أزمات سياسية ودستورية واجتماعية تؤلف معاً عقدة النظام في البلاد
وقف نائب رئيس مجلس الوزراء المهندس سمير مقبل، بقامته المديدة، وعقله الراجح، بين السياسيين، وهو يردد بأن لبنان يمر الآن في مرحلة صعبة اذا ما استمرت الأهواء مهيمنة على الأفكار، لكنها قد تصبح سهلة، في حال واكبت التطلعات الى المستقبل الآراء والواقع.
كان المهندس سمير مقبل يعلق على دعوة رئيس الجمهورية الى الحوار، ويؤكد بأن لبنان لا ينقذه من أزماته الا الحوار، وأن الرئيس العماد ميشال سليمان يدرك أن الحوار أنقذ الجمهورية من الاحتضار، وأن همه أن يترك الجمهورية سليمة، ولا يهمه غير ذلك.
وشدد المهندس سمير مقبل على أن الأزمات والمصاعب من طبيعة الأوطان، الا أن الانتصار عليها وتجاوزها من صفات هذا البلد العريق. الا ان الاهم في كلمة رئيس الجمهورية، في إفطار عيد الأضحى المبارك، هي دعوته قريباً الى طرح المشاكل الدستورية للنقاش، ولا يجوز أن نختلف على تفسير دستور البلاد، اذا كانت البلاد تواجه عثرات في حل أي أزمة، لا خارج الدستور، بل لسوء ادراكها لمعاني الدستور. وتابع: كان القانوني الفرنسي داللوز يقول إن فرنسا لم تعرف الاستقرار الا عندما توطد علم الدستور في مفاهيم المعالجات.
أما اذا استمررنا نتخاصم على تفسير الدستور ومعانيه، فهذه كارثة ينبغي لنا جميعاً تفادي آثارها السلبية على حياتنا القانونية، لأن دولة تختلف على القانون هي دولة مريضة، والمرض آفة الدول، عندما يفتك في الدستور.
وتساءل المهندس سمير مقبل، هل يمكن أن تقوى البلاد على الأزمات، وهي في خلاف دائم على العلاج؟
طبعاً، يردّ العقلاء على هذا السؤال بجواب بسيط: ان الخلاف بين اهل السياسة والحكم، هو علة العلل. وعندما نختلف على اتفاق الطائف ولا نعالج أسباب الخلاف ومبرراته فهذه هي نهاية لبنان، ونحن نسعى الى نهاية الأزمات، لا الى نهاية لبنان.
كان المهندس سمير مقبل يعقّب بمرارة على ما يصدر عن السياسيين من دعوات متناقضة وآراء متباينة حول تفاقم الأمور في البلاد، فيما لبنان بات في جحيم الفراغ، خصوصاً بعد استشراء الصراع حول تفريغ المؤسسات، ولا سيما بعد ملامسة الفراغ نفسه، كبرى المؤسسات ألا وهي قيادة الجيش اللبناني، ومروره في المؤسسات التشريعية في البلاد.
وتساءل مجدداً: إذا كان المجلس الدستوري، وهو رأس الهيئات الضامنة لسلامة القوانين، قد وقع في جحيم الجمود بعدما أصاب التعطيل مؤسسة مجلس النواب، ومر في مجلس الوزراء، وأصبح لبنان يعيش في ظل حكومة تقوم بتصريف الأعمال، وفي عصر رئيس حكومة يقوم بمحاولة تأليف حكومة المصلحة الوطنية، فماذا يُرجى من المعالجات بعدما وقعت في وهاد التعطيل. إن لبنان يواجه هذه الأيام خطر الاحتضار، ويكافح مرض الانهيار في المؤسسات.
كان الدكتور ألبير منصور، وزير الدفاع في الحكومة الأولى، بعد اعلان اتفاق الطائف، يردد قبل أسبوعين بأن الحاكمين والسياسيين يحكمون البلاد بدستور سمعوا به ولم يقرأوه أو قد يكونون قرأوا بعض نصوصه ولم يفهموه، وهذه هي علة العلل.
الآن، يضيف الدكتور ألبير منصور، مشكلة المشاكل هي تفادي الفراغ في قيادة الجيش، لأن العماد جان قهوجي سيحال على التقاعد في ايلول المقبل، وكذلك رئيس الاركان في قيادة الجيش. ومجلس النواب لا يجتمع في ظل حكومة تصريف اعمال، كما اعلن مراراً وتكراراً رئيس الوزراء المستقيل نجيب ميقاتي، واذا ما عقد مجلس النواب جلسة في ٢٩ تموز، فإن التمديد لقائد الجيش يمكن عرضه على جلسة عامة، باقتراح مقدّم من وزير الدفاع، مشفوعاً بطلب من قائد الجيش، والعماد قهوجي، كما يقولون، يرفض أن يطلب التمديد لنفسه، ليتولى الوزير فايز غصن رفع اقتراح بهذا المعنى الى مجلس النواب.
