الطائف والمحكمة والحُكم
1 – الطائف
في بداية السنة الثانية والعشرين لمصادقة مجلس النواب على اتفاق الطائف، وانتخاب الرئيس الشهيد رينه معوّض، في قاعدة القليعات الجوية (5/11/1989)، يُسَجَّلُ تناقض فاضح ومفضوح، لا يفتأ يتجدّد موسميّاً، لصرف الانظار عن الواقع، ويتجلّى باطلاق الدعوات الزائفة لتطبيق "وثيقة الوفاق"… فثمة مسؤولون كبار ينادون، بالصوت المدوّي، ان لا حلّ (للازمة اللبنانية) إلاّ بالعودة الى اتفاق الطائف… وفي الوقت عينه، يستمرّون في اتخاذ المواقف التي تنقض الاتفاق من اساسه، نصاً وروحاً!
المصالحة هي روح الطائف، وهم لا يتصالحون! الوفاق عنوانه، ولا يتّفقون!
غايتُه الحفاظ على النظام الديموقراطي الحر، وبسط السيادة على كل الارض، بالقوى الشرعية الذاتية، وتوطيد الاستقلال، ولا يتحرّرون من التبعية، والفئوية، والمذهبيّة، والمصلحيّة، ويتمسّكون بالمخيمات، والمعسكرات، والمربعات، و"المخمّس مردود" !
هو "الوطن النهائي"، وهم يراهنون على "نهاية الوطن".
اتفاق الطائف هو فصل السلطات وتعاونها، وهم يدأبون في خلطها وتجاوز حدودها، وانتهاك استقلالها. هو اللامركزية الادارية الموسعة والانماء المتوازن، ولا يقدّمون اقتراحاً واحداً لتطبيقهما.
هو الدستور بمقدمته ومواده، وهم يخرقونه ويتجاوزونه!
في اتفاق الطائف، رئيس واحد للدولة، وهم يمارسون سلطةً وحشيّةً، متناطحة الرؤوس!
الطائف هو وحدةُ الارض، والحق المتساوي لجميع المواطنين في استعمالها طبقاً للقوانين، وهم رسموا خطوطاً، واقاموا مناطق محرّمة حتى على الجيش وقوى الامن…
الطائف حكم المؤسسات، وهم يعطّلونها، ويشلّونها، يتخطّونها بصف طاولات الحكي المستهلك، وتجمّعات المذاهب المتعصّبة، باعتصامات الشوارع ومضارب العصيان!
هو المشاركة في القرار، وهم يصرّون على الغاء الآخر، التفرّد والفرض!
الطائف هو حصر السلاح في يد الدولة، حيث "القيادة العليا"، لرئيس الجمهورية، و"السلطة" لمجلس الوزراء، لا شريك لهما ولا رديف… وهم يزدوجون ويعدّدون، يصنّفون ويميّزون، في امر واقع، يطيحُ القيادة والسلطة كليهما!
الطائف هو التزام المواثيق العربية والدولية، والاعلان العالمي لحقوق الانسان، وهم يشكّكون فيها وينقضونها، يستَعْدون العرب والامم، ويصرّون على عزلِ البلدِ الاكثرِ انفتاحاً في العالم !
يحكون عن الحوار، والتشاور، ولا يحفظون ادبياته، ولا يطبّقون مقرّراته، ولا يَصْدُقون ما عاهدوا عليه… فكم هو مستهلكٌ هذا الأداء، وكم هجينةٌ تلك الطروح!
الطائف هو التمسك باتفاق الهدنة، والركون الى الشرعية الدولية، وهم يفتحون الجبهات، خلافاً لكل العرب والعجم في بلدان ما بين النهر والبحر!
2 – المحكمة… والملف
المتأمل في المشهد اللبناني، صوتاً وصورة، تَصدُمه تناقضات عصيّةٌ على المنطق، منها القول "إن الاستقرار أهم من العدالة". كأن ثمة سلماً أهلياً، او دولياً، او استقراراً، من دون عدالة !.. أليس الظلم هو المسبب الاول للثورات والانتفاضات واعمال العنف؟ أليس الجور دعوة صارخة للثأر الشخصي، وتأبيد العداوات؟ فبدلاً من تحميل العدالة وزر "الفتنة"، الاحرى كشف الجرائم وإدانة مرتكبيها!
يذهب بعض المعنيين الى حد الرفض المسبق لأي ظن او اتهام، ولو استند الى "ادلّة دامغة"! مع ان النص الكريم يقول: "هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين". ان "الدليل الدامغ" هو ذروة البراهين، فلئن كان "بعض الظن" إثماً، فان الصدقَ عبادة !.. وقد قيل: "تعرفون الحقَّ، والحقُّ يحرّرُكم"… "الساكت عن الحق شيطانٌ أخرس" ! كشف الجرائم حق وتغطيتها كفر!
