ماذا يعني تجدد الكلام على تعديل اتفاق الطائف؟ [1]حسين الحسيني: كيف نعدّل دستوراً لم نطبقه يوماً؟!

النوع: 

 

كلما تعرض لبنان إلى أزمة سياسية أو حكومية، يتجدد الكلام على تعديل اتفاق الطائف. أخيراً تحدث النائب وليد جنبلاط عن الحاجة الى "طائف سني – شيعي"، وأشار البطريرك بشارة الراعي الى ضرورة التفكير بـ"عقد اجتماعي جديد". ومثله فعل السيد حسن نصرالله قبل يومين بالدعوة الى مؤتمر وطني تأسيسي؟ فما الذي يعنيه هذا الكلام اليوم؟ وهل بات اتفاق الطائف يحتاج فعلاً الى تعديل؟ كيف؟ ولماذا؟ وهل هذا ممكن في ظل الانقسام السياسي الراهن؟ ما هي البنود القابلة للتعديل؟ وهل ثمة اجماع عليها، أم أنها مطالب لمذاهب وطوائف؟

انطلاقاً من المعطيات والاسئلة، توجهت "النهار" الى عدد من السياسيين وأصحاب الرأي في لبنان، للوقوف على نظرتهم الى هذه الامور. الرئيس حسين الحسيني، وهو كان رئيساً لمجلس النواب الذي وضع نصوص اتفاق الطائف وأقره العام 1989، يرى أننا نعيش في ظل دستور لم يطبق، وأن أزمة الحكم والنظام التي نعيشها تكمن في أن مجالس النواب ما بعد الطائف، منتخبة بموجب قوانين غير مطابقة للدستور، لذا هي غير شرعية وغير دستورية، وتنبثق عنها سلطة تريد دولة بلا مؤسسات ووطناً بلا مواطنين.

■ بين مدة وأخرى يتجدد الكلام على ضرورة إدخال تعديلات على اتفاق الطائف، كيف تنظر الى هذه الدعوات؟

- في البداية تجدر الاشارة الى أن مقدمة اتفاق الطائف هي الصيغة المكتوبة للميثاق الوطني اللبناني الذي لم يكن مكتوباً. أما بنود الاتفاق فهي خطة عمل تنفيذية لإقامة مؤسسات الدولة اللبنانية، وفقاً لنظام الحكم الذي نصّ الطائف بوصفه نظاماً جمهورياً ديموقراطياً برلمانياً، يقوم على احترام الحريات العامة والفصل ما بين السلطات. وبما أن النص الدستوري نص عام، فإنه يحتاج الى نصوص قوانين إجرائية توضح آليات التطبيق العملي لبنود النص الدستوري، وعمل مؤسسات الدولة السياسية والادارية والأمنية، وفقاً للدستور. لكن نصوص القوانين الإجرائية أو التنفيذية هذه لم يوضع منها شيء حتى الآن، بعد أكثر من عقدين على ابرام اتفاق الطائف. لذا فإن الاتفاق لا يزال نصاً من دون خطة محددة وواضحة لتنفيذه على وجه صائب وصحيح، يحدد الآليات والمسؤوليات.

