نحن جاهزون، فمتى الدعوة؟

النوع: 

 

ما كان مضمراً في لوس انجلس أصبح معلناً في انطلياس. هناك فريق من اللبنانيين يقدم “عرض خدمات” الى الولايات المتحدة الأميركية. يقول لها إنه يوافق على سياستها الإجمالية بعد 11 أيلول. ويضيف أنه يتبنى طلباتها من بيروت ودمشق. ويلمح الى انه “غب الطلب” إذا برزت حاجة إليه.

أي أن هذا الفريق يقترب من الانشقاق النهائي عن التوافق المسمى “اتفاق الطائف” الذي وضع حداً للحرب الأهلية. يمكنه أن يرى سوء تطبيق الاتفاق ولكنه لم يعد معنياً بأن “الطائف”، مثل غيره، ينفذ حسب ديناميات محددة. ولقد نفذته في لبنان دينامية صاعدة قادته إلى حيث هو الآن. لم يعد هذا الفريق معنياً بكسر هذه الديناميات الداخلية لأنه يعتقد أن المنطقة داخلة في مرحلة عواصف. وهو يعتبر أن ما هو “مفروض” على لبنان إقليمياً، ومحروس داخلياً، آيل الى زوال تحت ضغط الحملة الأميركية (الإسرائيلية) الممارسة حالياً والمرشحة لتزداد عنفاً.

وبما أن دقات الساعة توحي بأن العد العكسي قد يكون بدأ، فلقد ارتفع شعار مركزي: لا بد من تحضير النفس لملاقاة التطورات الإقليمية. أي لا بد من الاستعداد من أجل امتلاك القدرة الذاتية على ترجمة الانقلاب الإقليمي الى صيغة لبنانية جديدة.

يضم هذا الفريق قوى، أو ورثة قوى، يحفل تاريخها بهذا النوع من الرهانات الذي جعلها تقود جمهورها الى الحالة البائسة التي يعيشها الآن. لم تتصور هذه القوى مرة، ولا هي تتصور الآن، ان يكون بلدها في موقع طليعي في التصدي للهجمات الغربية، خاصة أن الهجمة، في طورها المعلن عنه، شديدة الجذرية وصاحبة مشروع “تغييري” في كيانات المشرق العربي (والخليج؟).

إن قراءة سريعة لكلمات ألقيت في انطلياس ترغم على هذا الاستنتاج: لقد تقدم هذا الفريق خطوة نحو العلن وببرنامج لا يخشى من الإعلان عن نفسه.

ما معنى قول أمين الجميل إن الصراع مع إسرائيل هو عبء جرى تحميله للبنان؟ ما معنى تذاكي دوري شمعون بأن لا مجال للعمل على إخراج سوريا من لبنان “عند الأسكيمو أو في مجاهل أفريقيا” بل مع الولايات المتحدة؟ والدعوة، بالتالي، الى أن يشارك في نصف السلطة تمهيداً لانتخابات بإشراف دولي. وما معنى تنظير فيليب سالم (شارل مالك جديد؟) عن ضرورة تخليص الرهينة اللبنانية من الصراع العربي الإسرائيلي والاستفادة من الفرصة التاريخية المتمثلة في “المناخ العالمي ضد الإرهاب”؟ وهو تنظير سرعان ما يحوّل عداءه للعروبة الى “أنا” منتفخة ومريضة مدعوة، وحدها، “الى قيادة العالم العربي الى الحداثة والعالم”.

وأخيراً ما معنى دعوة ميشال عون لبنان الى ان يكون حاضراً عندما تنوي الولايات المتحدة فعل إنقاذه؟

إن ما تقدم هو إعلان جهوزية. إنه تلويح باليدين لغلاة المتطرفين في الكونغرس الأميركي والإدارة من أجل القول لهم “خذونا في الحساب” فنحن متطوعون للانخراط في مشروعكم شرط أن تطال جذريته العدوانية بلدنا و”الشقيقة” سوريا.

إن الطموح السافر لخطباء انطلياس هو أن تصلهم دعوة الى زيارة واشنطن تعاملهم معاملة وفد المعارضة العراقية الذي يحل ضيفاً هذه الأيام على إدارة تبحث في كيفية الحرب على هذا البلد وتوقيتها وسبل الاستفادة من “أدلاء” في الداخل.

غير أن هذه الدعوة تتأخر في الوصول. ليس لأن الولايات المتحدة لا تلاحظ حراكاً في بيئة لبنانية معينة يمكنها الاستفادة منه. وليس لأن السفير باتل ينفض يديه من الوباء الطائفي (بلاده تفعل عكس ذلك تماماً في العراق). وليس لأن واشنطن تتعفف عن الاستفادة من أي كان يريد منها استعماله. كلا.

تتأخر الدعوة في الوصول لأن الولايات المتحدة لا تعارض الخدمة المجانية المقدمة إليها حتى الآن والمعبّر عنها بتبني لبنانيين كل ما تطالب به في لبنان. فهذه الخدمة المجانية لا تلزم الإدارة بشيء في الوقت الراهن وتسمح لها بالمناورة وبالتحرر إذا ما اقتضت الضرورة عقد صفقات.

وتتأخر الدعوة لأن درجة الضغط الأميركي على سوريا ولبنان، في مرحلتها الراهنة، لا تستدعي التورط في نزاع مكشوف. وتتأخر الدعوة، أيضاً، لأن الخبرة السابقة مع بعض أصحاب السوابق تجعلهم غير موثوقين. وتتأخر الدعوة لأن المطلوب أن يثبت عارضو الخدمة قدرتهم على التسليم عندما يحين الوقت. وتتأخر الدعوة الى اللبنانيين، أخيراً، لأن “نموذجهم” العراقي أحمد الجلبي لن يكون هو حامد قرضاي العراق.

إن سياسة “نحن جاهزون فأين الدعوة” خطيرة. ليست خطيرة على لبنان إلا بقدر خطرها على أصحابها من اللبنانيين. دخولهم في أي مغامرة من هذا النوع سيرتد، بالدرجة الأولى والحاسمة، ضد البيئة التي يريدون إلحاق نكبة جديدة بها.

ولذا فإن المطلوب مخاطبة هذه البيئة مباشرة. مخاطبة شباب التيار العوني، والقاعدة الكتائبية، والقوات، ومن تتيسر مخاطبته من الأحرار. وتبدأ المخاطبة بسؤال لا بد منه: هل تدركون فعلاً معنى الخطوة التي أقدم عليها قادتكم في انطلياس؟ فكِّروا قبل الارتماء في الهاوية.

الكاتب: 
جوزف سماحة
التاريخ: 
السبت, أغسطس 10, 2002
ملخص: 
إن سياسة “نحن جاهزون فأين الدعوة” خطيرة. ليست خطيرة على لبنان إلا بقدر خطرها على أصحابها من اللبنانيين. دخولهم في أي مغامرة من هذا النوع سيرتد، بالدرجة الأولى والحاسمة، ضد البيئة التي يريدون إلحاق نكبة جديدة بها