البطريرك صفير يروي أسرار الطائف – 3

النوع: 

 

اللجنة الثلاثية العربية

كانت قمة الدار البيضاء قد إنعقدت في 23 أيار وحضرت مصر بعد إستعادة عضويتها في جامعة الدول العربية، وغاب لبنان بسبب الإنقسام بين الحكومتين، وقد بحثت القمة الأزمة اللبنانية وطلبت الإلتزام بوقف إطلاق النار، وقررت إستكمال العمل من خلال اللجنة العربية السداسية لاستكمال الوساطة في لبنان، بالإضافة الى تشكيل لجنة ثلاثية من الملك السعودي فهد بن عبد العزيز، والملك المغربي الحسن الثاني، والرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد، لمتابعة الإتصالات من أجل وضع وثيقة الإصلاحات السياسية وتأمين إنتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة وفاق وطني خلال ستة أشهر.

في أول حزيران إستقبل البطريرك صفير الوزير السابق ميشال إده الذي نقل إليه نص مشروع للإصلاح قال له إنه يتم بحثه بسرية في الولايات المتحدة الأميركية، ومما يتضمنه أن رئيس الجمهورية يرأس مجلس الوزراء وهو يجري إستشارات ملزمة لتعيين رئيس الحكومة ويكون الوزراء مناصفة بين المسيحيين والمسلمين. وقد رفض إده تسليم نسخة الى البطريرك الذي وضع بعض الملاحظات على النسخة التي كان يحملها إده.

لم تكن واشنطن وحدها مهتمة ببحث الإصلاحات. في 11 حزيران إستقبل صفير السفير الفرنسي الجديد في لبنان رينيه ألا الذي بدا إليه أنه مطلع على القضية اللبنانية، وقد تسنى له لقاء رئيس بلاده فرنسوا ميتران قبل مجيئه. وقد أبلغه صفير أنه يعلّق آمالاً كبيرة على نجاح مساعي اللجنة العربية الثلاثية، وأنه مع الإصلاحات ولكن بشرط أن تأتي متوازنة.

الأخضر الإبراهيمي ولبنان الأخضر

خلاصة الإتصالات كان يختصرها الموفد الأخضر الإبراهيمي. كان في دمشق في 12 حزيران حيث قابل الرئيس السوري حافظ الأسد وعاد الى بيروت مساء والتقى الرئيس سليم الحص، واتصل بالبطريرك صفير واتفقا على أن يزور بكركي في صباح اليوم التالي الساعة التاسعة والنصف. لاحظ صفير أن «الرجل فهيم، واسع الإطلاع، رحب الصدر»، وقال له: نحن معشر المسيحيين لدينا ثقافة غربية الى العربية لا يمكن أن نتخلى عنها. فرد الإبراهيمي: نحن في الجزائر مثلكم. ونحن نريد أن نثبت للمسيحيين خصائصهم، وإذا كان هناك من يقول بدولة إسلامية وسواه يقول بدولة مسيحية، فهؤلاء قلة لا يُعتدّ بها. فقال له صفير: خيارنا معروف وهو لبنان الموحّد.

الحديث الودي بين الرجلين كشف إرتياحهما لبعضهما ووعيهما لعمق المشكلة اللبنانية ونيتهما الصادقة بالوصول الى حلول. هذا الجو جعل الإبراهيمي يعبِّر للبطريرك عن إعجابه بالطبيعة اللبنانية، مؤكدًا أنه قابل الأسد وقد صارحه بقوله: يكفي. يكفي. وأنه قد يستقيل إذا لم يتم وضع حد للقتال، وأن الأسد طلب منه ألا يفعل. تطرق الحديث الى الوضع الأمني وإرسال السلاح الى لبنان. وعندما سأله صفير عن إمكانية إرسال قوات عربية الى جانب القوات السورية، قال له الإبراهيمي إن هذا الأمر غير وارد على الإطلاق. طلب الإبراهيمي معاونة البطريرك، فقال له: «نحن مستعدون للمعاونة بما لدينا من وسائل».

