صناعة السيادة في لبنان: من غياب الدولة إلى شرعية المقاطعة
ليس في قاموس الأمم ولا في نصوص المواثيق ما يمنح السيادة لمن يتنازل عنها طوعاً. لبنان، منذ عام 1948، يدفع ثمن تداعيات قضية ليست وليدة أرضه، لكنه جعل منها مبرراً لتسليم مفاتيح قراره لغيره. من اتفاق القاهرة 1969 إلى دخول المسلحين الفلسطينيين بعد أحداث الأردن 1970، مروراً بالحرب الأهلية 1975، وصولاً إلى اليوم حيث التدخّل الخارجي أكثر حضوراً من أي وقت مضى، بمساعدة داخلية لا تقل خطراً، بات السؤال المشروع: هل السيادة في لبنان مجرد شعار يتلى في المناسبات، أم أنها شرط وجود يُمارس بالإرادة قبل أن يمارس بالسلاح المزروع عند الجميع ؟
أولاً: غياب الدولة هو غياب السيادة
لا يمكن الحديث عن سيادة في وطن يفتقد عنصر الدولة بجوهره. الانقسامات الحادة التي يشهدها لبنان ليست خلافات سياسية عابرة، بل هي تمزيق للنسيج الوطني الذي يقوم عليه أي كيان ذي سيادة. فالدولة، بحسب النظرية الدستورية، تتأسس على ثلاثة أركان: الشعب، الإقليم، والسلطة. أما في لبنان، فالشعب مجزّأ إلى طوائف تتصارع على الغنائم، والإقليم تخترقه إرادات خارجية من جنوبه إلى شرقه، والسلطة موزعة بين عصابات داخل الدولة تتصرف وكأنها دول مستقلة. منذ اتفاق الطائف، لم يقدم لبنان نموذجاً لدولة حقيقية، بل اكتفى بإعادة إنتاج ذات الخلل بطوابع جديدة. الطائف الذي كان يُفترض أن يكون مدخلاً إلى الدولة المدنية، تحوّل إلى وثيقة تبرير للفشل، حيث ظل الحديث عن إلغاء الطائفية السياسية حبراً على ورق، والسلطة تنتقل بالوصاية لا بالانتخاب، والإرادة الوطنية تخنق تحت وطأة المحاصصة التي تجعل من أي قرار سياسي صفقة لا برنامجاً.
ثانياً: القوانين الانتخابية ليست قوانين دولة بل أدوات عصابات
إن استمرار اعتماد قوانين انتخابية لا تحاكي تطلّعات الشعب إلى دولة مدنية، هو دليل قاطع على أن القيمين على الدولة لا يريدونها دولة. القوانين الانتخابية في لبنان قيست على قياس الأحزاب، والتي لم تبني دولة على الإطلاق، بل حوّلت نفسها إلى عصابات داخل الدولة، سواء بحق أو بغير حق. فالعصابات التي تشرعن وجودها بالقانون هي أخطر من العصابات التي تعمل خارجه، لأنها تمتلك أدوات القمع والتزوير باسم القانون. وفي كلتا الحالتين، الصدق والفساد لا يجتمعان. فالقانون الانتخابي الذي يولد من رحم المحاصصة الطائفية لا يمكن أن يكون نزيهاً، لأنه ليس أداة لتمثيل الإرادة الشعبية، بل آلة لإعادة إنتاج السلطة ضمن قبضة الأحزاب العصابة. وكل تعديل يُجرى عليه لا يصحح الخلل، بل يعيد توزيعه بطريقة أكثر تعقيداً وإحكاماً، ليبقى المواطن رهينة صفقة سياسية لا علاقة لها بمصلحته ولا بمستقبل وطنه.
