بارود: لماذا تجاهل القانون الجديد والاستعجال بتعيين محافظة لكسروان – جبيل؟

النوع: 

 

انشغل الرأي العام في الآونة الاخيرة بموضوع تعيين محافظ لبيروت. وساد جو من الاحتقان السياسي- الطائفي حول هذا المنصب ليعيّن محافظ جديد لبيروت وآخر لمحافظة كسروان-الفتوح- جبيل. لم تهدأ الأجواء قليلا ليتم استقبال المحافظة الجديدة لكسروان بطعن تقدمت به جمعية Lebanese Anti-Corruption Task Force. ملف تعيين المحافظين هذا فتحته « الشرق» مع وزير الداخلية والبلديات السابق زياد بارود بالاضافة الى ملفات تعيين الفئة الأولى، آلية التعيين، إنشاء المحافظات الجديدة والمحاصصة الطائفية في التعيينات.

استقبلنا الوزير بارود في مكتبه الهادىء، ذي الديكور البسيط والذي تحمل جدرانه شهادات كثيرة، بدماثة وترحاب. شخصية قانونية على ضلوعا في مجالها الا انه قمة في التواضع حتى انك تشعر انك في حضرة صديق متواضع تعرفه منذ زمن. اجاب على جميع الاسئلة بشفافية وطلاقة وصدق. هنا نص الحوار:

إعادة النظر بالتقسيم الإداري لا يمكن أن يتم بالمفرق

*هل استحداث محافظات جديدة في لبنان أمر ضروري ومدروس ام انه يتم عشوائيا؟

-يجب ان نعلم ان تقسيمنا الاداري ونظامنا الاداري يعود الى عام 1959 ومنذ ذلك الوقت كان هناك محاولات عديدة لإنشاء محافظات جديدة اي إعادة النظر بهذا التقسيم. في العام 1975 أنشئت محافظة النبطية. وبالتالي كانت المرة الاولى التي نخرج فيها من المحافظات التاريخية الخمس. في العام 2003 أنشئت محافظتي عكار وبعلبك – الهرمل. ومحافظة كسروان – الفتوح – جبيل أنشئت عام 2017. اللافت في هذا الموضوع ان إتفاق الطائف في العام 1989 نص على ضرورة إعادة النظر في التقسيم الإداري. وبرأيي إعادة النظر بهذا التقسيم والتي هي أمر طبيعي وجميع التقسيمات الادارية قابلة للتعديل بحسب مستجدات الديموغرافيا وتوزّع السّكان والحالة الانمائية التنموية والاقتصادية. ولكن المستغرب بالنسبة لي هو أننا قمنا بالمفرق ما كان يجب علينا ان نقوم به بالجملة. علما ان عكار، بعلبك- الهرمل، كسروان-الفتوح-جبيل مناطق تستحق كليا ومن دون اي جدل ان يكون لها محافظات. انا لا أناقش أحقية هذه المناطق بأن يكون لها محافظات. ولكن أتساءل لماذا نستحدث محافظات عام 1975، 2003 و2017 في حين يجب ان نقارب هذا الموضوع بكليته وبمعايير موضوعية اي ان نقول لماذا نريد ان ننشىء محافظات؟ أين؟ وكيف؟

