المطران مظلوم يروي في "مشواري" محطات من سيرته وملفات تابعها: اتفاق الطائـف طُبِّق انتقائياً ووزّع الإرث المسيحي بين الشيعة والسنّة

النوع: 

 

 

صدر للنائب البطريركي الماروني المطران سمير مظلوم كتاب "مشواري"، يؤرخ فيه لخمسين سنة من حياته، كاهناً من العام 1964 الى 2014. والكتاب يقع في 13 فصلاً و160 صفحة، ويتناول بدايته منذ الطفولة في القعقور، ودخوله الاكليريكية المارونية، ثم دخوله العمل الاجتماعي، وصولاً الى اسقفيته، وورشة بكركي. ويتحدث ايضاً عن الأمن المسيحي، واتفاق الطائف، ومسيحيي الشرق. "النهار" تنشر فصلاً من الكتاب".

ربع قرن تقريباً انقضى على إقرار اتفاق الطائف (1989) الذي أعاد صياغة "هوية لبنان" بعد الحرب، وأحدث تغييرات واسعة في توزيع أو تقاسم السلطات، وأرسى عدداً من الإصلاحات أبرزها: اللامركزية الإدارية، المجلس الاقتصادي الاجتماعي، مجلس الشورى، ومجلس الشيوخ مستقبلاً.

باختصار، كان لبنان بلا بوصلة ونشط العرب في محاولة لمصالحة القيادات. كانت هناك حكومة عون وحكومة سليم الحص، وحسين الحسيني كان رئيساً لمجلس النواب الذي بقي موحّداً من دون أن يكون قادراً على الانعقاد. وفي 14 شباط 1989 قصفت الميليشيات مرفأي جونيه وبيروت، رداً على حصار الجيش مرفئها غير الشرعي، وردّ عون بقصف منطقة الأونيسكو في بيروت الغربية، فبادر السوريون وحلفاؤهم الى قصف مقر وزارة الدفاع وأصيب مكتب الجنرال – ولم يكن فيه – وفي مساء اليوم عينه أعلن عون ما سمي "حرب التحرير". بعد أيام انعقد "اجتماع بكركي الأول" الذي حضره نواب وسياسيون وقيادات مسيحية، من المقيمين في منطقة سيطرة الجيش و"القوات اللبنانية"، وتلاقى المجتمعون على غسل أيديهم من هذه الحرب لأنهم كانوا متخوفين من نتائجها.

في تلك المرحلة، وبفعل تقاطع إقليمي بين ياسر عرفات وصدام حسين، دعم الفلسطينيون والعراقيون عون في حربه ضد سوريا، خصوصاً بعدما حوصرت منطقته، وبدأت المساعي الإقليمية والدولية لإنهاء الأزمة اللبنانية على قاعدة الوفاق وإخراج لبنان من محنته، برعاية لجنة عربية ثلاثية ضمّت الملك فهد بن عبد العزيز العاهل السعودي، ملك المغرب الحسن الثاني، والرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد، أعطيت صلاحية مطلقة لإنجاز الاتفاق.

بقية القصة معروفة وقد لعب فيها الأخضر الابراهيمي دوراً محورياً، لا سيما في إقناع الجنرال عون بعدم إعتراض النواب الذين سافروا الى الطائف في 30 أيلول من العام 1989، بعد وقف إطلاق النار. يومذاك شارك 62 نائباً (من أصل 73) في المؤتمر وتغيّب 11 لأسباب غير سياسية و3 لأسباب سياسية واعتبروا مقاطعين، وهم: ريمون إده، إميل روحانا صقر، وألبير مخيبر. والذين أقروا الطائف لم يعد منهم الى المجلس النيابي سوى 17، ولم يعد من المسيحيين المشاركين سوى 8، وهذا يعني أن الرأي العام المسيحي في أغلبيته القصوى لم يكن راضياً عن الاتفاق.

ومن الواضح أن تطبيق الطائف، على الطريقة السورية، لم يكن ممكناً لولا المواجهة الدامية التي حصلت في أواخر كانون الثاني من العام 1990 بين الجيش اللبناني بقيادة عون والقوات اللبنانية بقيادة جعجع. هذه المواجهة قصمت ظهر المسيحيين ميدانياً وسياسياً ونفسياً بعد حرب طالت. فقد تبادل الطرفان احتلال المواقع والمناطق فقتل المئات وأصيب الآلاف من المدنيين، وتجدّدت وتيرة الهجرة بكثافة مذهلة. ونهاية المواجهة العبثية سمحت للقوات السورية، لأول مرة، باجتياح المناطق المسيحية. معارك الدبابات والمدفعية والأسلحة الثقيلة والخفيفة، تواصلت ثمانية أشهر وأسبوعين، وانتهت بدخول الجيش السوري قصر بعبدا بعد قصفه بالطيران. والنتائج كانت كارثية على "المناطق الشرقية" على كل المستويات (...).