الى اللقاء في روما

في 14 حزيران إستقبل البطريرك النائب بطرس حرب الذي نقل إليه رغبة الرئيس حسين الحسيني مقابلته في روما مع السفير البابوي في لبنان وتحديد موعد له للقاء البابا. الساعة التاسعة مساء إستقبل صفير السفير البابوي وحدثه عن هذا الأمر. سأله السفير رأيه، واتفقا على بقاء مسألة اللقاء وما يتم البحث فيه سريًا، وإذا نتج عنه ما يُسهم في حل القضية اللبنانية، إذ ذاك يمكن أن يباركها قداسة البابا بصورة علنية. وعلى هذا الأساس قرر البطريرك الذهاب الى روما.

في 16 حزيران إستقبل البطريرك مدير المخابرات السابق في الجيش اللبناني العقيد جول بستاني ومحافظ البقاع السابق ميلاد القارح الذي كان يعمل مع مديرية المخابرات. وقد سمع من القارح أن عون كان أوفد فايز القزي لإقامة علاقات مع سوريا على أساس أن يصبح رئيسًا للجمهورية، ولما رفض السوريون وأفهموه بأن يكون وزيرًا للدفاع، إنتفض على السوريين وراح ينادي بالتحرير. وفي اليوم نفسه إلتقى العقيدين غابي أرصوني ومنير رحيّم وأعلماه أنه إذا لم تتحسن الأحوال وتنجح اللجنة العربية الثلاثية، فقد يعود المدفع الى الدوي لكي لا ينسى العالم القضية اللبنانية. وفي المساء، كان العماد عون يشن هجومًا كلاميًا على سوريا بينما كان غبطته يشاهد من مقره باخرة نفط تحترق مقابل كازينو لبنان بعدما قصفها السوريون.

في ظل هذا المشهد الموجع، إستقل البطريرك طوافة عسكرية نقلته صباح اليوم التالي الى قبرص حيث أمضى ليلته، لينتقل في اليوم التالي الى روما على متن طائرة إيطالية حجز فيها مقاعد تجارية، ولكن مدير شركة «أليطاليا» أراد إعطاءه مقاعد في الدرجة الأولى. في كنيسة دير الآباء المريمين في ساحة مار بطرس حيث أعلن أن هدف زيارته روما لقاء قداسة البابا، تلقى إتصالاً من رفيق الحريري الموجود في باريس يطلب منه مقابلته «اليوم»، بينما كان يتبلّغ من المطران أبي نادر أن الرئيس حسين الحسيني سيأتي لمقابلته في روما أيضًا يوم الأربعاء 21 حزيران، وكان قد تحدد موعد اللقاء مع البابا في 22 حزيران.

الحريري والأسماء والتعديلات

الساعة الرابعة والنصف من بعد ظهر يوم الإثنين 19 حزيران، إستقبل صفير الحريري الذي أتى من باريس وكان برفقته نسيب لحود. خلال ربع ساعة كان الحديث يدور حول اللجنة العربية الثلاثية وضرورة نجاحها في مهمتها. طلب الحريري الإختلاء مع البطريرك، فدخلا الى المكتب. أخذ الحريري ورقة وأخذ يكتب عليها أسماء المرشحين لرئاسة الجمهورية واستبعد إسمي الرئيس سليمان فرنجية والنائب مخايل الضاهر لأن السوريين إقترحوهما، واستبعد أيضًا الأسماء الخمسة التي كان اقترحها صفير وهي ريمون إده وميشال عون وبطرس حرب وبيار حلو وفؤاد نفاع، وأورد أسماء رينيه معوض والياس الهراوي ومانويل يونس وميشال إده وميشال الخوري، وعدد لكل منهم ما له من مواصفات وما يشكو من نواقص، عدا عن جان عبيد، كما لاحظ البطريرك صفير في ما دوَّنه عن هذا اللقاء. صفير ذكر أيضًا أن «الحديث تطرق الى الإصلاحات فتنتقل صلاحيات رئيس الجمهورية الى مجلس الوزراء واختيار الوزراء يتم بالمشاركة بين رئيسي الجمهورية والحكومة، وتلغى الطائفية في الوظائف ما دون المديرين الذين يكونون مناصفة من دون ربط أي وظيفة بطائفة، والقرارات الكبرى لا تؤخذ إلا بموافقة الثلثين، وستكون القسمة مناصفة بحيث يختار كل فريق ما يظن أنه يرضيه. وشدد الحريري على دورنا في إختيار الرئيس، وأكد لنا أن النواب سينتقلون الى جدّة للتباحث في أمور الإصلاح في ثلاث طائرات: من الشام ولارنكا وباريس. وقال إن الوزراء الثلاثة المنتمين الى دول اللجنة العربية الثلاثية سيذهبون الى دمشق لمناقشة الوضع اللبناني مع المسؤولين السوريين».