مثلاً، نصّ الدستور على أن رئيس الجمهورية هو رئيس كل السلطات في الدولة. لكن كيف للرئيس أن يقوم بهذا الدور من دون نص قانوني تطبيقي يحدد آلية العلاقة بين السلطات في الدولة؟ وحين يقول الدستور إن رئيس الجمهورية يترأس مجلس الدفاع الأعلى باعتباره مؤسسة دستورية، كيف يمكن هذا المجلس أن يقوم ويعمل من دون قانون يحدد عمله ودوره وصلاحياته؟ والأهم من هذا، هنالك مسألة الشرعية الدستورية التي نص الدستور على أن الشعب هو مصدرها ومصدر سلطات الدولة. وإذا كانت مؤسسة مجلس النواب هي التي تمثل الشعب، فإن آليات هذا التمثيل يحددها قانون الانتخابات الذي نص عليه اتفاق الطائف، ولم يوضع هذا القانون حتى اليوم! لذا فإن المجالس النيابية المنتخبة ما بعد الطائف هي مجالس قانونية، لكنها غير شرعية، لأن قانون الانتخاب الذي انبثقت عنه، متعارض مع مقدمة الدستور وبنوده. السلطة الإجرائية ايضاً لم يوضع قانون ينظم عملها، بما في ذلك قانون تنظيم مؤسسة رئاسة مجلس الوزراء. أما القانون الذي ينظم عمل السلطة القضائية المستقلة، فما يزال اقتراحاً نائماً في ملفات لجنة الإدارة والعدل النيابية منذ العام 1997. وهذا ما ينطبق ايضاً على مسألة اللامركزية الادارية التي نص عليها دستور الطائف.

* ما الذي حال دون وضع هذه القوانين الإجرائية أو التنفيذية؟

- عوامل كثيرة حالت دون ذلك، في مقدمها سلطة الميليشيات والمال التي تتحكم بالبلاد، واستولت على السلطة بصورة غير شرعية، واحتكرت السلطة عبر احتكارها تمثيل الطوائف. وهذا حال دون بناء مؤسسات الدولة بناءً صحيحاً ومستقيماً أساسه وركنه قانون انتخابات نيابية مستمد من الدستور، ويكفل التمثيل الصحيح للشعب، مصدر السلطات كلها. لكن التحالفات المستولية على السلطة والحكم في البلاد لا تريد وضع مثل هذا القانون للانتخابات، لأنه يلغي الوكالات الحصرية للتمثيل الشعبي الذي يحتكره زعماء الطوائف.

■ هنالك من يقول إن الخلل في نصوص الطائف هو ما يؤدي الى الخلل في تركيب السلطة وعملها.

- لست من عبدة الأوثان. ومنذ العام 1989 أقول إن أي جهة أو فئة أو مؤسسة أو شخص، يقدم بديلاً عن اتفاق الطائف يفضي الى بناء الدولة ويخلص اللبنانيين مما هم فيه، نحن معه. لكن كيف يمكن الشروع في الكلام على تعديل اتفاق أو تغييره، قبل تطبيقه؟! وحده تطبيق الطائف يظهر ثغراته بالاختبار والتجربة. وهذا ما درج البطريرك مار نصرالله بطرس صفير على قوله دائماً في مناسبات كثيرة.

■ هنالك كلام كثير يركز على أن الخلل مصدره تقليص صلاحيات رئاسة الجمهورية.

- مثل هذا الكلام مرده الى حالة نفسية لا صلة فعلية لها بالواقع. كيف يمكن الحديث عن ماهية صلاحيات رئيس الجمهورية في اتفاق الطائف، قبل تطبيق الاتفاق تطبيقاً صحيحاً؟ فليطبق الاتفاق أولاً لنرى ما هي الصلاحيات التي على الرئيس أن يمارسها. فحين ينص الاتفاق على أن رئيس الجمهورية هو رئيس كل السلطات في الدولة، فإن ما نحتاج اليه هو قوانين تنظم عمل هذه السلطات ليقوم الرئيس بممارسة سلطاته. الرئيس في الطائف أعطي صلاحيات أوسع بكثير من تلك التي كانت له قبل الطائف الذي منحه صلاحيات يقدر على تنفيذها، وحرمه من صلاحيات لم يكن قادراً على تطبيقها. هو كان في دستور ما قبل الطائف يعيّن الوزراء من دون استشارات نيابية ملزمة. لكن هذا لم يكن يطبق قط. أما الطائف فنص على ما كان يقوم به الرئيس (الاستشارات) لضمان ثقة المجلس النيابي، ومنحه صلاحية مطلقة في ألاّ تشكَّل الحكومة من دون توقيعه، لكنه حتى اليوم لم تطبق هذه الصلاحية التي تضمن قيام حكومات متوازنة، تحول دون استيلاء فئة أو طائفة أو حزب على الحكم. ما حصل ويحصل أن نظام الحكم تحول نظاماً لفيديرالية طوائف، بسبب استيلاء أشخاص أو أحزاب على القرار في الطوائف، واحتكارهم قراراتها. لذا نعيش اليوم في اللانظام الذي يقوم على التبعية الخارجية والسوقية المالية والعصبية الطائفية أو المذهبية. والحق أن ما من دستور يمكنه أن ينظم الحكم في هذه الحال.

