عندما يكون الخطاب الانتصاري لـ«حزب الله» فوق لبنانيته

النوع: 

ما حصل خلال 33 يوما من 12 يوليو (تموز) الى 14 اغسطس (آب) في لبنان هو صمود كبير حققه حزب الله في ميدان المواجهة مع العدوان الإسرائيلي. وهو صمود، إضافة الى ثقافة المقاومة والجهاد لدى حزب الله، ما كان ليتحقق لو لم تكن خلفيته اللبنانية آمنة، أي لولا صمود سائر اللبنانيين ايضا. غير أن الحديث عن انتصار تاريخي واستراتيجي حققه حزب الله انما ينطوي على قدر من المبالغة التي تتصاعد شيئا فشيئا مع الوقت. وأظن أن الخطاب الانتصاري هذا هو جزء من حملة التعبئة التي يقوم بها الحزب في جمهوره وبيئته الطائفية لاستيعاب النتائج التي كانت كارثية وفقا لكل المعايير. فإذا نظرنا الى الأمر من زاوية التهديد بالأرزاق والممتلكات أو نظرنا إلى الأمر من زاوية التهجير أو من زاوية مصير الناس في أعمالهم، لا يعود مثل هذا الخطاب الانتصاري في موقعه. وإذا جرت مقاربة الموضوع من زاوية ما آل إليه البلد فالنتيجة ايضا واضحة: إن سلاح حزب الله يستطيع أن يصمد، لكنه لا يستطيع أن يردع العدوان.

في أي حال ثمة مفارقة بين الحديث عن انتصار تاريخي استراتيجي على لسان الحزب وبين واقع أن البلد خاضع اليوم للقرار 1701. وهو القرار الذي وافق عليه حزب الله في مجلس الوزراء وكان ثمرة جهود بذلت دبلوماسيا لتحسينه.

إن القرار 1701 يخضع لبنان لطور متقدم من التدويل السياسي والأمني. صحيح أن هذا التدويل في إطار إيجابي بمعنى أنه لا ينتقص من سيادة لبنان ومن استقلاله ويقدم دعما للدولة، بيد أن هذا التدويل هو نتيجة، في واقع الأمر، لحرب لم تربحها إسرائيل. لكن حزب الله لم ينتصر فيها أيضا. وهذا القرار هو تعبير عن توازن سياسي اقليمي دولي، لا استطيع أن أدرجه في خانة الانتصار الذي يقول به حزب الله.

إن سببا رئيسيا في فهم الحملة التي يشنها حزب الله في هذه الأيام يعود في تقديري الى هذا التناقض بين ادعاء الانتصار وبين واقع التدويل القائم على القرار 1701 الموصول هو نفسه بالقرار 1559.

من هذا المدخل أطل على ما يسمى اصطلاحا المسألة الشيعية. في تراث هذه الطائفة اللبنانية الكثير من المواقف والاجتهادات التي تفيد ان للشيعة مساهمة في صنع مفاهيم كيان الوطن النهائي والدولة المدنية. وفي هذا التراث الكبير من «اللبنانية» و«العروبة»، ما يؤهل هذه الطائفة لأن تكون في موقع الشراكة الرئيسية في لبنان الكيان ولبنان الدولة. وإذا كان في منطق حزب الله وأدبياته السياسية كلام كثير عن المقاومة كعامل قوة للبنان، فإن التجربة تدل على ان المقاومة كانت «عامل قوة» عندما كانت في إطارها اللبناني. غير انها عندما أصبحت فوق «اللبنانية» وفي ظروف لبنانية وعربية غير مناسبة، فقد أثبتت بأن لها قابلية بأن تكون عامل ضعف.

وفي اعتقادي أن الشيعة في ضوء تجربتهم مع العدوان الاسرائيلي الاخير سيسعون الى التعبير بحرية أكبر عن مواقفهم المتعددة حيث أن الشيعة عبر التاريخ اللبناني كانوا من بين الطوائف اللبنانية الاغنى في تعدديتهم الفكرية والسياسية والثقافية. وإذا كان ثمة خشية الآن من هذا التعبير الحر إما مراعاة لحزب الله وتضحياته أو رهبة منه، فإن الوضع الشيعي نتيجة هذه الحرب لم يعد مغلقا. أي أن ثمة أصواتا داخل الطائفة، وبغض النظر عن حجمها وموقعها التمثيلي، بدأت تظهر ولا يمكن اسكاتها. ولعل الحملة التي شنها حزب الله في الأيام الماضية، بقدر ما تنطوي على رسائل سياسية في شتى الاتجاهات، تنطوي أيضا على رسالة الى النخب السياسية والى البيئة الشيعية بأن تكف عن التعبير عن نفسها كما برز خلال الحرب وبعدها.