كانت هذه باختصار خارطة الطريق التي رسمها الحريري الى الطائف. خلال اللقاء وعد صفير بالإتصال به يوم الجمعة في روما بعد أن يكون ذهب الى الرباط ليتصل بالأمير سعود الفيصل وأبلغه أن الملك فهد لا يزال في الرباط منذ مؤتمر القمة العربية، وأبلغه أيضًا معرفته بأن الرئيس حسين الحسيني سيقابله في روما.

لم تعد المسألة سرية، كأن هناك عملية رصد لما يقوم به البطريرك صفير. من باريس إتصل به صحافيون لمعرفة ما يفعله في روما وماذا سيقول للبابا يوحنا بولس الثاني. كما اتصل به من هناك النائب بطرس حرب والصحافي بشارة البون الذي أراد أن يعرف منه ما دار من أحاديث بينه وبين الحريري.

عون يراقب الحسيني

في الموعد المحدد، وصل الرئيس حسين الحسيني الى روما آتيا من بيروت عبر دمشق. الساعة الخامسة والنصف يوم الأربعاء 21 حزيران قابل البطريرك يرافقه شقيقه طلال وابنه. لاحظ صفير في تدوينه محضر اللقاء أن «زيارة الحسيني أثارت بعض القلق لدى أنصار العماد عون في الجيش. وقد علمنا أن الضابط سماحة أتى الى روما ليراقب المحادثات. في هذا اللقاء بقي الحديث في العموميات. يقول صفير: «روى لنا ما دار بينه وبين غسان تويني في الأيام الأخيرة من عهد الرئيس الجميل، وكان قد تمّ الإتفاق على بعض إصلاحات ستُقر في دمشق بحضور الحسيني والحص والرئيس الجميل وحضور من تنتدبه بكركي والرئيس الأسد ومعاونيه. لكن الجميل صرح أنه لا يقبل بالإصلاحات إلا مقابل التمديد لولايته. وفيما كان في دمشق مع الرئيس الأسد، ورد خبر إلتقاء القائد ميشال عون وسمير جعجع في بعبدا، فانقلب الوضع رأسًا على عقب وسقط كل المشروع». في هذا اللقاء التمهيدي، إتفق البطريرك والحسيني على لقاء ثانٍ يوم الغد عند السادسة والنصف مساء بعدما يكون البطريرك قد إلتقى البابا.

أبلغ البابا صفير أنه وجه رسائل الى 16 رئيس دولة بمن فيهم سوريا وإسرائيل من أجل إنقاذ لبنان، وأن الرئيس جورج بوش يبدو أكثر تفهمًا للقضية اللبنانية من سلفه رونالد ريغان، وأن سوريا وإسرائيل عدوتان ولكنهما متفقتين على لبنان لتقاسمه. رد صفير أن الحرب في لبنان ليست بين مسيحيين ومسلمين، بل حرب الآخرين على أرضه «وإثباتاً لذلك إن دولة رئيس مجلس النواب جاء من لبنان الى روما لمقابلتنا، لأنه يستحيل علينا أن نتقابل في لبنان ».

بعد إنتهاء هذه المقابلة، وقبل الموعد الثاني مع الحسيني، إتصل سفير لبنان في الفاتيكان غازي الشدياق بالبطريرك صفير ونقل إليه «أن وكالات الأنباء ذكرت أن الرئيس الحسيني سيزورنا، وأن الحسيني تناول بالسباب العماد ميشال عون على مائدة السفير خليل مكاوي، وأن التعليقات بدأت تظهر على زيارته إيانا». كانت تلك من المحاولات للتأثير على ما يقوم به صفير.