ويضيف الوزير السابق ألبير منصور: عندما كنتُ وزيراً للدفاع أعددت اقتراحاً بتعيين العماد اميل لحود قائداً للجيش ورفعته الى مجلس الوزراء، وتمت الموافقة عليه وهذا هو المخرج المتاح أمام الجميع الآن.
وفي نظر الجميع، ان البلاد تتجه الى الحياة في ظل حكومتين: حكومة تقوم بتصريف الأعمال برئاسة الرئيس ميقاتي، وحكومة مؤلفة برئاسة تمام سلام، ولا تحظى بثقة مجلس النواب، أي في ظل وضع شبيه بما كانت عليه البلاد في نهاية عهد الرئيس امين الجميل، عندما ترك رئاسة الجمهورية في عهدة حكومة دستورية برئاسة العماد ميشال عون قائد الجيش يومئذٍ، مؤلفة من المجلس العسكري، وحكومة واقعية كانت مؤلفة برئاسة الدكتور سليم الحص الذي رأس الحكومة بين عهدي الرئيسين امين الجميل والياس الهراوي بعد اغتيال الرئيس الشهيد رشيد كرامي، وهو عائد من طرابلس الى بيروت على متن طوافة عسكرية فوق المنطقة الواقعة بين البترون وجبيل.
يومئذٍ تولى الحكم عملياً حاكم البنك المركزي المرحوم ادمون نعيم واستطاع حماية الليرة اللبنانية وجعلها موحدة في ظل أوضاع مضطربة سياسياً، لكنه نجح في الحفاظ على الليرة، بوجود رئيس جمعية مصارف لبنان المهندس عبدالله الزاخم، فهل يتكرر الأمر الآن في ظل حاكم مصرف لبنان رياض سلامة؟
يقول سياسي بارز، إن الوضع الحالي مرشح للعودة الى عصر ادمون نعيم نظراً لصعوبة تجاوز الأزمة المعقدة، خصوصاً اذا ما تعذر التمديد لقائد الجيش العماد قهوجي، في ظل معارضة الرئيس العماد ميشال عون لمبدأ التمديد للمجلس النيابي أو لأي مسؤول آخر في الدولة اللبنانية.
وعلى الرغم من موافقة تيار المستقبل وحزب الله وحركة أمل على التمديد للعماد قهوجي، فإن في التيار الأزرق فريقاً يقف ضد التمديد لقائد الجيش، بسبب مشاركة حزب الله في المعارك التي خاضها الجيش اللبناني ضد الشيخ أحمد الأسير، خصوصاً بعد الصور الموثقة تلفزيونياً عما جرى في محيط بلدة عبرا حيث يقع المسجد الذي كان أحمد الأسير يتحصن فيه.
إلا أن سفر وفد من تيار المستقبل الى السعوددية الآن للقاء الرئيس سعد الحريري سيحسم هذا الموضوع، خصوصاً لناحية قبول السيد سعد الحريري بما يجري تداوله عن إمكان اعتذار الرئيس تمام سلام عن التكليف، وترشيح إما سعد الحريري أو عمّته النائبة بهية الحريري لرئاسة الحكومة، وهذا أمر مستبعد وغامض.
ماذا يحدث اذا ما أحجم تيار المستقبل عن قبول دعوة الأمين العام ل حزب الله السيد حسن نصرالله الى الحوار؟
الأوساط العليمة بالأمور تزعم أن حزب الله قد يطرح عملياً فكرة المؤتمر التأسيسي تحت عنوان تصويب الطائف أو اعلان طائف جديد، قد يتجاوب مع هذه الدعوة الرئيس العماد ميشال عون، في ضوء اللقاء الأخير الذي جمعه الأسبوع الماضي مع السيد حسن نصرالله، وتم خلاله، وفق ما يقوله المقربون، التفاهم على ما يختلف عليه الطرفان في الأمور المحلية ويتفقان عليه في الأمور الاستراتيجية، ذلك أن الطائفة السنية فهمت الطائف، على أساس نقل صلاحيات رئيس الجمهورية، من الرئاسة الأولى الى الرئاسة الثالثة، وهذا مخالف للطائف الذي أناط السلطة بمجلس الوزراء مجتمعاً لا برئيس مجلس الوزراء، كما يتبادر الى معظم رؤساء الحكومات في البلاد.