وفي غياب عون وجعجع والجميّل انحصرت المبادرة في يد البطريرك صفير الذي تلقّى دعماً غير محدود من البابا يوحنا بولس الثاني، بعدما أطلق لقاءات قرنة شهوان التي وصفت بأنها "مكتب صفير السياسي". في تلك المرحلة البالغة الحساسية لعبت بكركي دوراً ريادياً لأنها استطاعت التصدي للهيمنة السورية، وتقريب المواقف المسيحية – الإسلامية التي شكلت في النهاية حزام أمان حول لبنان وكرّست سيادته واستقلاله.

يومذاك توافقت السعودية وسوريا على إعطاء لبنان الأمن مقابل انتزاع سيادته، فدفع المسيحيون بصورة خاصة ثمن توازن القوى المفقود. ومن الواضح أن هذا الإتفاق استدرج قوى عدة، بدءاً بسوريا، الى التدخّل في الشؤون اللبنانية، نتيجة الغموض الذي يكتنف الكثير من مواد الدستور التي تحكم العلاقة بين المؤسسات(...). ورئيس الجمهورية الذي كان حاكماً تحوّل حكماً من دون صلاحيات، وهو لا يملك حتى صفارة أو بطاقة حمراء أو صفراء يرفعها بوجه اللاعبين... وبعد ربع قرن على إقرار الطائف لم تصدر القوانين التطبيقية التي نص عليها، وهذا يعني أنه لم يطبّق إلا بصورة انتقائية ومزاجية في بعض الحالات.

بكلام آخر، كثيرون هم المسيحيون، إن لم يكن جلّهم، الذين يرون أن المناصفة التي أقرّها الطائف دستورياً تعطّلها عملياً قوانين الانتخابات، وهذه المعادلة لم تتبدّل وليس مقدّراً لها أن تتبدل في ضوء التجارب المعروفة، وهذا يعني أن تهميش المسيحيين أو تقاسم تركتهم حالة تترسّخ على مستوى الممارسة والتسويات التي تجري بشكل فاضح، وهي توزّع الإرث المسيحي بين الشيعة والسنة باسم "الميثاق والشراكة الوطنية".

والعودة الى الظروف الموضوعية التي حملت المسيحيين على القبول بالطائف كافية لتبرير هذا القبول. لقد ارتضوه مكرهين لوقف طاحونة الحرب، بعدما قصمت المواجهة العسكرية بين عون وجعجع ظهورهم وصارت المسألة مسألة حياة أو موت، لأن الأخطار التي تهدّدهم كانت وجودية. يومذاك حاولت البطريركية تهدئة الأمور وهدّدت المتقاتلين من داخل البيت الواحد أحياناً بالحرم، لكن العسكريين أداروا الأذن الطرشاء. كان المسيحيون أمام خيارين: الاتفاق كما عرض عليهم بكل ثغراته، أو استمرار القتل والتدمير، وتقبلوا "الحل" لأنهم كانوا في حاجة الى هدنة. وما حصل بعد الاتفاق أن اللبنانيين جميعاً، بدءاً بالمسيحيين، كانوا مكشوفين، وبسرعة أدركوا أن دستور الطائف كان آلية سورية لحكم لبنان، وعندما حصل الانسحاب السوري "الشكلي" أدركوا، مرة أخرى، أن ورثة السوريين ليسوا أكثر مرونة وتسامحاً منهم، لأن الطائف وصفة سحرية لوقف الحرب بقدر ما هو خلطة معقدة، والدليل أنه أسّس لحرب أهلية إسلامية (بين السنة والشيعة) زادت الأوضاع تشابكاً على المستوى الإقليمي.

وليس سراً أن السوريين الذين تعهدوا السهر على تطبيق الطائف (بصورة إنتقالية) طبّقوه بأساليب ملتوية بإشراف أجهزتهم الأمنية، ما أدى الى نفي عون والتنكيل بضبّاطه، وزجّ سمير جعجع في السجن، ومنع أمين الجميّل من العودة. ريمون إده كان قد غادر، وتبخّرت المرجعيات المسيحية الواحدة تلو الأخرى ولم يبق هناك إلا بكركي تلعب دور المدافع عما تبقى من المبادئ والحريات والكرامات والحقوق(...).

الفراغ الذي أحدثه السوريون في الساحة السياسية، من أجل بسط هيمنتهم على كل شاردة وواردة، دفع بالمسيحيين في النهاية إلى كره الطائف وذكراه لأنه مرحلة سوداء في تاريخ الديموقراطية وفي تاريخ الوطن. واليوم، بعد الانسحاب السوري، تطلع أصوات مسيحية تطالب باستعادة صلاحيات رئيس الجمهورية، وأصوات شيعية بقيادة "حزب الله" تطالب بمؤتمر تأسيسي يعيد تقاسم الصلاحيات، لكن السنّة، بقيادة "تيّار المستقبل"، يدافعون عن الطائف متمسّكين بحروفه كاملة، وبالأجزاء التي لم تطبّق منه، لأنه يشكّل مكسباً تاريخياً بالنسبة إليهم في صراعهم مع "حزب الله". وحقيقة الأمر أن الطائف انتزع سلطة من المسيحيين والمسلمين معاً، لأنه فشل في ضمان استقرار لبنان وسيادته، وفشل في تطوير نظامه ومؤسساته، وارتباط القوى السياسية اللبنانية بالخارج (السعودية وإيران بصورة خاصة) يسحب القرار الفعلي من يد اللبنانيين حتى الذين يتوهّمون أنهم يملكون السلطة، إلى أجل غير معروف (...).

