من الخوف ..الى الانتحار!
ما من شك، ان انحياز حزبي الكتائب والقوات اللبنانية الى جانب الاقتراح المعروف باقتراح " اللقاء الارثوذكسي " الخاص بالانتخابات النيابية في لبنان يحمل الكثير من الرسائل والمعاني والاشارات، ناهيك بالصدمات والمفاجآت. اذ ان بقية الاطراف والشخصيات المنضوية تحت لافتة تحالف قوى 14 آذار وتحديدا تيار المستقبل قد اصيبوا فعلا بالصدمة .
قبل اعلان سمير جعجع موقفه الذي قال فيه انه موافق على الاقتراح المذكور، لكنه ينتظر موافقة حزب الله عليه، اي موافقة حليف خصمه اللدود ميشال عون، قبل هذا الكلام، كان قادة 14 آذار وقادة تيار المستقبل يردون على الاسئلة المثارة بالقول : " نحن مطمئنون ان جماعتنا يناورون كي لا ينفرد عون بالساحة المسيحية " . لكن حين اعلن جعجع هذا الكلام، اي حين احال الامر الى موافقة حزب الله، ظهر للعديد من قادة 14 آذار، وبعد فوات الاوان، ان موقف جعجع لم يكن مناورة، حتى ان من اعتبر انها مناورة فقد ايقن في الوقت عينه ان الحكيم ذهب بعيدا في اللعبة المفترضة، ذهب بعيدا لدرجة ان طريق العودة باتت متعذرة عليه، فسكاكين عون تُسن وتحضر لنحر من يتراجع على مذبح الحقوق المسيحية في ما اعتبر" اهم لحظة تاريخية تسمح للمسيحيين باستعادة حقوقهم السياسية ومن يتخلى عنها سيلعنه التاريخ ..." حسب تعبير جبران باسيل الذي لم يوضح بطبيعة الحال عن اي تاريخ يتكلم .
السؤال الذي يطرح نفسه على الكثيرين من اللبنانيين هو ، هل ان ما جرى مرده الى انزلاق " " القوات " و " الكتائب " في مجرى المزايدات في الشارع المسيحي، فنجح عون في جر خصومه الى ساحته ؟
الامر فيه شيء من المزايدات، لكن المزايدات المسيحية لا تكفي وحدها للجواب الشافي، ولا يعتقد بذلك الا من هم من فئة البسطاء، والاصح هو النظر بعمق الى موقف الكتائب والقوات من باب الهواجس المسيحية او الخوف المسيحي مما يجري في المنطقة. وهذا ليس كلاما فراغا، بل كلام وقائع، وفي هذا يمكن لنا ان نعثر على اجزاء كثيرة من الصورة الظاهرة وعلى تفسير اسبابها.
في الحقيقة ان ما تشهده بعض الدول العربية وتحديدا تلك التي تأثرت بالربيع العربي، يدعو الى القلق والى الخوف، والخوف صفة انسانية وليست صفة مسيحية فقط، اذ ان بقية الاطراف خائفون . المسلمون ايضا خائفون او لنقل السواد الاعظم منهم .
لقد بات واضحاً في المدة الاخيرة ان شيخ الازهر، الدكتور احمد الطيب الذي اندفع في اصدار الوثائق المرشدة عن الانفتاح والتعايش والحرية والدولة المدنية... اثر اندلاع ثورة 25 يناير، ابتعد منذ وصول الاخوان الى الرئاسة، عن دور الارشاد النير والمبادر. ليس سهلا ان يندلع النقاش بين بعض الحركات السياسية المصرية حول شرعية توجيه التهنئة للمسيحيين في اعيادهم الدينية، وليس مستحبا ان لا يبادر كبار المسؤولين في الدولة المصرية الى حضور المناسبات الدينية لدى الاقباط، وليس سهلا ان تشهد تونس هذا الصراع بين الحركات الاسلامية وبقية اطياف الشعب التونسي حول تطبيق الشريعة او عدم تطبيقها.
وليس سارا ان يتم تهجير اعداد كبيرة من المسيحيين في العراق، وليس مسليا ان اتباع تنظيمات اسلامية و حكام امارات واقطاعات هم نجوم الثورة في مناطق عديدة من سوريا.. لكن هذا البؤس لا يطال المسيحيين وحدهم، بل يطال اغلب المواطنين اللبنانيين والمسيحيين منهم بطبيعة الحال .
المسيحيون في لبنان خائفون وهذا صحيح، لكن الصحيح ايضا ان المسلمين ليسوا راضين عن ما يجري، والخوف ينتاب قطاعات واسعة من المسلمين ايضا. المسلمون في لبنان، هم في اغلبهم، وبشكل عام، اهل تقوى وايمان، لكنهم خارج معشر الجهاد او الحرب على الردة ، وهذا ما فات المؤيدين للاقتراح الارثوذكسي .
انطلقت فكرة لبنان كوطن مستقل بحدوده المعروفة بالتوازي مع جهود الانتداب الفرنسي، من فكرة التشارك بين المسلمين والمسيحيين، وقد تألق هذا اللبنان بسبب هذه الشراكة التي تعرضت للكثير من التجارب القاسية، لكن ما اختارت ان تنحاز اليه الاحزاب المسيحية، في المشروع " الارثوذكسي " وان بسبب الخوف والهواجس من اشباح السيوف والرقاب، ليس الا وصفة سريعة لاستجلاب هذه الهواجس وتحويلها الى معطيات جدية ومناداتها للحضور سريعا بلبنان.
اذا ما اجتاز " الارثوذكسي " عتبة البرلمان، ستتراجع لغة الشراكة، لتحل مكانها لغة الارقام والاعداد والحسابات والنسب. لا يعني ذلك تهديدا للمسيحيين فقط، بل ان التهديد سيشمل الجميع مسيحيين ومسلمين، باعتبار ان المُهدد بات الفكرة الاساسية التي تشارك اللبنانيون عليها لابتداع لبنان الذي نعرف . ستمتد وتطول طوابير اللاهثين خلف تأشيرة الى بلدان المواطنين حيث الدولة مدنية، ولن يكون هناك من فرق واضح بين مسيحي ومسلم، حين تلتقي الوجوه في شوارع مونتريال او فانكوفر او سيدني... ربما قد يتذكر احفادنا ان اجدادهم كان لهم وطن،اسمه لبنان، وربما لن يذكروا ولن تعود الذكرى نافعة.
