“اتفاق الطائف” والطائفية
بعد انفجار الحرب الطائفية عام 1975، وحدث ما حدث للبنان ككيان وشعب وسيادة، توالت الحروب الصغيرة داخله كتداعيات للحرب الكبرى. وكان أبرزها حرب التحرير التي قادها الجنرال عون ضد الوجود السوري عام 1989، لكنها فشلت لأنها لم تستطع أن تجمع اللبنانيين المنقسمين آنذاك حول كل شيء، إضافة إلى الظروف الإقليمية والدولية التي لعبت دوراً سلبياً نحو هذه الحرب. وبعد تدخل الدول العربية، تم وقف إطلاق النار، وتلبية النواب دعوة المملكة العربية السعودية إلى عقد مؤتمر خارج لبنان، وبالتحديد في مدينة الطائف في المملكة. وقد توصل النواب المشاركون إلى اتفاق سمّي بـ”وثيقة الوفاق الوطني” أو “اتفاق الطائف”، في 22-10-1989.
الطائفية والحرب الأهلية
واعتبر هذا إنجازاً لنواب الأمة في تلك الظروف الصعبة والقاسية خصوصاً على الشعب اللبناني الذي استمر في تلقي الصدمات التي سبّبها رجال السياسة الذين لم يكونوا على مستوى التحديات لأنهم سمحوا لمجتمعهم أن ينزلق إلى حرب أقل ما توصف به بأنها قذرة ومدمرة. وقد أظهر اللبنانيون خلالها مقدار الحقد الذي يكنّونه ضد بعضهم البعض بواسطة الأفعال الشنيعة التي ارتكبوها وكأنهم ينتقمون لأجيال عاشت العداء والكراهية؛ أفعال اتسمت بممارسات طائفية متطرفة كالخطف والقتل على الهوية، وسحل الخصم بالسيارة وهو حي، أو قذفه من مكان مرتفع، أو طرده من منزله للإستيلاء عليه. هذه بعض نماذج ممارسات المتقاتلين الذين قدمت لهم الحرب فرصة لإظهار حقيقتهم، وقد بيّنوا كم يكنّون العداء لبعضهم البعض، وأكثر مما يكنّونه للأعداء خارج حدودهم.
لقد كان البلد في تلك الظروف بحاجة إلى رجال دولة يتصرفون انطلاقاً من مصلحة بلدهم، ومن هويتهم وانتمائهم وولائهم له. مسؤولون يحترمون “كلمتهم” وتوقيعهم، لكن ما حدث أثبت العكس. أثبت أن كثيرين من المسؤولين اللبنانيين مستعدون للتضحية ببلدهم لأجل مكاسب صغيرة، حتى ولو اعتمدوا على “الشيطان” لتحقيق مآربهم المجبولة بالأنانية والكراهية. وقد بيّنت الحرب أن أصحاب القرار السياسي لم يهتموا كثيراً للوطن بقدر اهتمامهم برؤيتهم الخاصة لما يجب أن يكون عليه هذا الوطن، وعملوا على هذا الأساس. لقد تمتعوا بأنانية مطلقة، وبالسعي للحفاظ على المصالح الخاصة والطائفية. وهذا ما أظهره اتفاق الطائف من خلال نصوصه أو تطبيقه. وإذا تبحّرنا ببعضها لاستكشاف موقع الطائفية فيها، نجد التالي:
بالنسبة لموضوع الهوية: قبل اتفاق رجلَي الاستقلال بشارة الخوري ورياض الصلح، والمتجسد في “الميثاق الوطني”، وبعده، كان هناك خلاف على هوية لبنان. وانتهى الأمر باعتماد التعبير التالي حتى في نصوص الدستور: “لبنان بلد مستقل ذو وجه عربي”. وتعرض هذا التوصيف لكثير من النقد من الفئتين المؤيدة للعروبة آنذاك، والمعارضة لها. لكنه كان حلاً وسطياً قضى عليه السياسيون في خلافاتهم عام 1958. وعندما حصل اتفاق الطائف، تم استبدال هذه العبارة بأخرى “لبنان عربي الهوية والانتماء”، (المبائ العامة، في باب اولاً، فقرة ب). وهذا اعتراف بما سعى إليه اللبنانيون المسلمون منذ إعلان دولة لبنان الكبير، والذي أصر عليه رياض الصلح خلال فترة الانتداب. بينما اعتبر كثير من المسيحيين إعلان عروبة لبنان في الدستور بأنه دليل على ترجيح كفة المسلمين بعد الحرب.
التوزيع الطائفي في لبنان
ومن الأمور التي لها علاقة بالطائفية، بعض النصوص اللاطائفية إذ لم ينص الاتفاق على دين الدولة، بل تضمن “المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمايز أو تفاضل” (المبادئ العامة، فقرة ج). وهذا أمر إيجابي للجميع بأن تكون المساواة في الحقوق القاسم المشترك بين مكوّناته. كما أن المساواة تعتبر من أسس بناء المواطنة في أي بلد. وتعبير “ميثاق العيش المشترك” المقصود به التعايش بين مختلف الطوائف، وهذا مناقض للتطرف الطائفي.
