نحن هنا – الطائف وإلغاء الطائفية
يوما بعد يوم تتبيّن أهمية اتفاق الطائف واستشرافية “القوات اللبنانية” التي أيدت هذا الاتفاق ووفرت التغطية المسيحية له، فيما لم يكن يحظى بشعبية مسيحية ولا لبنانية لدى إقراره، حيث ان “حزب الله”، على سبيل المثال، سجل اعتراضا شديدا على الاتفاق، وبالتالي يسجل لـ”القوات” انها من القوى القليلة التي ساهمت بصناعة اتفاق الطائف وبقيت متمسكة بنصوصه ومضامينه، خلافا لمن لم يؤيده لدى إقراره وسعى إلى التمايز عنه في كل الأوقات.
ولعل مناسبة الكلام عن اتفاق الطائف عودة الثنائية الشيعية إلى طروحات تنتمي إلى حقبة الحرب الأهلية وتعيد الفرز بين اللبنانيين على قواعد طائفية ومذهبية، حيث ان تمسك الثنائية بالنسبية الكاملة على أساس لبنان دائرة واحدة يشكل استعادة لمشروع إلغاء الطائفية السياسية، ولكن بمسمّى النسبية، إنما مفاعيله الانقلابية هي نفسها.
وهذا الطرح، إلغاء الطائفية السياسية، لم يأت من فراغ، بل كل الهدف منه كان إلغاء مبدأ الشراكة وميزة لبنان التعددية وأسلمة البلد من خلال تحكُّم الأكثرية بالأقلية، ومن الثابت ان “حزب الله” لم يبدِّل في توجهه الأساسي، وإن كانت أولويته في المرحلة الحالية الإمساك بالأكثرية النيابية من أجل شرعنة سلاحه على طريقة “شرعي وضروري ومؤقت” في زمن الاحتلال السوري، ولكن الدولة الإسلامية التي يريدها الحزب جزءًا من أمة ولاية الفقيه تبقى هدفا استراتيجيا حتى لو كان عن طريق الإقناع لا القوة وفق ما أكده مرارا السيد حسن نصرالله والشيخ نعيم قاسم، الأمر الذي يتناقض كليا مع الفكرة اللبنانية القائمة على أساس مدنية الدولة اللبنانية التي يتشارك في إدارتها المسيحي والمسلم.
والمراجعة التي أجراها الشيخ محمد مهدي شمس الدين للموقف الشيعي من إلغاء الطائفية السياسية التي كان من أبرز المطالبين بها، وتأكيده على اتفاق الطائف كخيار نهائي وليس كخيار الضرورة، وتشديده على ضرورة الحفاظ على طائفية النظام اللبناني مع بعض التحسينات الواردة في وثيقة الوفاق الوطني، تثبت، اي المراجعة، ان الموقف المؤسس لنظرية إلغاء الطائفية السياسية لم يكن في محله، وان الشيخ شمس الدين تقصد بنفسه إعادة تصويب الموقف عن طريق شهادات-وصايا لطائفته في طليعتها الاندماج داخل البيئة اللبنانية والالتزام بالأولويات اللبنانية لا الشيعية على قاعدة ان أولوية الشيعة الاندماج في بيئاتهم ومحيطهم في إطار نظام المصلحة الوطني لا الطائفي.
فأين “حزب الله” من وصايا شمس الدين؟ لا شك في انه بعيد كل البعد عن تلك الوصايا ويعمل عكسها من خلال سعيه المستمر لإلغاء الطائفية وتحكيم العدد بمصير البلد، فيما الطريق الوحيد للخروج من الأزمات اللبنانية المتتالية إلى الحياة الطبيعية يكمن في تطبيق اتفاق الطائف الذي حدد الثوابت الوطنية ورسم خريطة الطريق لتطوير نظامنا السياسي.
فعلى مستوى السيادة اللبنانية حسم الطائف نهائية لبنان من أجل وضع حد نهائي لمشاريع إلحاقه بكيانات أخرى، ووضع استعادة الأراضي المحتلة من قبل إسرائيل تحت مرجعية الدولة من دون الإتيان على ذكر مقاومة وغيرها.
وعلى مستوى الميثاق والشراكة أكد على فعالية التمثيل الوطني لكل المجموعات اللبنانية، ومن غير الطبيعي تصحيح الشكوى الإسلامية لفتح شكوى مسيحية، فيما هدف الاتفاق تحقيق المساواة وإزالة اي شكوى وتبديد الهواجس.
وعلى مستوى الإصلاح وضع الأسس لفصل تأثير الطائفية على إنتاجية الدولة وفعاليتها من خلال نظام المجلسين، ولكن من دون تحويل لبنان إلى دولة علمانية، حيث أعطى الطوائف حق الفيتو في القضايا المصيرية المتصلة بوجودها ودور لبنان هويته، الأمر الذي يؤدي إلى ترييحها، وحرر اللعبة السياسية من الخلافات على أساس طائفي ومذهبي.
فلا حل سوى بالعودة إلى اتفاق الطائف، فيما محاولات الإطاحة بهذا الاتفاق لم تتوقف على يد النظام السوري حينا و”حزب الله” أحيانا، والمحاولة الأخيرة لفرض النسبية الكاملة تندرج في هذا الإطار.