وفي محاولة للتقريب بين اللبنانيين من أجل الحدّ من التوظيفات السورية في الخلافات اللبنانية – اللبنانية، سعى البطريرك إلى "مصالحة الجبل". يومها تجاوب جنبلاط مع هذا المسعى لأنه شعر بالحاجة إلى هذه المصالحة، ورغم قربه من دمشق فقد كان يشعر بالعبء السوري لأن الشوف كان قد بدأ يفرغ من أبنائه، ولأن الدروز منفردين لا يستطيعون تأمين دورة إقتصادية كاملة في الجبل، وقد استثمروا لفترة الأراضي المسيحية وبعدها أحسّوا بالحاجة إلى عودة المسيحيين. من جهة أخرى كان جنبلاط متضايقاً من الضغوط السنّية والشيعية، ومن عقود البيع العقارية التي نقلت أملاكاً للمسيحيين إلى الشيعة، فاتّخذ قراراً بمنع بيع الأراضي وأوفد إلى بكركي من يهيّئ للمصالحة. وفي بكركي كان هناك رأي يقول بضرورة فتح الباب أمام العودة ولو أنها لا تلبّي كل الشروط المطلوبة للمحافظة على كرامة المسيحيين، لأن العودة قدتسهم في تخفيف وتائر الهجرة، ولأن لا مصلحة للمسيحيين، خصوصاً مسيحيي الجبل بالتقوقع في المتن وكسروان، هم الذين تمدّدوا على مساحة لبنان كله طوال القرون الماضية.

بكل أسف أسجّل هنا حقيقة كنت شاهداً عليها وهي أن الذين تسلّموا ملف العودة في وزارة المهجرين لم يتصرّفوا بعدل وإنصاف ولم يعملوا على تشجيع عودة المسيحيين. بخلاف ذلك عملوا على استثمار ولاءاتهم السياسية والمذهبية إلا مع العودة. كان المسيحي يتقاضى تعويضات بسيطة عن الأضرار الكبيرة التي لحقت به حين تخصّص للدرزي الذي صادر أملاكه تعويضات مضاعفة من أجل إخلاء البيوت المسيحية، وقد تحوّلت المصالحة صفقات موسمية بين قرية وأخرى، بحيث يخلي الدروز بيتاً في قرية ما مقابل إغراءات مالية، لينتقل إلى قرية مجاورة ويصادر بيتاً بديلاً في انتظار صفقة جديدة، ثانية وثالثة ورابعة. لهذه الاسباب تعثّرت عودة المسيحيين إلى قراهم وأرزاقهم، لأن ما كان المهجّرون يتقاضونه لم يكن يكفي لرفع الدمار في ممتلكاتهم، في حين أن التعويضات المخصّصة للدروز كانت غير عادلة (...).

هذا الخلل لا يساعد في أي حال على إقرار قانون انتخابات عادل، ولا يساعد في السعي إلى تعديل الطائف أو استكمال تطبيقه على الأقل، لأن المستفيدين من اللاتطبيق – أي السنّة والشيعة – لا يتنازلون عن امتيازاتهم الجديدة، وقد حوّلوا الخلل الدستوري الكبير إلى "أمر واقع" يدافعون عنه ويكرّسونه بالمماطلة والمناورة وقوة السلاح. واليوم، وفي كل مرّة يتمّ تداول أفكار واضحة لتعديل الطائف، يطلع من بين الشيعة من يطالب بالمثالثة عوضاً عن المناصفة، ويطلع من بين السنّة من يقول: نحترم المناصفة شرط أن نشارك في انتخاب ممثليكم لأنكم اليوم أقلية وأنتم تراهنون على توازن في السلطة من دون أن تأخذوا في الاعتبار أن التوازن الديموغرافي قد انتهى إلى غير رجعة (...).

التاريخ: 
الجمعة, أغسطس 15, 2014
ملخص: 
ومن الواضح أن تطبيق الطائف، على الطريقة السورية، لم يكن ممكناً لولا المواجهة الدامية التي حصلت في أواخر كانون الثاني من العام 1990 بين الجيش اللبناني بقيادة عون والقوات اللبنانية بقيادة جعجع. هذه المواجهة قصمت ظهر المسيحيين ميدانياً وسياسياً ونفسياً بعد ح