النص والتنفيذ
اجتاحت البلاد أخيراً، حالة من الفلتان الخلقي والهريان الدستوري، على صعد سياسية واجتماعية ومنها وجود فراغ في معظم المؤسسات.
ويُقال إن رئيس الجمهورية يشعر الآن بأنه مسؤول عن ضمان استمرار الجمهورية اللبنانية في ضوء توضيح المعالم الددستورية المشوبة بخلافات طائفية أكثر منها سياسية.
وعلم أن العماد ميشال سليمان يقف على معظم الدراسات، ويتوقف بشكل أساسي عند دراسات سبق وعرضها المحامس ميشال قليموس أمام مجلس الشيوخ في فرنسا وأمام الجامعة اليسوعية في بيروت.
وقد حاول المحامي قليموس الاضاءة على الثغرات الدستورية حول دور رئيس الجمهورية وصلاحياته في الدستور اللبناني.
وكان لافتاً قوله إن لبنان يعيش نظاماً سياسياً فريداً من نوعه، حيث تحوّل بعد اتفاق الطائف في العام ١٩٨٩ من نظام برلماني قائم على توازن السلطات وفصلها، الى نظام برلماني شبه كلاسيكي. والسؤال الذي يتبادر الى الذهن هو ان المشاركة في ممارسة النظام السياسي اللبناني تعني مشاركة الطوائف في ممارسة السلطة بمندوبين عنها، أم ان المشاركة الطوائفية تعني مشاركة أشخاص في السلطة لهم صفة تمثيلية طائفية اضافة الى صفة تمثيلية وطنية، سياسية واجتماعية بهدف الحفاظ على التوازن ومنع استئثار طائفة أو أكثر بالسلطة وتهميش الطوائف الأخرى؟
وبرأي المحامي نفسه انه يقتضي التوفيق هنا بين مبادئ وقواعد النظام البرلماني اللبناني ومتطلبات المشاركة الطوائفية في السلطة شرط عدم تعارض مفهوم المشاركة مع أسس النظام البرلماني الذي يعتمده لبنان.
قبل التعديل الدستوري في العام ١٩٩٠، كان النظام اللبناني نظاما برلمانيا أورليانيا حيث كانت السلطة التنفيذية يومها وسنداً للمادة ١٧ من الدستور بيد رئيس الجمهورية يعاونه الوزراء وهو الأمر الذي أدى يومها الى منح رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة حيث تحوّل الى محور النظام السياسي بحيث تعرّض هذا الموقع يومها لانتقادات سياسية كثيرة تمحورت حول كيفية تمتع الرئيس بهكذا صلاحيات دون ان يكون مسؤولا سياسيا بينما ان الحكومة كانت وحدها المسؤولة سياسيا أمام المجلس النيابي وأمام رئيس الجمهورية.
ولكن هذه الصلاحيات كانت مقيّدة أحيانا في نصوص دستورية أساسية بالواقع الطائفي لان المادة ٥٣ من الدستور وقبل تعديلها في العام ١٩٩٠ كانت تعطي رئيس الجمهورية صلاحية تعيين الوزراء واختيار رئيس لهم من بينهم، ولكن رئيس الجمهورية ومن منطلق ارادته في المحافظة على التوازن الوطني والمشاركة الحقيقية امتنع عن ممارسة هذه الصلاحية بحيث كان يجري استشارات نيابية بتكليف شخصية من الطائفة السنية الكريمة لتأليف الحكومة معه، ولقد طبّق كافة رؤساء الجمهورية هذا المبدأ منذ الاستقلال وحتى اتفاق الطائف سنة ١٩٨٩ حيث تم تعديل المادة ٥٣ المذكورة أعلاه. لأن هدف التوازن الوطني الصحيح ولمصلحة لبنان، كان لدى الرؤساء اللبنانيين أهم بكثير من التمسك بحرفية نصوص دستورية قد تؤثر على الوفاق الوطني وان هذا الواقع هو التطبيق الايجابي لمبدأ المشاركة الوطنية في النظام السياسي وكم نحن اليوم بحاجة الى تطبيق هذا الأمر على الصعيد الوطني وذلك في ظلّ الخلل الواضح حاليا في التوازن الدستوري في نظامنا السياسي. ويستطرد