"الطائف" أيضاً... في البال ؟

النوع: 

 

إذا كانت سنة من عمر حكومة الوحدة الوطنية تكتمل تماماً غداً قد أفضت الى تهديد لبنان بفتنة تحت وطأة أغرب معادلة متصلة بتحقيق العدالة، فليس غريباً والحال هذه ان تثار في الجوانب والمجالس والكواليس والحدائق الخلفية مسألة النظام اللبناني برمته، ولن تكون هذه آخر الدنيا، سواء بزلات لسان مقصودة او عفوية.

ولعلها مصادفة قدرية تحمل الكثير من الرمزيات أن تحل الذكرى الـ21 لميثاق الطائف متزامنة مع الذكرى السنوية الاولى لحكومة الرئيس سعد الحريري في شهر استقلالي، وكلاهما، العقد الميثاقي والوحدة الحكومية، على مشارف اختبار أقل من يقال فيه إنه مفصلي ومصيري ليس بدافع من خلاف ظاهري على النظام او الميثاق هذه المرة، بل بسبب استحقاق طارئ قسري فرضته حرب الاغتيالات على لبنان بمفعول رجعي وبمفعول استباقي، فحلت المحكمة الخاصة بلبنان مكان العوامل الانقسامية التقليدية تاريخية كانت ام محدثة وجديدة.

كما ان أسوأ ما يواجهه لبنان في هذا التزامن هو ان يعلو صوت التخويف بل الترهيب بالفتنة على تراكم ميثاقي ووحدوي يبقى مكتسباً حقيقياً مهما شابته عيوب وأخطاء وخطايا وحتى جرائم معنوية الحقت بحق مسيرة سلمية وديموقراطية في نهاية الأمر. وهو تخويف يحصل على خلفية تعميم صورة ولا أبشع وهي ان اللبنانيين عاجزون بعد 21 سنة من طي الحرب عن توحيد مفاهيمهم ليس حيال القضايا السياسية والوطنية الاساسية فحسب بل حول العدالة نفسها. وها هي التجربة التي تصدم الداخل والخارج معاً. فبعد سنة من تشكيل حكومة وحدة وطنية تنذر الازمة الزاحفة بتحويل بيانها الوزاري الى عنوان لأخطر انشقاق وطني واسع على مفهوم العدالة من شأنه ان يزعزع التركيبة اللبنانية الهشة في الصميم ويستدرج معه العودة الى المربع الاول ليس لأزمة الاغتيالات واستتباعاتها وشرورها بل الى ازمة النظام التي ستندفع بقوة هائلة اذا أفلت زمام الصراع من خطوطه الحمر.

المفجع في الأمر أن مندرجات هذه الازمة ومجرياتها باتت تشوه كل منطق سوي في النقاش السياسي، لئلا نقول في الحوار، إذ يكفي الناس تضليلاً ومزاعم فارغة ومسميات خادعة.

فمنذ اندلاع الشرارة الاولى لازمة المحكمة الدولية وهذا النقاش يدور في الجانب الخاطئ والمضلل تماماً. بطبيعة الحال ثمة الكثير مما يبرر تمركز النقاش واثارة المخاوف عند موضوع القرار الظني للمحكمة، لكن ذلك لا يحجب في المقابل الريبة الكبيرة المشروعة في توجيه النقاش حصراً الى هذا الاستحقاق وطمس الجانب الأم والأزمة الأم في كل ادبيات الصراع وخطابه السياسي والاعلامي. فما دام مشروعاً استباق القرار الظني بكل الفرضيات تجنباً لظلم او جور قد يستتبع شراً عظيماً على لبنان، أليس الأدعى في المشروعية ايضا ان يتسع النقاش مجدداً لكل ظروف حرب الاغتيالات من اولها الى آخرها مع كل حلقة من حلقاتها الاجرامية المخيفة التي اغرقت لبنان في واحدة من أبشع صور الجرائم التسلسلية في تصفية النخب السياسية والصحافية؟

بطبيعة الحال لن يكون نقاشاً حول مجمل مسألة الاغتيالات افضل حظاً من النقاش حول القرار الظني في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري وحدها، من حيث التأثير على مجريات المحكمة الدولية. لكن المغزى هنا في الوقع الداخلي لنقاش يفترض ان يتسع لكل الهواجس لدى جميع الفئات اللبنانية، على ضفتي الخلاف على هذه المحكمة بما يعكسه من انشطار خطير حول مفهوم العدالة كمبدأ وآليات، سواء كانت عدالة وطنية ام دولية. اما والصراع قد بلغ ما بلغه من تظهير لهذا الانشقاق وتعميقه. فلم يعد مستغرباً التحسب لكمائن وأفخاخ تنصب للحكومة والميثاق والطائف وإدراجها جميعا أيضاً في خانة وثائق الأزمة.

الكاتب: 
نبيل بو منصف
المصدر: 
التاريخ: 
الاثنين, نوفمبر 8, 2010
ملخص: 
اما والصراع قد بلغ ما بلغه من تظهير لهذا الانشقاق وتعميقه. فلم يعد مستغرباً التحسب لكمائن وأفخاخ تنصب للحكومة والميثاق والطائف وإدراجها جميعا أيضاً في خانة وثائق الأزمة.