ثالثاً: تجارب الماضي لم تفد
لبنان، بعد كل هذه التجارب الموجعة، لم يستفد من ماضيه. حرب أهلية أكلت الأخضر واليابس، واحتلالات إسرائيلية بلغت ذروتها في الاعتداء على البشر والحجر والشجر، حتى المقابر لم تسلم من همجية العدو، وتدخلات إقليمية جعلت منه ساحة صراع نيابة عن غيره. ومع ذلك، القيّمون على الدولة، ومنهم الأحزاب ذاتها، لم يغيروا نهجهم قيد أنملة، بل أعادوا إنتاج الأسباب ذاتها التي أوصلت البلاد إلى الهاوية. لذلك، تأتي الدعوة إلى مقاطعة الانتخابات كمطلب دستوري وسياسي في آن، لا كمزايدة أو هروب، بل كخطوة ضرورية لقطع الطريق على آلة الفساد الانتخابية. فالمشاركة في انتخابات تُجرى بقوانين طائفية مقيتة ليست شرعنة للدولة، بل شرعنة للفساد. والمقاطعة ليست انسحاباً من الوطن، بل هي الصيحة الأخيرة التي تقول إن المواطن لم يعد راضياً بأن يكون رقماً في معادلة محاصصة. والمطلوب ليس مجرد تعديل تقني للقانون الانتخابي، بل قانون انتخابي جامع، يوحد اللبنانيين لا أن يفرقهم، ويبني دولة المواطنة لا دولة العصابات.
رابعاً: غياب الوحدة الوطنيةتصفح الخرائط الجغرافية
في مواجهة إسرائيل، لم يصغ لبنان وحدة وطنية، رغم أن ذلك هو الاختبار الأكثر إلحاحاً لسيادته. المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة تمنح لبنان الحق الطبيعي في الدفاع عن نفسه ضد أي اعتداء مسلح، والمادة 13 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تكفل حق العودة للاجئين، وهو ما يتسق مع الموقف اللبناني الرافض للتوطين والمتمسك بحق العودة. لكن هذه النصوص القانونية تظل جامدة ما لم تتحرك إرادة سياسية موحدة تجعل منها سلاحاً فعلياً. غياب الوحدة الداخلية جعل من حق الدفاع عن النفس (المادة 51) مجرد نص نظري لا يُطبَّق، ومن حق العودة (المادة 13) شعاراً يتلى بين حين وآخر، بينما إسرائيل تمارس انتهاكاتها دون ردع، واللبنانيون منقسمون على أنفسهم كعادتهم. والموقف الرسمي اللبناني الثابت برفض التوطين، والوارد في اتفاق الطائف، يظل حبراً على ورق طالما أن الإرادة السياسية غير موجودة لتحويله إلى سياسة فعلية.
وعليه، إن السيادة في لبنان ليست غائبة لأن العدو قوي، ولا لأن التدخّل الخارجي طاغٍ، ولا لأن الجغرافيا صعبة. السيادة غائبة لأن اللبنانيين، وخصوصاً قيميهم السياسيين، تنازلوا عنها طواعية، ووزعوها على طوائفهم وعصاباتهم، وجعلوا منها غنيمة تتقاسمها القوى الداخلية والخارجية على حد سواء. السيادة ليست ورقة توقيع في الأمم المتحدة، ولا خطاباً في مناسبة وطنية، ولا مادة دستورية تُقرأ ولا تُطبق. السيادة هي إرادة تقول للعالم كله: هذا وطننا، ولن نسمح لأحد بالمساس به، لا من الخارج باحتلاله، ولا من الداخل بتمزيقه. وما دام اللبنانيون ينتخبون من يدمر دولتهم، ويشرعون لمن يسرق مستقبلهم، ويصمتون على من يبيع قرارهم، فسيادتهم مجرد وهم، ووطنهم مجرد عنوان على خريطة لا تحمي أحداً. فإما أن تكون السيادة حقيقة تعاش، وإما أن يكون الموت وحدَه هو الذي يوحّدنا، لأنه لا يفرق بين طائفي ولا حزبي، ولا بين من يملك السلاح من كل الطوائف ومن يملك فقط حلم الدولة.
* باحث أكاديمي حقوقي في القانون الدولي والدستوري