تجاهلوا قانون آلية التعيينات لعدم نشره في الجريدة الرسمية

*هل تعيين المحافظين الجدد تم بإتباع آلية للتعيين؟

-المحافظ هو موظف فئة أولى وموظفو الفئة الاولى يعينون بمرسوم في مجلس الوزراء إما بالتوافق او في حال تعذر التوافق بأكثرية الثلثين اذا حصل تصويت. محافظ بيروت إنتهت مدة تعيينه بالاساس القاضي زياد شبيب وكان ضروريا ان يعيّن بديل عنه .هذه التعيينات حصلت لملء الفراغ في بيروت. محافظة كسروان-الفتوح-جبيل موضوع آخر نعود له لاحقا. ولكن اسمحي لي بالقول قبل الدخول في تفاصيل التعيينات. منذ اسبوعين او ثلاثة أقرّ مجلس النواب قانونا جديدا يفرض آلية لتعيين موظفي الفئة الأولى وسلك درب الصدور واصبح في طريقه الى رئيس الجمهورية الذي قد يستعمل حقه الدستوري بإعادة القانون الى مجلس النواب لقراءة ثانية مع ملاحطات او قد ينشر القانون في الجريدة الرسمية. ويمكن لـ 10 نواب الطعن بهذا القانون لعدم دستوريته. حتى هذه اللحظة القانون أقرّ لكنه لم ينشر بالجريدة الرسمية وبالتالي لم يصبح نافذا بعد. ولكنّه أقرّ وبالتالي الكلام عن انه نعم اقر القانون ولكنه لم يصدر بعد في الجريدة الرسمية حتى نطبقّه وبالتالي نستطيع ان نعيّن كما نشاء هو كلام اعتقد ان به استعجال في غير محلّه لأن الشواغر ليست جديدة. تعيين محافظة لـ كسروان-الفتوح-جبيل في الوقت الذي لا توجد فيه مراسيم تطبيقية ولم تتشكل المحافظة بعد فلماذا الاستعجال؟ لذلك كنت اتمنى ان لا تستعجل الحكومة في التعيينات وان تنتظر ما سيكون عليه مصير هذا القانون الجديد وهذه الآلية التي تعتمد معايير ان يتم احترامها. خصوصا» ان هذه الآليه ذاتها تقريبا» التي إعتمدها مجلس الوزراء عام 2010 وفرضها على نفسه ولو لم يكن هناك قانون وعين 40 موقعا» على اساس هذه الآلية الجديدة التي اعتمدها مجلس الوزراء. اعتقد انه كان من المجدي مع افتراض حسن النية الانتظار خصوصا انه تفصلنا اسابيع قليلة عن مصير هذا القانون. وكانت ستعطي إنطباعا اننا دولة وحكومة تحترم القانون. رئيس الحكومة صرّح قائلا» ان التعيينات احترمت الآلية وربما قد يكون كذلك وهذا متروك للايام القادمة لنرى ما سيحصل للقانون. التعيينات العسكرية وتعيين حاكم مصرف لبنان لا تخضع لهذه الآلية. اليوم الذي يطرح اشكالية اكثر من تعيين محافظ بيروت الذي عيّن وحسب الاصول.

التعيينات اتبعت الأصول شكلياً واللعبة الطائفية تتحكم بالبلد

*ما الذي تقصده «عيّن حسب الاصول» هل اتبعت عملية التعيين الاصول؟

-حسب ما تقصدين بالاصول. الآلية المنصوص عليها في القانون الذي لم ينشر بعد وبالتالي يبدو ان مجلس الوزراء اجرى المقابلات وعرضوا ٣ اسماء  كأنه بتشبه الآلية من دون ان تكون الآلية المنصوص عنها في القانون. ولكن لا نعلم مضمونها بحذافيره. وتتذكرين الجدل الذي رافق تعيين محافظ بيروت ارثوذكسيا». في بيروت القاضي الذي عيّن معروف بكفاءته وهو قاض رصين وآدمي. وان كان مرضي عنه ارثوذكسيا فهذا البلد هكذا ولن اتوقف عند هذا التفصيل. وانا شخصيا لا أفكر طائفيا بالامور. بل افكر هذا موقع خدماتي وان هذا تكليف وليس تشريف وبالتالي المهم ان استلم هذا الموقع شخص مناسب». ولا اتوقف عند اللعبة الطائفية. ولكن للأسف البلد لا يزال يعمل وفق هذه اللعبة. في عملية تعيين محافظة كسروان-الفتوح-جبيل هناك كلام سمعناه عن انه لماذا هذه الطائفة وليس غيرها.