 السادسة والنصف مساء 22 حزيران، كان اللقاء المطوّل بين صفير والحسيني يرافقه شقيقه طلال، وقد دام حتى الحادية عشرة ليلاً. أهم ما ورد في إقتراحات الحسيني: مركز السلطة مجلس الوزراء. تؤخذ القرارات بالإتفاق، وإذا حصل خلاف يُطرح على التصويت. مجلس الوزراء مناصفة. لبنان دائرة انتخابية واحدة، لا يُنتخب النائب إلا بأصوات مسيحيين ومسلمين معًا. الإستشارات لتعيين رئيس الحكومة ملزمة. مدة رئيس مجلس النواب 4 سنوات. يُعطى رئيس الحكومة مهلة 15 يومًا لتأليف الحكومة، وإذا لم يستطع يعتذر. إقامة مجلس تنسيق بين لبنان وسوريا. خلال 3 أسابيع يمكن الخروج بنتيجة، والمشروع وضع لمساعدة اللجنة العربية الثلاثية. بعد ذلك يمكن التفكير بأن يذهب البطريرك الى دمشق. عن هذه النقطة الأخيرة كان رد صفير: علينا أن نستشير أبناء طائفتنا، وما حاجة سوريا إلينا؟

الحسيني قال إنه سيعرض هذه المبادئ على رؤساء الطوائف، وبعد ذلك يناقشها مع النواب حيث سيجتمعون في لبنان، وهو يفضل ذلك شخصيًا، أو خارج لبنان، ثم يجتمعون في قصر منصور لانتخاب رئيس مجلس النواب ومكتب المجلس وتُقر المبادئ الإصلاحية، ثم يُنتخب رئيس للجمهورية ويكون مرشح وفاق ويتعهد في خطاب القسم بالعمل على إجراء الإصلاحات التي سيناقشها مجلس النواب ويُقرها وتُقرها الحكومة. كان موقف الحسيني معاديًا للعماد عون وقد اتهمه بقصف منزله وقال للبطريرك: «الجنرال أساء إلينا». رد صفير بأن العماد عون يمثل وجهة نظر فريق من المسيحيين ولا يمكن تجاهله.

عن إختيار شخص الرئيس قال الحسيني: يجب أن نأخذ موافقتك عليه. ولبكركي دور وطني وسيبقى الأمر سرًا بيننا وبينكم بحيث لا تتكرر أخطاء لائحة أسماء توافق عليها سوريا. ولا يمكن تجاهل سوريا في انتخاب رئيس لأن لبنان مريض ولا يمكن أن يتعافى إلا بمساعدة سوريا.

عن ريمون إده قال الحسيني إنه «يتمتع بصفات سياسية لا نجدها في سواه، وهو رجل حزم وبُعد سياسي، لكن تصريحاته بشأن إخراج السوريين وكل المسلحين والإسرائيليين من لبنان تجعل طروحاته غير قابلة للتحقيق، ولذلك يستحيل إنتخابه رئيسًا في الظرف الحاضر. أما العماد عون، فقد كان مقبولا لكنه الآن أصبح مرفوضًا. وعندما قال له صفير إن علينا أن نأخذ رأي جميع الأشخاص والفئات، رد الحسيني أن هناك متطرفون ومنتفعون لا يمكن الأخذ برأيهم، وبالتالي إهمالهم، كـ«حزب الله».

الحريري ينتظر ويبدّل في الأسماء

لم ينتظر رفيق الحريري كثيرًا لمعرفة ما دار بين البطريرك صفير والحسيني. عند الساعة السادسة والنصف صباحًا كان صفير يشارك قداسة البابا في القداس الصباحي في معبده الخاص في جناحه البابوي، وقد قرأ غبطته نص الإنجيل بالفرنسية.

عند الساعة العاشرة زاره رفيق الحريري يرافقه سمير فرنجية. بعد نصف ساعة إعتذر منهما لارتباطه بموعد مع الكاردينال كازرولي. عادا عند الساعة الثالثة واضطرا لانتظاره حتى الرابعة إلا ربعًا. كان محور الحديث حول لقاء صفير مع الحسيني. كان رأي الحريري أن «مقابلة الحسيني ترمي الى شق الصف المسيحي، لأن السوريين يبدو أنهم محشورون، وقد أرسلوا وزير خارجيتهم الى الدول العربية وبعض دول أوروبية طلبًا للدعم». دوَّن صفير أيضًا أن «الحريري كان قد قابل الحسيني هو وفرنجية، ورأى أن طروحاته لدعم اللجنة العربية مقبولة، وكانا يخشيان أن نكون قد زوّدناه كتابة يتسلح بها تأييدًا لموقف السوريين. وتطرقنا الى أسماء المرشحين بعد أن انسحب فرنجية، فوردت أسماء نائبين: فؤاد نفاع وشفيق بدر، وغير نائبين: ميشال خوري ويوسف جبران. والمطلوب رئيس مثالي من الجميع».