يُحكى كثيراً عن "ملف شهود الزور"، ولم تقم اي مبادرة جديّة لتكوينه. لذلك يبدو إدراجُه في جدول اعمال مجلس الوزراء، وترحيله من جلسة الى جلسة، تصرّفاً سياسياً، لا قانونياً، وبالتالي تمويهياً وغير عملي. فيجب اولاً تكوين الملف وفق الاصول، للتعامل معه على اساسها. هذا دون ان ندخل في تفاصيل الافادات، وملابسات الادلاء بها، والتركيبات التي تناولتها؛ وبالطبع ايضاً، دون التعرّض لاساس القضيّة، المطروحة امام المحكمة الدولية، والتي لا بدّ ان تظهر شوائبها لدى الاطّلاع والتدقيق. هذا كلامٌ في البديهيات، ولا علاقة له بنفي او تأكيد. ولا شك في ان وجود قانوني مثل البروفسور ابرهيم نجار وزيراً للعدل في مجلس الوزراء، من شأنه اضفاء جو من الموضوعية العلمية على المناقشات، اذا جرت!
ليس الاجراء القضائي من اختصاص مجلس الوزراء، ولا مجلس النواب، إلاّ في الحالات المنصوص عليها دستورياً (اتهام الرؤساء والوزراء ومحاكمتهم)، او المحدّدة حصرياً في قانون التنظيم القضائي (احالة الجرائم على المجلس العدلي)، وكل تصرّف خارج الاصول، يرتّب مسؤولية مباشرة على المجلس مجتمعاً، وعلى رئاسة الجلسة في شكل خاص.
من غير المسموح ان يخرق مجلس الوزراء الدستور قصداً، بل عمداً، بادراج بند خارج عن الصلاحية، في جدول اعماله، وطرحه في جلسة برئاسة حامي الدستور!
ان مجلس الوزراء ليس مختصاً بتحديد مَنْ قتل، ولا من زوّر، ولا من حرّض، ولا من شهد، خصوصاً ان الوصف لم يُحسَم، والفاعل لم يُعرف، والتحقيق لم يُكشف، وان ما نقل من معلومات عن مصادر المحكمة الدولية اكّد عدم اتّهام دول او احزاب او جهات، بل اشخاص طبيعيين قاموا بافعال محدّدة، بناء على ادلّة وبراهين.
قد تكون ثمة افادات كاذبة، شهادات زور، تلفيقات ومخالفات اجرائية، لكن مجلس الوزراء ليس صالحاً للبحث فيها، ولا مجلس النواب، ولا رئاسة الجمهورية، ولا اي مؤسّسة غير قضائية، وقد باتت الجرائم الارهابية التي حصلت منذ 14 شباط 2005، في عهدة "المحكمة الدولية الخاصة بلبنان"، المنشأة بقرار من مجلس الامن، بناء على طلب مباشر من الدولة اللبنانية، باجماع مكوّناتها، وعلى اساس اتفاق ثنائي لا يمكن الغاؤه من طرف واحد، ومن العجب ان يشكّك رئيس السلطة التشريعيّة في دستورية موقف اتخذته الدولة، والتزمته، وبُني عليه المقتضى، وبات قاب قوسين من تحقيق غايته!
من الواضح ان لا احد ابداً، اي لا الرئيس سعد الحريري، والورثة مجتمعين، ولا اي رئيس، او مرؤوس، او مرجع، او هيئة، غير المحكمة الدولية، يملك التجريم او التبرئة… ولا تأثير للادعاء الشخصي، أو الاسقاط. لان عمل المحكمة مستقل عن مطالب اولياء الدم، ولا يخضع لموازين السياسة، او القوى؛ بل ان ظهور لبنان والفريق المتضرر مظهر المتردّد، المتخوّف او المتراجع، يؤكد الحاجة الى المساعدة الدولية التي ستتابع أداءها المحترف تحت كل الظروف، ولم يعد لاحد، سوى مجلس الأمن، اي علاقة مرجعية بالمحكمة الخاصة. انها محكمة لمساعدة لبنان رغماً عنه!
3 – السلطة والحكم
الآن، في مواجهة الضغوط النفسيّة والمادية، التهديد والوعيد، والممارسات الاعتراضية، لطمس معالم الجرائم الارهابية التي قصمت ظهر لبنان، وشرّدت اهله، وأمعنت في بنيته دكّاً، وفي سيمائه تشويهاً؛ وبعد مسلسل اغتيال صفوةٍ من مرجعياته الروحيّة، طليعةٍ من قادته، نخبةٍ من مفكّريه، والتمادي في ضرب عمارتِه الحضارية، وتقطيع أورِدَتِه الانسانية، فإنّ السلطة اللبنانية، بواقعها المستضعف، وحاليّتها الموصوفة، رئيساً وحكومة وبرلماناً، وما لا يزال ينبض من مؤسّسات، مدعوّة كلُّها لاثبات جدارتها، فالشعب يناصر إقدامها، ويدينُ تخاذلها ونكوصها!
حيال مؤشّرات التردّي وحملات التخويف واشاعة الذعر، على مجلس الوزراء ان يتخطّى انشقاقاته، ويرأب تصدّعاته، ويؤكد الجهوز الوطني لمنع سقوط الدولة وتفتّت الكيان.
على السلطة ان تحزم امرها فتضطلع بمسؤولياتها، وتمارس صلاحياتها، وعلى الحُكم… أن يَحكُم!
