حوارات ورئاسات وحكومات وسياسيون تحت ظلال الأزمات والحروب اللبنانية (1/2)

النوع: 

 

اللبنانيون كما كانت حواراتهم تنتج أحياناً أزمات أو مدخلاً لأزمات كبرى، وحروب، كانت أيضاً مدخلاً لحلول، وتكاد الكفّتان تتعادلان في عدد مرات الفشل والنجاح، وإذا كان الحوار العميق قد أفضى إلى الوصول للاستقلال وقيام الكيان والدولة، إلّا أن وعود الحكومة الاستقلالية استمرت وعوداً، وظلت كل البنود الإصلاحية التي تضمنها البيان الوزاري الأول لحكومة الاستقلال عام 1943 تصلح لكل الحكومات التي توالت على البلاد، وهكذا كان لبنان يشهد على مرِّ تاريخه الاستقلالي أزمات وطنية كبرى، مع مزيد من الحوارات، كانت تنتج أحياناً سلاماً، وفي أحيان كثيرة تكون مقدمة لأزمات وزيادة شقة الخلاف وتوسيع الانقسامات الداخلية وحروب أهلية.

بعد استقالة الرئيس بشارة الخوري في منتصف ولايته الثانية في شهر أيلول عام 1952 في ظل انتفاضة شعبية واسعة، ووصول الرئيس كميل شمعون، أخذت سياسة لبنان الخارجية في ظل السياسة الشمعونية، منذ العام 1954 تواجه تحديات على الصعيدين الإقليمي والدولي، خصوصاً في ظل سياسة الأحلاف التي أخذت تنهض في تلك الفترة، وأبرزها حلف بغداد في العام 1954، ثم مشروع ايزنهاور في العام 1957، فاختار شمعون الانضمام إلى هذين الحلفين مما شكّل إنقلابا على ميثاق 1943، وكان مقدمة لأزمة كبرى، خصوصاً مع إعلان شمعون رغبته في تجديد رئاسته، وخصوصاً مع ما شهدته انتخابات العام 1957 من تزوير واسع، بحيث يقول الوزير والنائب الراحل يوسف سالم: «أدرك اللبنانيون العقلاء والشخصيات المعتدلة خطورة الحالة وخطرها، وأيقنوا أن كميل شمعون لم يبعد عن المجلس النيابي أقطاب المعارضة والزعماء السياسيين إلا ليعمل على تجديد رئاسته في خريف العام 1958، كما أدركوا أنه إذا استمر اللبنانيون منقسمون هذا الانقسام الذي ينذر بشبه حرب أهلية تعرّض لبنان إلى خطر فادح.

وعلى ذلك، حصل اجتماع في منزل يوسف سالم حضره بالإضافة إليه كل من: بيار الجميل، هنري فرعون، شارل الحلو، غسان التويني، الدكتور يوسف حتي، بهيج تقي الدين، جورج نقاش، محمد شقير، جان سكاف، غبريال المر، ونجيب صالحة، وقرّر المجتمعون قيادة حوار بين جميع الأطراف والاتصال بأطراف السلطة والمعارضة، وأطلقوا على أنفسهم اسم «القوة الثالثة»، غير ان بيار الجميل وشارل حلو، سرعان ما تركا هذه القوة من دون أن يحددا الأسباب».

بدأت هذه القوة اتصالاتها مع الأطراف المختلفة، وكان اللقاء الأول مع الرئيس شمعون حيث طلبت هذه القوى من شمعون إعلان عدم رغبته في التجديد في هذا الجو المشحون بالقلق، لكن شمعون ردَّ بحدّة قائلاً: «لا أستطيع أن أعلن ذلك، لأنني إذا لم أجد في الميدان مرشحاً يستطيع أن يكمل السياسة التي سرت عليها، عند ذلك أرى نفسي مكرهاً على العمل للتجديد».

وهكذا أفضى الحوار الذي أرادت القوة الثالثة أن تقوده إلى الفشل، فاندلعت أزمة العام 1958 التي انتهت بانتخاب قائد الجيش اللواء فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية.