لم يكن الحريري وحده مهتمًا بما دار في اللقاء بين صفير والحسيني. مرة ثانية تلقى إتصالاً من الصحافي بشارة البون من باريس الذي أبلغه أن «صحفاً لبنانية تقول إن الحسيني جاء يزورنا بناء على طلب دمشق لتفشيل المبادرة العربية الثلاثية، وأن العماد عون لم يرَ بعين الرضى هذه الزيارة»، واستوضح عن مهمة الحسيني، فقال له صفير إنها لتسهيل مهمة جامعة الدول العربية. سأله البون إذا قدم ورقة خطية، قال له صفير إنه سرد الموضوع كأنه مكتوب، وهو يدور على المبادئ العامة الكبرى للإصلاحات المطلوب إجراؤها.

في 26 حزيران إتصل به السفير اللبناني في الفاتيكان غازي الشدياق ونقل إليه أن «فاروق أبي اللمع مدير الخارجية اللبنانية إتصل به وقد أبدى إستياءه من مقابلتنا الحسيني من دون معرفة العماد عون بها مسبقاً». ثم أجرى الشدياق إتصالاً ثانيًا، وقال إن فاروق أبي اللمع إتصل به واستطلعه ما دار في اللقاء مع الحسيني، وإنه قال له لم يتسرّب شيء. وقال أيضًا إن سفير فرنسا لدى الفاتيكان جان برنار ريمون إتصل به بناء على طلب وزارة الخارجية الفرنسية ليستطلعه مضمون الحديث مع الحسيني، فأوجز له صفير المضمون ودوّنه كما أملاه عليه بالفرنسية. الشدياق أبلغ صفير أيضًا أن وليد جنبلاط سيكون على الطائرة نفسها التي سيعود على متنها الى لبنان.

يوم الثلاثاء 27 حزيران 1989، إستقل البطريرك طائرة «أليطاليا» من مطار روما الى لارنكا وكانت في طريقها الى دمشق. كان يفصل بينه وبين وليد جنبلاط مقعد واحد، وقد تبادلا السلام والتحية. عندما همّ البطريرك بالنزول في لارنكا، مد جنبلاط يده لمصافحته، فصافحه صفير داعيًا له بسلامة الوصول الى دمشق. كانت قرينته الى جانبه فابتسمت. لم تفت هذه الملاحظة البطريرك. على مطار لارنكا كانت طوافة تنتظره، فاستقلها عائدًا الى لبنان. كان تضاءل ضوء النهار وتعذر هبوطها في بكركي، لذلك  نزلت في مطار أدما العسكري، ومن هناك إنتقل غبطته بالسيارة البطريركية الى الصرح لتتوالى بعد ذلك المواقف من موضوع الآليات المقترحة للخروج من الأزمة.

النواب الى خارج لبنان؟

في اليوم التالي لوصوله إستقبل صفير الرئيس شارل حلو وعددًا من النواب، ودار الحديث عن دعوة النواب للإجتماع خارج لبنان، وقد رفض العماد عون هذا الأمر واعتبره إنتقاصًا من السيادة الوطنية. وعندما اتصل به رفيق الحريري طالبًا منه التدخل لحمل مجلس النواب على القبول بالإجتماع خارج لبنان لأن وزراء اللجنة الثلاثية العربية لن يأتوا الى لبنان، قال له صفير «إن هناك بعض التحفظ حول الموضوع لدى بعض الأوساط الشرقية المسيحية». وكان يشير الى موقف عون من دون أن يُسمّيه. كان عون قد اتصل ببكركي ليهنئ البطريرك بسلامة العودة، ولكن البطريرك لم يكن قد وصل بعد. عندما أبلغوه بذلك بعد وصوله إتصل بعون وطلب من الأمير فاروق أبي اللمع أن ينقل إليه ما جرى من أحاديث مع الحسيني بعدما اعتبر الأخير أن هذه الأحاديث أثارت تساؤلات. لم يقتصر الأمر على أبي اللمع، ولكن لم يكن صفير ليتهاون في مثل هذه الأمور. عندما قال له المحامي راغب حداد الذي زاره على رأس وفد من المحامين المؤيدين لعون بأنه ما كان عليه أن يستقبل الحسيني بعدما قال أن عون ضابط متمرد، ردّ عليه صفير: «هذا شأن يعود تقريره إلينا لا لسوانا. وأفهمناه أنه عندما يصرِّح بأمر فليقل ما يريده هو وليس له أن يصرِّح باسم سواه».

