الميثاق أو الانفكاك: الطائف ذلك المجهول
إنّه عنوانٌ لكتاب المهندس نزار يونس من منشورات دار سائر المشرق، الكتاب يعود بك إلى لبنان بكلّ فصوله منذ تكوينه حتى يومنا هذا مرورًا بكل المراحل، لكنه يحاول أن يكتشف ذلك المجهول الذي سمّاه الطائف، ويحاول أن يبعث الحياة بذلك الميثاق أو الانفكاك أو الاتّفاق الذي سميّ طائف، والذي يحاول نزار يونس تفسيره على نحوٍ يرى فيه خشبة خلاص لمجتمعٍ أو وطن استحال وطنًا.
فالمؤلف يحاول مزج المجتمع اللّبناني في تعظيم النقاط التي يلتفى حولها اللّبنانيون، وتقليل أهمية النقاط التي تفرّقهم.
فعندما يقول في الصفحة 108 "أن المسيحيين ما أرادوا الانعزال عن عالمهم المشرقي، ولا المسلمين أرادوا الانعزال عن حضارة الغرب أو رغبوا في الانفصال عن وطنهم، وضمّ مناطق منه إلى أوطان أخرى". هنا يسأل اللّبناني هل أزمة 1958 كانت بسبب حرب السويس، أم أنّها أتت من جراء أن نصف اللّبنانيين لا يريدون هذا الكيان كوطن مستقل، ويريدون إلحاقه بالناصرية التي تنادي بالوحدة المصرية السورية؟
هنا يأتي الكاتب على وضع سبب عدم إجماع اللّبنانيين على هوية واحدة: "مؤسّسة الاحتراف الطائفية التي وجدت في الصراع على الهوية وسيلة لاستقطاب الولاءات الفئوية في الداخل واستمرار الدعم المذل من الخارج" أيضًا صفحة 108.
كذلك يلقي اللّوم على نظام المحاصصة القائم على الصراعات والتسويات وإذكاء العصبيات الفئوية.
ثم يقول في الصفحة 125 إن "الاجتماع اللّبناني خليط من الشعوب والأعراق والثقافات والمعتقدات التي يميّز كلًّا منها من استقلال وفرادة". لكنها استطاعت تظهير سمات شديدة الخصوصية، وهذا صحيح، لكن هل هذه السمات كافية لتوحيد هذا الشعب أو التخفيف من الاحتكاكات؟ وهل هذا النظام الذي سميّ طائف والذي طبّق انتقائيًا هو السبيل للخروج من هذه الأزمة التي يتخبط بها لبنان اليوم.
من هنا يأتي الكاتب بالحلول، حسب رأيه والتي ترتكز على قانون انتخاب عماده الدائرة الفردية التي حسب رأيه تؤدّي إلى إلغاء الطائفية السياسية، وتجعل لبنان حسب التقسيمات أن يتكوّن مجلس النواب مناصفة بين المسيحيين والمسلمين.
لكن هل الطائفية وإلغاؤها سياسيًا سيؤدّي إلى إلغائها عمليًا من قلب الدولة، من موظّفين ومدراء عامين وإداريين، وهل سيتحوّل المجتمع إلى مجتمع مدني؟ كلها أسألة تطرح نفسها اليوم. أم أن الطائفية المراد إلغاؤها هي الطائفية السياسية فقط، بينما لا نصل كما هو مرتجى إلى الدولة المدنية.
النقطة الأخرى في عدم تطبيق اتّفاق الطائف هي اللامركزية الموسّعة التي يريد قسم من اللبنانيين أن تكون إدارية ومالية، بينما القسم الآخر يريدها إدارية فقط، وهذا أيضًا نقطة خلاف كبيرة بين اللّبنانيين.
من هنا يرى الكاتب في هذا الكتاب إن اتّفاق الطائف هو الحلّ، لكن على أساس ما يفسّره هو من هذا الاتّفاق، بينما يفسّر قسم كبير من اللّبنانيين الطائف بطريقة مغايرة، وحين يرون فيه الحاجة إلى التعديل فهذا التعديل هو بنحو معاكس لما يطلبه الكاتب.
من هنا نرى أن هذا الكتاب هو محاولة جيدة لإيجاد مخرج لما يتخبّط به اللّبنانيون من أزمات، لكن هناك الرأي الآخر، والأهمّ أن يتّفق اللّبنانيون على حلٍّ يحفظ الكيان، حتى ولو على حساب النظام، أملنا أن يكون الطائف إطاره مع بعض التعديلات الطفيفة في الشكل والمهمة في المضمون.