وإذا كان الرئيس فؤاد شهاب حاول أن يطلق أسس الدولة الحديثة التي نجح في وضع لبناتها حتى العام 1964، لكنها لم تتواصل مع عهد الرئيس شارل حلو الذي كان عهده بدأ يشهد تطورات إقليمية حادّة أبرزها حرب 5 حزيران 1967، فبدأ صعود المقاومة الفلسطينية التي تنامى نفوذها ودورها بعد هزيمة حزيران، ثم كان الاعتداء الإسرائيلي الواسع على مطار بيروت الدولي عام 1968 وتدمير الأسطول الجوي لشركة طيران الشرق الأوسط الخطوط الجوية اللبنانية، فكان أن استقالت الحكومة الرباعية برئاسة الحاج حسين العويني لتخلفها حكومة جديدة برئاسة الرئيس الشهيد رشيد كرامي، إلا أنه في ربيع العام 1969 وعلى اثر صدام بين المقاومة الفلسطينية وقوى الأمن الداخلي اللبناني، وانطلاق تظاهرات 23 نيسان تحت شعار حماية المقاومة الفلسطينية، انقسمت البلاد وطنياً وطائفياً، واستقالت الحكومة الكرامية، فلم يشأ الرئيس حلو قبول الاستقالة أو رفضها، لأنه أدرك أن البلاد على حافة الهاوية، وأن كل مناورة سياسية تقليدية من شأنها نقض الميثاق الوطني، مع ما يستتبع ذلك من أخطار.

استمرت الأزمة الوزارية نحو تسعة أشهر، شهدت البلاد خلالها مزيداً من الانقسامات بين اللبنانيين، ولم تفلح كل المحاولات لإيجاد فرص للتلاقي وإيجاد حلقة جديدة لتجديد الميثاق الوطني، وخصوصا أن الانقسام بدأ يشق طريقه بين اللبنانيين، على قاعدة محاولة الاستفادة من الهزيمة التي لحقت بالعرب، وخصوصاً بجمال عبد الناصر في حرب 1967، والتي تجلّت في أبرز صورها في بدء تكوين أحلاف طائفية، كان أبرزها الحلف الثلاثي الذي ضم ثلاثة أقطاب موارنة هم: كميل شمعون وحزب الوطنيين الأحرار، ريمون إده وحزب الكتلة الوطنية، وبيار الجميل وحزب الكتائب، فحقق هذا الحلف نجاحات في الانتخابات النيابية عام 1968.

المهم بعد الأزمة الوزارية المستفحلة منذ ربيع العام 1969، حيث ظل كل طرف متمسّكاً برأيه، جاءت النصيحة الثمينة من الرئيس السابق فؤاد شهاب: «عليكم بجمال عبد الناصر للعثور على حل».

وعلى هذا، أوفدت الحكومة اللبنانية قائد الجيش العماد إميل بستاني إلى القاهرة ليجري حواراً مع رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات بإشراف مصري، وبعد محادثات طويلة، نتج عن هذا الحوار الثنائي اتفاقية القاهرة التي بقيت نصوصها سرية، ووافق عليها مجلس النواب من دون أن يطّلع على بنودها، مسجلاً بذلك سابقة غريبة على مستوى ممثلي الأمة والتشريع في لبنان.

منذ العام 1968 حتى العام 1975، كان واضحاً، ان لبنان يتجه نحو الأزمة الحادّة أو المصير المجهول، فالأزمة تستولد أزمة، وتصير أزمات، وظلّت الأمور على وتيرة مرتفعة من التصعيد بحيث صارت الساحة مهيّأة للانفجار، وكانت بداية فتيلها في شهر كانون الثاني 1975 بالعدوان الإسرائيلي الواسع على الجنوب، ثم اغتيال المناضل الوطني معروف سعد في شهر شباط، وفي 13 نيسان انفتح ميدان الحرب إثر شرارة بوسطة عين الرمانة، التي حاول الرئيس فرنجية معالجتها بتأليف حكومة عسكرية برئاسة العميد المتقاعد نور الدين الرفاعي في 23 نيسان، لكنها انهارت بعد ثلاثة أيام فقط، لتبقى الأزمة الدموية في سباق مع الرعب والموت الذي يحصد الناس.. والوقت أيضاً.

وفي 28 أيار كلّف الرئيس رشيد كرامي بتشكيل الحكومة الجديدة، فأصرّ كمال جنبلاط والقوى الوطنية والتقدمية على إبعاد حزب الكتائب عن الحكومة، فيما أصرّ حزبا الكتائب والوطنيين الأحرار على المشاركة، وفي النهاية شكّلت حكومة جديدة استبعد عنها أي ممثل لجنبلاط أو للكتائب.