المحامي قليموس: من هنا تبرز أهمية العرف في الممارسة الدستورية من الناحية الايجابية علماً بأن رئاسة الجمهورية كانت سابقا محور الحياة السياسية والمرجعية الدستورية لحسم أي خلل أو خلاف ذي طابع دستوري ووطني سواء من خلال صلاحية حلّ المجلس النيابي أو من خلال صلاحية اقالة الوزراء تطبيقا لمبدأ النظام البرلماني الأورلياني. لأن رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة لا مجرد رئيس بين رؤساء، وتبعاً للتعديلات الدستورية سنة ١٩٩٠ تحوّل النظام السياسي اللبناني من نظام برلماني أورلياني الى نظام برلماني شبه كلاسيكي خاصة وان السلطة الاجرائية التي كان يمارسها رئيس الجمهورية سنداً للمادة ١٧ من الدستور بمعاونة الوزراء، تحوّلت بعد تعديل هذه المادة الى مجلس الوزراء مجتمعا وليس الى رئيسه ولكن بقيت لرئيس الجمهورية بعض الصلاحيات أهمها مشاركته سنداً للمادة ٥٣ من الدستور مع رئيس الحكومة في تأليف الحكومة اللبنانية وترؤس جلسات مجلس الوزراء ساعة يشاء واعادة القوانين الى المجلس النيابي لاعادة مناقشتها ضمن مهلة محددة سنداً للمادة ٥٧ من الدستور ومراجعة المجلس الدستوري والاعتراض على قرارات مجلس الوزراء ضمن مهلة ١٥ يوماً، اضافة الى صلاحيات أخرى منصوص عنها في الدستور.
أما بالنسبة لصلاحية رئيس الجمهورية في الطلب من الحكومة حلّ المجلس النيابي، فلقد تحوّلت هذه الصلاحية الى صلاحية مقيّدة بشروط تعجيزية وهو أمر يتعارض مع مبدأ توازن السلطة التنفيذية مع السلطة التشريعية وبالتالي تم تعطيل سلطة أساسية كان يحق لرئيس الجمهورية استعمالها لتجاوز المآزق الدستورية والاحتكام الى الشعب الذي هو مصدر السلطات من خلال انتخابات نيابية مبكرة.
لقد اقترن انتقال السلطة التنفيذية الى مجلس الوزراء الى تعزيز صلاحيات رئيس الحكومة اضافة الى تقوية موقع وصلاحيات رئيس المجلس النيابي.
كما أدت التعديلات الدستورية أيضا الى اقرار مبدأ المناصفة في توزيع المقاعد النيابية ووظائف الفئة الأولى في الدولة وعقد جلسات مجلس الوزراء بنصاب ثلثي أعضاء الحكومة.
لقد ساد الاعتقاد يومها ان هذه التعديلات سوف تؤدي الى تأمين الاستقرار الدستوري وتحقيق التوازن والمشاركة الحقيقية في البلاد، غير ان التجربة سرعان ما أثبتت عكس ذلك لأن النتائج التي انبثقت عن ممارسة النظام السياسي اللبناني الحالي أدت الى تقليص فعالية دور رئيس الجمهورية في ممارسة دوره كرئيس للدولة وكحارس وضامن للدستور كما تنص على ذلك المادة ٤٩ منه، لا بل ان صلاحيته في تشكيل الحكومة أصبحت متأثرة بالتوازنات السياسية والطائفية مما جعل من هذه الصلاحية صلاحية نسبية ومقيّدة بالواقع السياسي.
بعد اتفاق الطائف جاءت قوانين الانتخابات النيابية مخالفة لوثيقة الوفاق الوطني ولمبادئ أساسية في الدستور وفي مقدمته وبالتالي أدى هذا الأمر الى خلل جوهري وأساسي في صحة التمثيل النيابي والعيش المشترك ومبدأ المناصفة والتوازن الوطني.
أما بالنسبة لظاهرة الترويكا التي اعتمدت بعد العام ١٩٩٠ بين رئيس الجمهورية ورئيس المجلس النيابي ورئيس الحكومة، فان رئيس الجمهورية اللبنانية كان الحلقة الأضعف فيها دستوريا كما لو ان النظام قائم على ثلاثة رؤوس، وهو أمر عجيب!!.