محافظة بلا مقر وملاك ولا مراسيم تطبيقية بعد

*بالعودة الى تعيين محافظة لمنطقة كسروان-الفتوح-جبيل قبل انشاء محافظة اداريا، فكيف ستمارس مهامها اداريا؟

-اولا، هي لا تملك مقرا للمحافظة بعد، والاهم من المقر الجهاز الوظيفي والبشري للمحافظة. لأنه درجت العادة انه عندما يصدر قانون بإنشاء محافظة ان يستتبع هذا القانون بمراسيم تطبيقية وأهم هذه المراسيم التطبيقية مرسوم تحديد الملاك الذي يحدد الوظائف في هذه المحافظة اي أمانة السر، رؤساء الدوائر، رؤساء الاقسام، الموظفين.. هذا كله يستلزم وجود آلية واضحة. لذلك كان من المستحسن عدم استعجال تعيين المحافظة، بمعزل عن شخصها واسمع انها تتمتع بالكفاءة والمواصفات، بدليل ان هناك طعنا اليوم امام مجلس شورى الدولة تقدم يستند بالدرجة الأولى على ان التعيين تم لوظيفة غير ملحوظ اعتماد لها وغير ملحوظة بالهيكلية التي تحدثت عنها للمحافظة.

وزير الداخلية عارض التعيينات فهل كانت من أجل التوازن الطائفي؟

*هل يستطيع وزير الداخلية اعطاء الامر بالمباشرة للمحافظة قبل صدور قرار مجلس شورى الدولة؟

-لنر قرار مجلس شورى الدولة ان كان سيتخذ قرارا بوقف تنفيذ المرسوم ولم اشاهد مرسوم التعيين في الجريدة الرسمية. الطعن اليوم هو بقرار مجلس الوزراء ام صدر القانون ولم انتبه. ولكن هذا كله كنا بغنى عنه لو قمنا بالامور وفق الاصول. ماذا كا سيتطلب منا لو وضعنا مرسوما تطبيقيا»؟ وزير الداخلية هو المعني خصوصا انه هو من يقترح التعيين دستوريا وفق آلية التعيين. الوزير المعني بالمحافظات هو وزير الداخلية والبلديات والمفارقة ان وزير الداخلية في جلسة مجلس الوزراء للتعيينات كان معترضا على التعيينات! فظيعة هذه القصة. هل كانت هذه التعيينات من اجل التوازن الطائفي؟ ولماذا نعطي الانطباع للناس دائما اننا نعمل على القطعة من دون تخطيط؟

*هل تعيين محافظة كسروان-الفتوح-جبيل تم بهذا الشكل كنوع من استرضاء للطائفة الارثوذكسية بعد اللغط الكبير الذي رافق ملف تعيينات المحافظين؟

-شخصيا انا غير معني بأي كلام طائفي. ما يقومون به طائفيا ومن استرضاء في التعيينات ليتحملوا مسؤوليته. مع احترامي الكامل واعود وافترض حسن النية عن رئيس الحكومة حسان دياب لماذا سمحنا بإدخال الناس في موجة الاسئلة الطائفية، بينما الآلية افضل واتمنى اخراج التعيينات من المحاصصة والزبائنية المزمنة كي لا نقول ان هذه الحكومة فقط انما جميع الحكومات المتعاقبة كانت تلعب لعبة المحاصصة. هذا ليس بالامر الجديد انما مؤسف ان يستمر بعد كل الذي حصل في الشارع والاعتراض الشعبي الواسع لا يمكننا الاستمرار بهذا الشكل. يجب اعطاء الناس الشعور بان هناك امرا ما تغيّر. في موضوع التعيينات كمواطن مراقب لم أر تبدلا في عملية التعيينات رغم أنه على مستوى الاشخاص هناك كفاءات عينت ولكن الرسالة التي تعطى للناس ان الاساس هو تعيين طائفي.

الخروج من المحاصصة الطائفية عبر تطبيق اتفاق الطائف

*ما مدى امكانية اعتماد آلية واضحة في التعيينات واخراجها من المحاصصة الطائفية، خصوصا انه في موضوع تعيين محافظ لبيروت سمعنا اصوات ساسة ورجال دين يطالبون طائفيا بالتعيين من قبلهم؟

-الحالة الطائفية مزمنة ومستمرة ويدفع ثمنها كل لبناني وكل لبنانية يقدمون المواطنة والكفاءة على اي اعتبار آخر. ومن يعطي عذرا ان البلد «كله هيك» هذه الذريعة اننا لسنا طائفيين انما طالما الوضع هكذا سنكمل بالنهج الطائفي فمن سيبدأ بإنهاء هذا النهج خصوصا اننا شاهدنا الضرر الكبير من الحالة الطائفية. الدولة كدولة عليها ان تتخذ تدابيرلتأخذ المواطنين الى حالة من المواطنة كبديل عن الحالة الطائفية.