لم يحل قيام الحكومة دون تطور الاشتباكات وتعددت الأصوات المطالبة بالحوار الوطني، فكان أن أعلن الرئيس كرامي عن تشكيل هيئة الحوار الوطني في 24 أيلول وتألفت من شخصيات تمثل مختلف القوى والتوجهات السياسية والاجتماعية في البلاد، بغية الوصول الى اتفاق علّه يشكّل مدخلاً صالحاً لحل الأزمة المتفاقمة.

وعقدت هذه الهيئة أول اجتماع لها في 25 أيلول وأجمع الأعضاء على ضرورة إعادة الأمن والحياة الطبيعية الى لبنان والتمسّك بصيغة التعايش ووحدة الشعب والأرض وطناً للجميع، كما شكّلت لجان مختلفة لوضع تصوّر لإصلاح سياسي ودستوري في البلاد، كان أبرزها لجنة الإصلاح السياسي، لكن كل ذلك لم يحل دون مزيد من تدهور الأوضاع حيث مورست أبشع أنواع عمليات الخطف والقتل والدمار. وبعد عدة لقاءات واجتماعات سواء لهيئة الحوار أو للجان المختلفة، عقدت هيئة الحوار الوطني اجتماعاً في 24 تشرين الثاني فتغيّب عنه كميل شمعون وكمال جنبلاط، مما دفع الرئيس صائب سلام والعميد ريمون إده للانسحاب منه، فانفرط عقد الهيئة نهائياً من دون أن تتمكّن من التوصل الى أي نتيجة.

يُذكر أنه في الرابع من تشرين الأول من عام 1975 كانت قد عُقدت قمة إسلامية - مسيحية في بكركي ثم في دار الفتوى، وكان الجو رائعاً، كما خرجت بتوصيات إجماعية تؤكد التمسّك بصيغة العيش المشترك والسيادة الوطنية ورفض التقسيم، كما دعت الدولة الى استعجال الإصلاح واستعمال أقصى ما يخوّلها إياه القانون، لكن كل ذلك لم يؤدِ الى التهدئة، فاستمرت الأوضاع على تدهورها.

خلال ذلك استمرت ولادة الجبهات السياسية المختلفة، ففي 13 كانون الثاني 1976 أُعلنت ولادة جبهة الحرية والإنسان في الكسليك، بعد أن كانت الحركة الوطنية اللبنانية قد أعلنت في السابق قيام صيغة إئتلافية للقوى والأحزاب والحركات الوطنية والتقدمية اللبنانية تحت اسم المجلس السياسي المركزي، وفي ما بعد تحوّلت جبهة الحرية والإنسان الى الجبهة اللبنانية، وفي 11 تموز 1976 أُعلن عن ولادة جبهة الاتحاد الوطني التي ضمّت الرؤساء: رشيد كرامي، صائب سلام، أحمد الداعوق ورشيد الصلح، النائب مخايل الضاهر، النائب ألبير منصور، أمين بيهم، الدكتور نجيب قرانوح وغيرهم من الشخصيات، ولاحقاً ولدت الجبهة القومية في مواجهة المجلس السياسي المركزي للحركة الوطنية برئاسة كمال شاتيلا. وبالرغم من أن سنة 1976 حفلت بعدة تطورات من أبرزها إعلان الرئيس سليمان فرنجية للوثيقة الدستورية في شهر شباط وإنقلاب عزيز الأحدب في آذار، وقبلها كانت حرب الثكنات وإنقسام الجيش اللبناني، إلا أن الأوضاع الدامية استمرت على تدهورها ولم تفلح كل محاولات الحوار التي سعى إليها على المستوى الداخلي أم على المستوى العربي والدولي، فشهدت هذه المرحلة مزيداً من اتساع الحرب ولم تنجح مساعي التسوية، وتمّت حركة تهجير واسعة من كل المناطق . واستمرت الأزمة مفتوحة وتوّجت بالاجتياح الإسرائيلي في حزيران 1982.

الكاتب: 
أحمد زين الدين
التاريخ: 
الأربعاء, أغسطس 31, 2022
ملخص: 
أدرك اللبنانيون العقلاء والشخصيات المعتدلة خطورة الحالة وخطرها، وأيقنوا أن كميل شمعون لم يبعد عن المجلس النيابي أقطاب المعارضة والزعماء السياسيين إلا ليعمل على تجديد رئاسته في خريف العام 1958