حسن شاش، سفير مصر في لبنان أراد أن يعرف أيضًا ماذا حصل مع الحسيني. كذلك السفير الفرنسي رينيه ألا الذي زاره وبدا له «أنه يريد أن يطلع على ما دار بيننا وبين الرئيس الحسيني في روما، فأخبرناه عن طروحاته. وسأل عما إذا كان جاء موفدًا من سوريا. فأجبناه: لم نشعر بذلك».

الإبراهيمي وإنذار الى الأسد

هل يلتقي النواب في بكركي لاتخاذ قرار بالإجتماع خارج لبنان لإقرار الإصلاحات الدستورية؟ منذ عودته من روما بدأ البطريرك صفير يتلقف كرة النار وانقسمت الآراء بين مؤيد ومعارض. في 4 تموز إستقبل نقيب المحامين ريمون عيد مع أعضاء من النقابة. يقول صفير إنهم أشعروه أنه من الأفضل ألاّ يجتمع النواب في بكركي لتبقى فوق الجميع. ولاحظ أن هذا الأمر ربما موصى به من عون الذي أرسل إليه في اليوم نفسه السفير أنطوان جمعه ليبلغه بموقفه هذا. كان عون قد طلب من الأمير فاروق أبي اللمع أن ينقل هذا الموقف لصفير، ولكن بسبب عارض صحي كلّف أبي اللمع جمعه بهذه المهمة. وقد جاء المخرج عن طريق النواب. إتصل النائب ألبير مخيبر بالبطريرك صفير وأعلمه بما اتفقوا عليه، وبأن الإجتماع قد أُلغي. رحّب صفير بالقرار حرصًا على وحدة الصف المسيحي.

يوم الخميس 6 تموز 1989، الساعة الرابعة والنصف بعد الظهر، زاره الأخضر الإبراهيمي بعد أن قابل عون. ألمح الإبراهيمي أن مقابلته مع عون لم تساعد على تليين المواقف، وأن عون لم يبدِّل موقفه من النواب وتناولهم بالنقد. ونقل الإبراهيمي الى البطريرك أن اللجنة العربية الثلاثية وجهت كتابًا قاسي اللهجة الى الرئيس الأسد الذي أوعز بإبقاء الحصار على المناطق الشرقية. من جهته، قال له صفير إنه «كلما تباطأ الحل تعقّد ولبنان لا يمكنه أن ينتظر أكثر مما انتظر، والناس يهاجرون ولن يبقى إلا الحجر بعد أن يكون قد هاجر البشر»، وأن الآمال الكبيرة معلّقة على اللجنة العربية. وبناء على طلب الإبراهيمي أوجز له صفير الآلية التي اقترحها الحسيني لإجراء الإنتخابات والإصلاحات والإنسحابات.

هذه الآلية أوجزها صفير أيضًا للسفير الأميركي جون مكارثي بناء على طلبه عندما التقاه في 10 تموز. السفير أبلغ صفير في المقابل أنه فهم من العماد عون أنه يسلم ببرمجة الإنسحابات ويسمح بإجراء إنتخابات، وإن صرّح أن لا إنتخابات قبل الإنسحابات. ونقل عن السفير الأميركي في دمشق إدوارد جيردجيان الذي كان التقى الأسد أن الأخير يريد أن يُنحّي عون عن السلطة، وأنه كان معه لكنه الآن أصبح ضده. إشتكى صفير أمامه: الحالة لا تُطاق. اللبنانيون يهاجرون. لا عمل. لا محروقات. لا أمن. الحصار قائم والمعابر مقفلة. المدفع يدوّي. القذائف تتساقط. الحصار بحري وبري. وعندما سأله عما إذا كان بإمكان بلاده أن تضغط على سوريا لتفك الحصار، كان جواب السفير سلبيًا.

الكاتب: 
نجم الهاشم
التاريخ: 
الجمعة, يونيو 5, 2020
ملخص: 
في الموعد المحدد، وصل الرئيس حسين الحسيني الى روما آتيا من بيروت عبر دمشق. الساعة الخامسة والنصف يوم الأربعاء 21 حزيران قابل البطريرك يرافقه شقيقه طلال وابنه. لاحظ صفير في تدوينه محضر اللقاء أن «زيارة الحسيني أثارت بعض القلق لدى أنصار العماد عون في الجيش.