*كيف يمكن ان يتم ذلك؟

-بعد اتفاق الطائف تنص المادة 22 من الدستور على استحداث مجلس شيوخ تتمثل فيه العائلات الروحية كما يقول النص اي الطوائف. ممتاز ليتمثلوا في مجلس الشيوخ ولنرتاح في الاماكن الاخرى والامور التي يخافون عليها لنحصرها بمجلس الشيوخ وليس البلد بكامله بدءا من تعيين ناطور. اذا وضعنا مراقبا في برج المراقبة في المطار من طائفة معينة وهذه ليست مهنته، هل نحمي هكذا حركة الطيران؟ وهذا مثال صغير. يجب تقديم الكفاءة على الموضوع الطائفي. تركيبة لبنان الطائفية نعرفها ولكن هناك فرقا بين احترام وجود الطوائف وبين احترام وجود الدولة. لست ضد ان تكون الطوائف موجودة بالعكس هي مصدر غنى للبنان. ولكن ليس الى درجة تعطيل المؤسسات الدستورية وتعطيل شؤون الناس وهذا ما يؤخرنا كثيرا».

الحكومة مقيدة سياسياً والتعيينات تتم بوحي من الزعماء والأحزاب

*برأيك كرجل قانون هل تطابقت التعيينات الأخيرة مع ما وعدت به هذه الحكومة بإعتماد معايير الكفاءة ان كان من تعيينات المحافظين وصولا الى تعيين نواب حاكم مصرف لبنان؟

-أظن انه لو احترمت الآلية كما وضعها مجلس النواب كانت الحكومة جنبت نفسها الكثير من الانتقادات. ثانيا، هناك امتحانات قادمة عديدة للحكومة في ملف التعيينات كتلفزيون لبنان. علما ان التعيينات  في المالية، مفوض الحكومة، نواب حاكم مصرف  تأخرت كثيرا وبقيت  الشواغر فيها كان طويلا وأجلت مرارا. هذه التعيينات غير خاضعة للآلية ولكن على اي اساس تم التعيين؟ بين الذين عينوا هناك اناس اكفاء ولا ملاحظة عليهم بالشخصي. هذه الحكومة علّت السقف على نفسها كثيرا. هل اصطدمت بالواقع وتأثير القوى السياسية على ادائها؟ يبدو الامر كذلك. مع افتراض حسن النية عند الحكومة رئيسا واعضاء. ولكن واضحا تأثير القوى السياسية التي ساهمت في تشكيل هذه الحكومة بطريقة مباشرة او غير مباشرة يجعلها مقيّدة في عملها وفي آدائها وهذا انسحب على التعيينات الادارية ايضا. عملية التعيين والاختيار في نواب حاكم مصرف لبنان اتبعت شيئا من المحاصصة الطائفية. ومع تقديري للأشخاص الذين عينوا واكرر هذا الامر لأني اعلم ان هناك كفاءات عينت ولكن الواضح ان معيار التعيين الاول بإيحاءات من زعيم او طائفة او حزب سياسي قادر. الرئيس فؤاد شهاب في الخمسينات واوائل ستينات القرن الماضي حاول اخراج التعيينات بإستثناء الفئة الاولى من التأثير السياسي والزبائنية بانشاء مجلس الخدمة المدنية. وتخيلي لازلنا حتى اليوم لم نتخلص من هذه المسائل. الفئة الاولى تعييناتها خاضعة لقرار سياسي وهذا غير خاف على احد. تعيينات الفئة الاولى تتم في مجلس الوزراء الذي يعين وفق اعتبارات تدخل فيها المحاصصة والسياسة والطائفية.

الكاتب: 
ماجدة الحلاني
التاريخ: 
الاثنين, يونيو 22, 2020
ملخص: 
بعد اتفاق الطائف تنص المادة 22 من الدستور على استحداث مجلس شيوخ تتمثل فيه العائلات الروحية كما يقول النص اي الطوائف. ممتاز ليتمثلوا في مجلس الشيوخ ولنرتاح في الاماكن الاخرى والامور التي يخافون عليها لنحصرها بمجلس الشيوخ وليس البلد بكامله بدءا من تعيين ناط