التفاوض المباشر مع إسرائيل يختبر إتفاق "الطائف"
من المهم جداً تفعيل الاتصالات بين السعودية وإيران، خصوصاً في لحظة كهذه وبظل منطقة متفجّرة، فقبل الحرب الأخيرة، كانت العلاقة بين السعودية وإيران قد دخلت في طور "إدارة التباين" بدل المواجهة المباشرة، ورغم كل ما حُكى عن موقف سعودي معاد لإيران خلال الحرب، ودعوات للأميركيين لضرب إيران، كان الاتصال الذي جرى بين وزير الخارجية الإيراني ونظيره السعودي بعد وقف إطلاق النار إشارة إيجابية إلى أن ملف ترتيب وضع ما بعد الحرب قد بدأ، وأن من بين أولوياته إعادة ترتيب الساحات المشتركة، وهنا يمكن للبنان أن يستفيد، تقول مصادر سياسية بارزة.
ترى المصادر عبر "ليبانون ديبايت" أن التواصل السعودي الإيراني مهم لضبط الإيقاع في لبنان ومنعه من الإنفجار، ففي موازاة ذلك، لا يبدو أيضاً أن التواصل بين الرياض والرئيس نبيه بري قد انقطع في أي مرحلة، بل حافظ على حد معين من الاستمرارية، ما يعكس إدراكاً سعودياً بأن مفاتيح التوازن الداخلي في لبنان لا تزال تمر عبر بري، مشيرة إلى أن محاولة بري استخدام هذا الخط تهدف لضبط مسار السلطة، وهي تعني أن هناك شعوراً متزايداً بأن ما يجري يُريد إعادة صياغة قواعد اللعبة، وربما كسر التوازنات التي قام عليها اتفاق الطائف، أو على الأقل الالتفاف عليها تحت ضغط الوقائع الجديدة.
لعقود، كان الخطاب الرسمي اللبناني واضحاً في رفض أي مسار تطبيعي أو تفاوضي منفصل مع إسرائيل قبل حل شامل للقضية العربية، بحيث شكل هذا الموقف جزءاً من توازن داخلي، يحمي لبنان من الانقسام حول خيار استراتيجي بهذا الحجم، أما اليوم، فيظهر أن هذا السقف يتآكل تدريجياً من خلال ممارسات وخطوات وصلت حد الجلوس مع الإسرائيليين على طاولة واحدة لفتح مسار التفاوض تحت النار، رغم عدم موافقة فريق أساسي في لبنان هو الشيعة.
في هذا السياق، لا يمكن تجاهل العامل السني الذي يُعاد تشكيله سياسياً منذ سنوات، فهذا المكون مختزل اليوم بشخص رئيس حكومة يفتقر إلى قاعدة تمثيلية واضحة، ومحاط بمجموعة نواب بلا وزن فعلي على الأرض، فهل موقف المكون السني اليوم هو مع التفاوض المباشر ومع العدو، وماذا عن موقف السعودية التي لطالما اعتُبرت الراعي الأساسي للتوازن السني في لبنان؟
ترى المصادر أن المملكة تدرك أن أي خلل في التمثيل السني سيؤدي إلى اختلال أوسع في البنية الداخلية اللبنانية، ولذلك فهي تتعامل بحذر مع أي مسار قد يُفسَّر كغطاء لتغيير قواعد اللعبة في لبنان. من هنا، يبدو الموقف السعودي من مسألة التفاوض المباشر مع إسرائيل أكثر تعقيداً مما يُعلن، فهي، بحسب المصادر، ليست في وارد خوض مواجهة في لبنان، لكنها أيضاً لا تبدو مستعدة لمنح غطاء كامل لمسار قد يؤدي إلى تطبيع غير متوازن، أو إلى تفجير داخلي، وهنا يكمن تعويل نبيه بري، بأن تفضّل المملكة إبقاء الأمور ضمن سقف "إدارة الأزمة"، بحيث لا يذهب لبنان بعيداً في التفاوض، ولا ينزلق في الوقت نفسه إلى مواجهة داخلية.
أما طهران، فهي كما الرياض، ليست في وارد تفجير الساحة اللبنانية في هذه اللحظة، لذلك، يصبح التفاهم الضمني على ضبط الأمور أفضل من أي خيار آخر في هذه اللحظة التي تُعاد فيها رسم خرائط النفوذ في المنطقة، ومن هنا يأتي موقف بري الرافض للتحركات الشعبية في هذه اللحظة، لأن يدرك خطورة ما يُحضر وصعوبة الدخول في دوامة اشتباك داخلي.
ليس بالضرورة بحسب المصادر انعكاس هذا التوازن الإيراني السعودي على لبنان على شكل تسوية شاملة الآن، ولكن من الضرورة أن يؤدي إلى ما يشبه الهدنة التي تُعيد تصويب البوصلة والأولويات، لأن ما تقوم به السلطة اليوم ينسف أسس النظام اللبناني، وما بُني بعد الحرب الأهلية التي كانت بأياد لبنانية بالدرجة الأولى، يُراد تغييره وهدمه بأياد إسرائيلية هذه المرة.