وفي باب الإصلاحات السياسية، ينص البند (5) على: توزيع المقاعد النيابية “بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين”. وهذه محاولة لمعالجة الطائفية ضمن التمثيل النيابي بالطائفية أيضاً. كما يتضمن بند (6): “يزاد عدد أعضاء مجلس النواب إلى 108 مناصفة بين المسيحيين والمسلمين”، والمناصفة هنا مبنية على الطائفية أيضاً. وينص البند (7) على التالي: “مع انتخاب أول مجلس نواب على أساس وطني لا طائفي يستحدث مجلس للشيوخ تتمثل فيه جميع العائلات الروحية وتنحصر صلاحياته في القضايا المصيرية”. عدنا إلى التوزيع الطائفي كدليل على أن السياسة في لبنان لا تعيش سوى في الأجواء الطائفية كالسمك الذي لا يستطيع العيش سوى في الماء. وهذا المجلس المقترح تنحصر صلاحياته في القضايا المصيرية! وإذ بنواب الطائف يعملون بنصيحة أبي نواس: وداوني بالتي كانت هي الداء. فبعد حرب طائفية مدمرة، لم يستطيعوا أن يقترحوا أخذ البلد خارج إطار الطائفية ولو بخطوة واحدة نحو العلمانية، بل استمروا بالاعتماد على المحاصصة الطائفية لبناء “وطن” جديد!
أما الفقرة (ب) من هذه الاصلاحات، والتي تتعلق برئيس الجمهورية، فلا ذكر لطائفته. وكذلك الأمر بالنسبة لرئيس مجلس الوزراء، فقرة (ج). لكن أصحاب القرار لجأوا إلى العرف لتكريس التوزيع الطائفي الذي اتفق عليه بعيد الاستقلال بالنسبة لطوائف الرؤساء الثلاثة. والنص الذي ورد بالنسبة لتشكيل الحكومة، لم يلحظ تقاسم المواقع الوزارية بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين، لكن ألحقوا عملية التشكيل بالعرف أيضاً بأن قسّموا الوزارات إلى سيادية وغير سيادية، كمرتبة أولى. ومرتبة ثانية هي وزارات الخدمات مثل الأشغال والهاتف و..، ومرتبة ثالثة لا وزن مهم لها كوزارة البيئة، أما وزارة الدولة فهي كجائزة ترضية لهذه الطائفة أو تلك. فقد تم توزيع الوزارات السيادية (الخارجية والداخلية والدفاع والمالية) على الطوائف الأربع الكبيرة: موارنة وروم أرثوذكس وسنة وشيعة. وما تبقى يتم توزيعه نسبياً وطائفياً.
إلغاء الطائفية السياسية
التوزيع الرئاسي بحسب الطوائف
تحت هذا العنوان في نصوص اتفاق الطائف ورد التالي: “على مجلس النواب المنتخب على أساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين اتخاذ الإجراءات الملائمة لتحقيق هذا الهدف وتشكيل لجنة وطنية … مهمتها دراسة واقتراح الطرق بإلغاء الطائفية وتقديمها إلى مجلس النواب والوزراء ومتابعة تنفيذ الخطة المرحلية”. إذ إن المنتخَبين على أساس طائفي قد أنيطت بهم مهمة إلغاء الطائفية! لكن بعد 36 عاماً، لم يصل المجلس إلى مرحلة التفكير بهذه الخطوات، بل بالعكس، بدأنا نرى ونلمس تأثير التكتلات المذهبية النيابية على الحياة السياسية في لبنان، وهكذا أصبحنا على مسافة أبعد مما كان عليه الأمر يوم توقيع اتفاق الطائف.
وفي نص آخر من نصوص هذا الاتفاق، وعند تناول المرحلة الانتقالية، يرد ما يلي: “تكون وظائف الفئة الأولى مناصفة بين المسيحيين والمسلمين دون تخصيص أي وظيفة لأي طائفة”. لكن ما حدث هو تخصيص وإصرار على وظائف الفئة الأولى طائفياً ومذهبياً، ومن دون مراعاة أي عامل آخر خصوصاً الكفاءة.
لكن ما ورد حول الطائفة والهوية: “إلغاء ذكر الطائفة والمذهب في بطاقة الهوية” (الفقرة ب…) فهو من البنود القليلة التي تم تنفيذها، ولم تكن غايتها طائفية.
وما ورد تحت رقم (3)، الإصلاحات الأخرى، بند (ب)، “تأميناً لمبدأ الانسجام بين الدين والدولة يحق لرؤساء الطوائف اللبنانية مراجعة المجلس الدستوري فيما يتعلق بـ: الأحوال الشخصية، حرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية، وحرية التعليم الديني”.
كما ذكرنا سابقاً بأن المسؤول السياسي اللبناني لا يستطيع أن يخرج من تحت عباءة الطائفية لأنه يفقد مصالحه الخاصة، لذلك هو بحاجة إلى “رضى” رجل الدين. فأمّن من خلال اتفاق الطائف مصلحته ومصلحة الطائفة وقادتها. إذ إن ممارسة الشعائر الدينية مكفولة في الدستور.
وإذا تطرقنا إلى تطبيق الطائف، نجد أن البنود التي استفاد منها المسلمون قد نفذت وبدعم من السوريين، بينما تلك التي شعر المسيحيون أنها ذات فائدة لهم، فلم يتم تنفيذها.
كخلاصة، اللبنانيون – شعبًا ومسؤولين – أسرى الطائفية، وبالتالي أسرى النظام الطائفي، حيث لا أمل في الوقت الراهن بالخروج من هذا “الأسْر” الذي دمّر لبنان، ويهدده حالياً، وقد يدمّره مستقبلاً.