بكلام آخر وبالعودة الى خطاب الانتصار الذي يطلقه الحزب، يكفي أن نلاحظ انه عندما انتقل الى الداخل مجددا بعد عودته من الحدود حصد خسائر سياسية صافية، ليس لأنه أراد الكلام عن انتصار بل لأنه أراد وضع الآخرين في موقع الهزيمة. في البيئة المسيحية هو خاسر الآن. ولم يكن كذلك قبل 12 يوليو (تموز) لأن حليفه المسيحي يُحرق عبر هذا الخطاب الانتصاري على الداخل. وهو الخطاب الذي لا تستطيع البيئة المسيحية ان تتقبله. وهو خاسر في المدارات الطائفية ايضا. إذ أن أي انتصار على العدو، لو كان انتصارا مثلا، عندما تجري محاولة ترجمته في الداخل يتحول الى فشل. وفي تاريخ المقاومات، إن مقاومات انتهت مهمتها وشارك قسم منها في السلطة او مقاومات انتهت معزولة في بلادها لأنها حاولت أن تستأثر بالانتصار. وتحضرني هنا تجربة الحزب الشيوعي الاسباني على سبيل المثال، الذي كان المقاومة الوحيدة طوال 40 عاما لدكتاتورية فرانكو، لكنه عندما حاول أن يلغي الآخرين ويهمشهم حوصر ديمقراطيا. لم ينفعه أنه الحزب المقاوم الوحيد. هذا لا يعني ان اللبنانيين لا يعترفون هنا للمقاومة بدورها في تحرير لبنان عام 2000، بل هم سعوا الى رفع انجاز التحرير الى مرتبة الميثاق. لكن حزب الله فوت فرصة تاريخية لتلاقي اللبنانيين على ضم هذا الانجاز الى الانجازات الاخرى.

اختصر بالقول ان الطائفة الشيعية ليست فريدة في بابها ضمن الاجتماع اللبناني. هي الآن أكثر من أي وقت مضى في مخاض قد يكون بطيئا، لكنه ابتدأ لأن لدى الشيعة رغبة عارمة في تأكيد شراكتهم في الوطن واستقلاله، كما أكدوا دائما انهم في مقدم الصفوف للصراع مع العدو الاسرائيلي. ولا يمكن لمصادرة أن تستمر الى الابد. لا بل أجزم بأن من مصلحة حزب الله أن يكون التعدد قائما ضمن الشيعة، إذ يكتسب بذلك مزيدا من المشروعية الديمقراطية.

قضايا أخرى يمكن أن تثار في هذا المجال، تتعلق بالبنية الايديولوجية والثقافية والامنية للحزب، ربما تتعلق بالاستعصاء على اللبننة بالمعنى الذي اشرت اليه.

فقط أقول من خلال تجربة اليسار اللبناني مثالا، ان هذا اليسار كان مناضلا بقوة من أجل القضية الفلسطينية ومن أجل كل القضايا المحقة في العالم. لكنه وقع في فخ لم يكن يحتسبه: جهله النسيج اللبناني وعدم اعترافه بخصائص هذا النسيج، فسقط صريعا في خضم المسألة الطائفية فضلا عن العوامل الخارجية التي أدت الى إضعافه. كان بمعنى من المعاني جالية غريبة عن النسيج اللبناني. وهذا ليس حكما قيميا، انما هو استنتاج لما يمكن ان تكون عليه حال أحزاب عقائدية اسلامية لا تقيم وزنا للاعتبارات اللبنانية في اصعدتها كافة.

الكاتب: 
نصير الأسعد
التاريخ: 
الاثنين, سبتمبر 25, 2006
ملخص: 
من هذا المدخل أطل على ما يسمى اصطلاحا المسألة الشيعية. في تراث هذه الطائفة اللبنانية الكثير من المواقف والاجتهادات التي تفيد ان للشيعة مساهمة في صنع مفاهيم كيان الوطن النهائي والدولة المدنية. وفي هذا التراث الكبير من «اللبنانية» و«العروبة»، ما يؤهل هذه ال