■ أين نحن دستورياً اليوم، وكيف يمكن الخروج من هذه الحال؟

- نحن في الدرجة الصفر، حيث لا شيء ينتظم، من تعطيل أعمال الوزراء، وتعطيل مجلس النواب، الى تعطيل دور رئاسة الجمهورية. وكل كلام على تعديل نصوص دستور غير مطبق إجرائياً، هو نوع من التمويه وصرف الانظار والمعارك الوهمية. كأن يقال إن الخطأ يكمن في صلاحيات رئيس الجمهورية أو في صلاحيات رئيس الوزارة، في وقت لا أحد في المؤسسات الدستورية يطبق صلاحياته. فرئيس مجلس النواب يتدخل في كل الشؤون، وكذلك رئيس مجلس الوزراء، فيما يعزف رئيس الجمهورية عن التدخل في أي من الشؤون.

■ كيف ولماذا وصلنا الى هذه الحال؟

- لأن غياب قانون صحيح للتمثيل النيابي يؤدي الى مثل هذه الأزمة، حيث الكل يحكم والكل يعارض. وهذا يؤدي الى غياب الحكم وغياب المعارضة والاستغراق في الفوضى والعشوائية على كل المستويات. نحتاج اليوم الى قانون انتخابات يؤمن صحة تمثيل كل فئات الشعب، ويؤدي الى أكثرية تحكم وأقلية تعارض وتحاسب وتراقب. عندئذ ينتظم عمل المؤسسات، ويلعب رئيس الجمهورية دوره الفعلي كرئيس للدولة وسلطاتها، لا أن يكون جزءاً من تحالفات الحكومة. فالرئيس لا يحق له التحالف مع أحد، لأنه فوق الجميع وعليه أن يسعى الى التوازن ما بين الأفرقاء. عندما نقول إن الرئيس هو رئيس الدولة، لا يعقل أن نقول إنه يمثل المسيحيين، كما لا يعقل أن نقول إن رئيس الوزراء يمثل السنة، ورئيس مجلس النواب يمثل الشيعة. فالمؤسسات هذه تمثل اللبنانيين جميعاً وليس طوائفهم.

لدينا اليوم سلطة قانونية، لكنها غير شرعية، لأن مجلس النواب الذي يستمد الشرعية من الشعب، منتخب بموجب قانون غير مطابق للدستور، لذا هو غير شرعي وغير دستوري. أما الطريق الوحيد لتعديل الطائف فهو تطبيقه، وإلا نصير في حاجة الى تشكيل هيئة تأسيسية منتخبة من الشعب، لوضع دستور جديد. لبنان اليوم مهدد في مصيره، لأنه يعيش أزمة حكم وأزمة نظام، ومشرف على أزمة كيانية، لأن الطبقة أو السلطة الحاكمة تريد دولة بلا مؤسسات ووطناً بلا مواطنين.

الكاتب: 
محمد أبي سمرا
التاريخ: 
الاثنين, يونيو 4, 2012
ملخص: 
كيف يمكن الشروع في الكلام على تعديل اتفاق أو تغييره، قبل تطبيقه؟! وحده تطبيق الطائف يظهر ثغراته بالاختبار والتجربة. وهذا ما درج البطريرك مار نصرالله بطرس صفير على قوله دائماً في مناسبات كثيرة.