 1975-1976:
انفجرت الحرب الأهلية يوم 13 نيسان 1975 وكان من بين أهداف أحد الأطراف فيها، شطب السلاح الفلسطيني غير الشرعي والمنتشر في لبنان، بعد أن عجزت السلطة الرسمية عن ذلك. خاض الحرب طرف لبناني رأى في الوجود الفلسطيني المسلح خطراً على وجوده انطلاقاً من وعيه لهويته الموروثة وقناعته بعلاقة ما مع المحيط . وكان يمثل هذا الطرف الجبهة اللبنانية.
من جهة ثانية وقف إلى جانب الفلسطينيين فريق لبناني انطلاقاً من وعيه لهويته الموروثة أيضا ونظرته إلى العلاقة مع المحيط والمناقضة للفريق الأول .وكان يمثل هذا الفريق الحركة الوطنية اللبنانية.
إلى جانب الهدف الأساس المنشود كان لكل طرف مشروعه الخاص والذي حاول من خلال هذه الحرب تحقيقه. الجبهة اللبنانية تسعى للمحافظة على امتيازات المسيحيين في السلطة، والحركة الوطنية تسعى لتحقيق برنامجها الإصلاحي الذي كان تتويجا لنضالات أعوام طويلة .
دارت معارك عسكرية وحصلت مجازر بين الأطراف وجرى تطهير طائفي لبناء مناطق ذات صفاء طائفي. إلى أن كانت حرب الجبل وصارت الحركة الوطنية والفلسطينيين يسيطران على 80 % من لبنان، ما دفع بالجبهة اللبنانية المدعومة من الغرب وإسرائيل لطلب العون من النظام السوري الذي سارع للتدخل من أجل توسيع نفوذه في لبنان والاتفاق مع واشنطن والرياض. كان المطلوب منه شطب السلاح الفلسطيني لكنه حاول الإمساك به لاستخدامه ورقه لتحسين موقعه في المنطقة. الدخول السوري وجّه ضربة موجعة للحركة الوطنية وأنهى مشروعها الإصلاحي وخصوصاً بعد اغتيال زعيمها كمال جنبلاط .
الحرب الأهلية 1977-1982
في خلال هذه الفترة أدار النظام السوري الحرب الأهلية ، من خلال محاولة الإمساك بالبندقية الفلسطينية وخصوصاً بعد إقامة إسرائيل للشريط الحدودي واستخدام عدد من اللبنانيين كحرس حدود لها (جيش لبنان الحر)، ثم قيامها باجتياح 1978 والذي أبعد الفلسطينيين وقسم من اللبنانيين عن حدودها .
وفي الداخل صار النزاع حول زيادة مشاركة المسلمين في السلطة إلى جانب المسيحيين، وغاب في الواقع أي مشروع تغييري أو إصلاحي للمظاهرات الطائفي. وتحولت الحرب إلى معارك عبثية بين المقاتلين.
الحرب الأهلية 1982-1989
في حزيران 1982 اجتاحت إسرائيل لبنان وصولاً إلى العاصمة بيروت، والتي حاصرتها 88 يوماً وذلك بمساعدة من أطراف لبنانية، وصولاً إلى عقد اتفاق يقضي بإخراج المسلحين الفلسطينيين من لبنان. ونجحت بإيصال حليفها بشير الجميل إلى رئاسة الجمهورية فحققت نجاحين: الأول باستكمال خطتها بإنهاء ظاهرة السلاح الفلسطيني اعتماداً على الانقسام اللبناني الداخلي، والثاني إيصال حليف لها إلى الحكم اللبناني .
لكن مقتل بشير الجميل دفع حلفاء لإسرائيل لارتكاب مجزرة صبرا وشاتيلا لإيصال رسالة أن المطلوب أيضا تهجير الفلسطينيين من لبنان .كذلك دخل الجيش الإسرائيلي إلى العاصمة بيروت .وهذا ما دفع قوى لبناني لإعلان انطلاقة جبهة المقاومة اللبنانية لتحرير الوطن من الاحتلال الإسرائيلي .وبذلك تكون هذه القوى قد خرجت من الحروب الأهلية الداخلية .لكن الاحتلال الإسرائيلي من جهته عمل على تعميق الانقسام الداخلي وإدار حرب الجبل 1983 والتي انتهت بتهجير المسيحيين منه، لمصلحة الدروز الذين برزوا كقوة أهلية تطلب مزيداً من المشاركة في السلطة. تبع ذلك حوادث شباط 1984 عندما سقطت العاصمة بيروت بأيدي ميليشيات شيعية ودرزية، وعاد البلد إلى حرب أهلية تهدف كل مجموعة للحصول على حصة أكبر من السلطة .
في الوقت نفسه كان قسم من اللبنانيين يتابع القتال ضد الاحتلال الإسرائيلي، وفي عام 1985 انسحب جيش الاحتلال الإسرائيلي إلى الشريط الحدودي. وعندها بادر النظام السوري وعبر أداة لبنانية لتنفيذ حرب المخيمات الساعية لإنهاء الوجود الفلسطيني في لبنان. وتلا ذلك حروب داخلية داخل الطوائف نفسها من أجل زعامة كل طائفة فكانت حرب الإلغاء وحرب إقليم التفاح. وبعد ذلك لم يعد بالإمكان أن يستطيع طرف طائفي واحد بالهيمنة على البلد فكان اتفاق الطائف الذي أوقف الحرب الأهلية المسلحة. لكنه تضمن عدداً كبيراً من الإصلاحات التي لا يمكن تحقيقها في ظل حكم استلم السلطة برعاية سورية وبنى نظام المحاصصة الطائفية من خلال الممارسة السياسية اليومية، وأرسى نظام النهب العام من خلال قوننته.
من اتفاق الطائف إلى الآن :
في هذه الفترة استمرت الحرب الأهلية بوسائل غير مسلحة بين المكونات الأساسية في السلطة من أجل الهيمنة والإمساك بحصة أكبر. وهذه الحرب الدائمة مرت بأيام مسلحة في أيار 2008 والتي أدت إلى زيادة وزن الشيعية السياسية على حساب الطوائف الأخرى
وفي هذه الفترة انسحب الجيش الإسرائيلي من الجنوب عام 2000 عندما زادت خسائره جراء العمليات االعسكرية ضده .
وفي عام 2011 بدأ تيار لبناني بالبروز خارج الاصطفافات الطائفية وكانت حملة إسقاط النظام الطائفي. لكن هذه الحملة تراجعت بفعل التدخلات الطائفية، ثم كانت تحركات عام 2015 وتلاها انتفاضة 2019..
وماذا عن مستقبل الوطن ؟
للحديث تتمة
