هل تُعبَّد الطريق أمام "ثُلث حكومي للتيار"؟
تنتقل أحجية التمثيل الحكومي الدرزي من المربّع المذهبي الضيّق إلى خانة كباش سياسي عام. وتطرح المرونة التي أبداها رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ازاء حلّ أزمة التمثيل الدرزي، علامات استفهام عمّا إذا كانت تفتح الطريق أمام فوز رئيس “التيار الوطني الحرّ” جبران باسيل بمعركة الثلث المعطّل. يبدو جلياً أن الفسيفساء الحكومية التي تحدّد هوية الوزير الدرزي الثالث، غير مرتبطة بجنبلاط وحسب، بل حريٌّ تسميتها بعقدة شاملة تتخطى عتبة البيت الدرزي لتشمل حلبة الكباش الحكومي العام. ولا تتردّد أوساط سياسية في التأكيد أنها بمثابة عقدة وطنية تحت المظلّة الدرزية. ولا يغيب عن المشهد أن أزمة التمثيل المسيحي إلى تفاقم في ظلّ تحدٍّ متبادل بين “القوات” والتيار الحرّ”. ولم يقل جنبلاط عملياً إنه سيوزّر أرسلان، ولا يعني إلباس شعار “الدروز الثلاثة” وشاح المرونة أن التنازل سيتم من فريق واحد. وبمعنى آخر، ليس شرطاً أن تؤدي أي تسوية إلى إهداء باسيل ثلثاً حكومياً.
يرفض رئيس الحكومة المكلّف سعد الحريري منح بطاقة التعطيل الحكومية لأي من الأفرقاء السياسيين، وهو واقعياً لن يشكّل حكومة يستطيع “التيار البرتقالي” التحكّم بمفاصلها كالدمى. وتقول مصادر “تيار المستقبل” لـ”النهار” إن “لعبة الثلث المعطّل تنعكس سلباً على الحريري سياسياً وإدارياً، في ظلّ مواقف غير مطمئنة يتبناها التيار العوني. وتشير ممارسات العونيين إلى نية واضحة في الالتفاف على اتفاق الطائف، بعد تصريحات علنية تناولت ما سمّي بصلاحيات الرئيس القوي والزعم بأنه قادر أن يكون أقوى من الطائف. ولا يغيب عن المشهد المواقف الحازمة التي يتبناها الشارع السني في ضرورة الحفاظ على موقع رئاسة الوزراء. وتؤدي معطيات مماثلة إلى استنتاج واضح مفاده أن الحريري لن يقبل منح الثلث المعطّل لباسيل، وكذلك الرئيس نبيه بري”.
وتشير المصادر إلى أن “خطوة جنبلاط ليست بعيدة من التفاهم مع الحريري ولكنه لم يقل أنه يقبل بتوزير أرسلان، ما يشير إلى أن تخفيض السقف لا يشرّع الطريق أمام حلّ حاسم، ولا ضرورة أن يلتزم جنبلاط بصيغة الحلّ العوني”. واذ تعوّل على مساعي جديدة يقودها الحريري من المرتقب تبلورها بعد عودة الرئيس عون من نيويورك، الا أن المراوحة لا تزال قائمة راهناً ولم يتم الانتقال إلى أي خطوة إلى الأمام.
لا يعترف “التيار الوطني الحرّ” بعبارة “الثلث المعطّل”، بل ينطلق من مسعى يعتبره محقّاً يتمثل في توزير النائب طلال أرسلان. وتتساءل أوساط مقربة من العهد عبر “النهار” عن أهمية الثلث المعطل في الحكومة إذا لم يبلغ النصف أو الثلثين. وتعتبر أن “الثلث لا يقدّم ولا يؤخّر، ولا شك في أن استمرار حكومة الرئيس فؤاد السنيورة وعدم تأثّرها بخروج الوزراء الشيعة منها، بمثابة دليلٍ واضح على أن التهويل بسيطرة العونيين على الحكومة مقاربة غير دقيقة”. وتستبعد تصوير الموضوع في إطار غلبة أي فريق سياسي على آخر، ذلك أن الجميع يخرج رابحاً من التسوية والجميع ساهم في التنازلات التي من الضروري تفعيلها وصرفها واقعياً. وترمي الأوساط الطابة في ملعب الحريري الذي لا بد تالياً أن يقدّم مسوّدة جديدة إلى رئيس الجمهورية بعد اتفاقه مع جنبلاط حول الوزير الدرزي الثالث، وأن يدفع باتجاه تشكيل الحكومة، وهو اذا لم يتقدّم بصيغة جديدة معنى ذلك أن التعطيل خارج عن إطار عقد التمثيل الطائفي.
وتستقرئ الأوساط المرونة التي أبداها جنبلاط حكومياً على أنها عامل جيد أخرجه من الوضعية الدرزية وشرّع الباب أمام اضطلاعه بدوره الوطني. واذا كان دور جنبلاط الدرزي معترف به، فإن دوره الوطني أكثر أهمية. وتساهم المرونة الجنبلاطية في تقرّبه من رئيس الجمهورية عبر درب يسلكها مع “التيار الحرّ”، ولا يستطيع “التيار” إغفال أن تقرّبه من الحزب التقدمي يريح رئيس الجمهورية ويسهّل الدرب أمامه ويقطع الطريق أمام نشوء أي معارضة في وجهه.
ويعني ذلك أن مرونة جنبلاط مع “التيار البرتقالي” تعني أنه يتقرّب من رئيس الجمهورية، وفق الأوساط، والعكس صحيح بالنسبة لـ”التيار” الذي يمكن أن يشرّع الباب أمام صفحة سياسية جديدة مع جنبلاط انطلاقاً من رئيس الجمهورية. ولا يمنع تفاهم جنبلاط مع القوات من إقامة تفاهم مع رئيس الجمهورية أو “التيار”، مع العلم أن باسيل اختار تحالفه الدرزي إلى جانب ارسلان، ولكن التفاهم مع جنبلاط من مصلحته أيضاً خصوصاً أن الحزب التقدمي يشكّل القوّة الأولى درزياً. ويزيح حلّ أزمة التمثيل الدرزي حملاً ثقيلاً عن كاهل رئيس الجمهورية، ودائماً فق الأوساط المقربة من العهد، ويبقى على جعجع أن يتفاهم معه. ولا شك في أن حلّ العقدة الدرزية يساهم في الدفع نحو حلّ العقدة المسيحية.
في الخلاصة، تتّسع مظلّة أزمة التمثيل الدرزي فتشمل أبعادها إشكالية “الثلث المعطّل”. والحال هذه، لا بد للمرونة الجنبلاطية أن تستتبعها مرونة عونية تساهم في تنازلات مشتركة تبعد شبح “الثلث” عن السرايا في ظلّ رفض واسع النطاق السياسي في منح باسيل عشرة وزراء يضاف اليهم أرسلان كوزير حادي عشر.
