خاص: هكذا توزع الوزارات بين المذاهب اللبنانية بعد الطائف

النوع: 

قيام لبنان الوطن في صورته الحقيقية يفترض إقامة دولة مدنية لا تميز بين الناس. لكن الواقع القائم راهناً، وفي ظلّ ما يعصف بالشرق الأوسط من تحولات سياسية غالبها مذهبي الطابع، يحتم التأني في اتخاذ أي موقف متهور، قد تكون العودة عنه في حكم المستحيل في المستقبل.

بعيداً من كل المعايير التي حددها الدستور ورسمتها الأعراف، تدور معظم التكهنات حول شكل الحكومة المقبلة، التي يتم تداولها عبر مختلف وسائل الإعلام. وإذا كان من حق أي كان أن يطرح تصوره للتشكيلة الجديدة، فلعلَّ في مراعاة القواعد الرئيسة المعمول بها في لبنان ما يسهّل مهمته.

قبل التعديلات التي أدخلت على الدستور عام 1990، والتي تم الاتفاق عليها بين النواب الذين اجتمعوا في الطائف عام 1989، كان رئيس الجمهورية يعين الوزراء ويسمي من بينهم رئيساً. غير أن العرف الذي ساد تلك المرحلة، جعل من رئيس الحكومة شريكاً فاعلاً في القرار، نتيجة الواقع الطائفي والمذهبي القائم في لبنان.

أما بعد عام 1990، فانتقلت السلطة التنفيذية بحسب النص الدستوري من رئيس الجمهورية إلى مؤسسة مجلس الوزراء التي صار رئيسها يسمى خلال استشارات نيابية ملزمة يقوم بها رئيس الدولة، وبات محتماً أن يحوز مرسوم تشكيل الحكومة توقيع رئيس الحكومة إلى جانب رئيس الجمهورية.

غير أن إناطة التوقيع بالرئيس ورئيس الحكومة لا يعني إطلاقاً أنهما المقرران الوحيدان، ذلك أن للكتل النيابية والقوى السياسية الوازنة الدور الأكبر، إذ يفترض تمثيلها- أو الأخذ برأيها في الحد الأدنى- ليكتمل المشهد الحكومي، ولذلك نص الدستور على الاستشارات النيابية التي يقوم بها رئيس الحكومة المكلف مع الكتل والنواب. وبالنسبة إلى النص الدستوري، فهو يفقد الأولوية في لبنان في وجود الأعراف. فتماماً كما ترعى الأخيرة مارونية رئيس الدولة وشيعية رئيس المجلس النيابي وسنية رئيس الحكومة، إضافة إلى أرثوذكسية نائبي رئيسي المجلس النيابي والوزراء، فهي تحدد منذ عام 1990 الأسس التالية لتشكيل الحكومة التي لم يرد في الدستور في شأنها إلا المناصفة بين المسيحيين والمسلمين:

أولاً: ليس في النص الدستوري ما يفرض وجود موقع نائب رئيس الحكومة، غير أنه قائم بمقتضى العرف، الذي يؤكد أيضاً أنه من حصة الروم الأرثوذكس.

ثانياً: أي تشكيلة حكومية يفترض أن تراعي مبدأ المثالة من ضمن المناصفة بالنسبة إلى المذاهب الثلاثة الكبرى، أي أن الحصص الوزارية للموارنة والشيعة والسنة يجب أن تكون متساوية من حيث العدد.

ثالثاً: تكون الوزارات الأربع المتفق على تصنيفها "سيادية"، أي الدفاع والداخلية والخارجية والمالية من حصة الموارنة والأرثوذكس والسنة والشيعة، من دون ربط أي مذهب بوزارة معينة منها.

رابعاً: الحصة الوزارية للروم الكاثوليك والدروز تكون متساوية في العدد.

خامساً: تكون الحصة الوزارية للروم الأرثوذكس أصغر من الحصة المارونية، وأكبر من حصة الكاثوليك.

سادساً: تسمح حكومة الأربع والعشرين وزيراً، كما حكومة الإثنين وثلاثين، بتمثيل الأرمن والأقليات المسيحية. أما حكومة الثلاثين، فتحتم تمثيل الأرمن بوزيرين، ما يؤدي إلى إلغاء حضور الأقليات المسيحية في الحكومة.

هذه هي الأسس التي ترعى تشكيل أي حكومة لبنانية بعد الطائف، وهي أسس تشكل الأعراف محورها، وأي تلاعب بعرف معين يهدد بالخروج على آخر، فتدخل البلاد في دوامة قد تبدأ بوزير، لكنها لن تنتهي حتماً إلا برئيس أو قائد جيش، مروراً بسائر المناصب الرئيسة في الدولة.

الكاتب: 
جاد ابو جودة
التاريخ: 
الاثنين, نوفمبر 28, 2016
ملخص: 
هذه هي الأسس التي ترعى تشكيل أي حكومة لبنانية بعد الطائف، وهي أسس تشكل الأعراف محورها، وأي تلاعب بعرف معين يهدد بالخروج على آخر، فتدخل البلاد في دوامة قد تبدأ بوزير، لكنها لن تنتهي حتماً إلا برئيس أو قائد جيش، مروراً بسائر المناصب الرئيسة في الدولة.