فلقد تأثر النظام السياسي بعد العام ١٩٩٠ بصورة سلبية من جراء ممارسة الترويكا بحيث تعارضت ممارستها مع مبدأ الفصل والتوازن بين السلطات وقلّصت أهمية المشاركة الطوائفية المتوازنة في ممارسة السلطة مع الاشارة هنا الى ان رئيس الجمهورية لا ولم يتصرّف في موقعه الدستوري من موقع طائفي بل من موقعه كرئيس للدولة سنداً للمادة ٤٩ من الدستور وكضامن لأحكام الدستور علماً انه أتى الى هذا الموقع بسبب انتمائه للطائفة المارونية ولكنه لحظة انتخابه يتحوّل وعليه ان يتحوّل الى ممثل للأمة اللبنانية جمعاء كونه الوحيد الذي يقسم اليمين الدستورية، وهو أمر نتمنى أن ينسحب على بقية المواقع الدستورية التي تمثّل شعب لبنان بأسره وليس فقط طائفة معيّنة، وهنا تكمن القضية الواجب مقاربتها بروح وطنية صريحة وصادقة ومسؤولة.
إذن وتبعا لوجود الترويكا يومها، وتبعاً لتقليص دور رئيس الجمهورية في الدستور، ظهر تراجع موقع رئاسة الجمهورية كمرجعية دستورية أساسية يتم اللجوء اليها لتجاوز الأزمات التي تعترض اداء المؤسسات الدستورية.
ويقول المحامي قليموس ان النظام السياسي اللبناني معرّض أيها الأعزاء في واقعه الحاضر لأزمات خطيرة إذ أن الغموض لا يزال يكتنف بعض نصوص الدستور مما يستوجب اعادة النظر ببعض صلاحيات رئيس الجمهورية بحيث لا يتعارض هذا الأمر مع المشاركة الطائفية المتوازنة وأسس وقواعد النظام البرلماني لا بل تساهم في ضبط ادائه.
ان التعديلات الدستورية المطلوبة تمليها المصلحة الوطنية العليا باتجاه عقلنة النظام اللبناني في ضوء التجارب العديدة وصولا لاستقرار المؤسسات الدستورية وان هذا الأمر يستوجب برأيي توافقا وطنيا حراً وموضوعيا للمحافظة على صيغة العيش المشترك والتوازن الوطني الصحيح.
سنة ١٩٩٠ وبعد إقرار التعديلات الدستورية التي قيل يومها انها هدفت الى إقرار تسوية سياسية دستورية لاخراج لبنان من أزمته الداخلية فانها أدت ومن الناحية العملية والموضوعية والتطبيقية وكما ذكرنا سابقا الى الاخلال بجزء أساسي من أسس وقواعد نظامنا البرلماني وبالدور المعطى لرئيس الجمهورية بصفته رئيسا للدولة ورمز وحدة الوطن والساهر على احترام الدستور والمحافظ على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه... كما تنص على ذلك صراحة المادة ٤٩ من الدستور.
لقد أكدت مقدمة الدستور على أن النظام اللبناني هو نظام برلماني قائم على الفصل والتوازن والتعاون بين السلطات من خلال احترام صيغة العيش المشترك التي هي الشرط الأساسي لشرعية كل سلطة دستورية وادارية في لبنان. فهل ان نظامنا السياسي ملتزم بشكل صحيح بمبدأ التوازن بين السلطات وخاصة في ظلّ التعديل غير المبرر دستوريا للحق الذي كان مطلقا في حلّ المجلس النيابي والذي يجب ان يكون من الناحية الدستورية وانسجاما مع مبادئ النظام البرلماني، متوازنا مع حق المجلس النيابي في سحب الثقة من الحكومة؟.
وهل ان نصوص الدستور اللبناني حاليا تتوافق في مواد محددة منها مع الدور المحدد دستوريا لرئيس الجمهورية في المادة ٤٩ من الدستور لجهة كونه رئيسا للدولة وساهرا على احترام الدستور؟.
والأكثر من كل ذلك هل ان الصلاحيات التي لا تزال حاليا بيد رئيس الجمهورية هي في مأمن من محاولات اضعافها، وخاصة في موضوع تأليف الحكومة بصورة مشتركة مع رئيس الحكومة سندا للمادة ٥٣ من الدستور؟ لا بل انني أضيف، هل ان الموجبات الدستورية الملقاة على عاتق رئيس الجمهورية بموضوع الالتزام بالمهل الدستورية في بعض مواد الدستور، هي متوازنة على الأقل مع موجبات السلطات والمرجعيات الدستورية الأخرى؟ بالطبع كلا!.
وكذلك الأمر، اذا كانت المادة ٤٩ من الدستور تنص على ان رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة، فلماذا يقال إذن ان هناك رؤساء ثلاثة في لبنان! فمع تقديرنا الكامل للمرجيعات الدستورية ولدورها الوطني والميثاقي، أوليس هذا الأمر بمثابة المخالفة الصريحة لنص المادة ٤٩ من الدستور التي تنص صراحة على ان رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة وليس رئيسا من بين رؤساء السلطات فيها!!!
