الطائف: تَبَّ اتّفاق "الوصاية" مرسومُه التطبيقي!

النوع: 

 

الجار بالجار يذكر. وعلى ذكر الجار اللبناني، وفي معرض التأمل بما يمكن أن يكون عليه مخرج من الحرب الأهلية الدائرة في سوريا ــ بصرف النظر عن الظروف التي تحوّل معها قيام شعب للمطالبة بحريته إلى حرب أهلية ويزيد ــ والتأمل في ما يمكن أن يكون عليه حل للمسألة السورية ــ في معرض ذلكم التأمل حلا للبعض، ويحلو، أن يتساءل عن صلاح الطائف اللبناني نموذجاً يُحال إليه، ومسوّدة يستأنس بها، سعياً إلى طائف سوري أو ما يعادله.

واجب المرء، وليس حقه فقط، أن يبدأ بنفسه أحياناً؛ وتحت هذا العنوان من الأنانية لا بأس أن يُحاول اللبنانيون التأمّل في الطائف بعين سورية، مثلاً، أي بعين ترى إليه بوصفه نموذجاً، في عداد نماذج كثيرة، على اتفاق وَضَعَتْ بموجبه حربٌ أهلية أوزارَها ووُضِعَت بموجبه أوزارُ حرب أهلية. وإنْ يُسْرِع إلى البال أنَّ اللبنانيين المدعوين إلى هذا التأمل يُقْتَصرون على أولئك المُتَعَبّدين للطائف صبحَ مساء، المُسْتَمْسكين به استمساكَ فاقد الشيء بما لديه، فليس كذلك. في عداد المدعوين إلى مأدبة التأمّل هذه أولئك أيضاً، على تأتأتِهِم، مَنْ سَلَّموا بالطائف تَقيةً أو على مضض، وفي عدادهم أيضاً وأيضاً من يحسبون أنَّهم ليسوا ممن يعنيهم الأمر...

الدعوة عامّة لكنها علاوة على ذلك مجانية! فمن المهازل التي تحيط بالنقاش اللبناني في الطائف من حيث هو نص ودستور ما يتناساه اللبنانيون من أنّ الطائف، في الأصل، اتفاق لوقف نزاع مسلح فيه من "الحرب" بالمعنى المرسل للكلمة بمقدار ما فيه من "الأهلية". وهنا، الآن، ليس "النسيان" بالعذر المحل لأحد من اللبنانيين: الحرب في سوريا، وما يواكبها، بين الحين والآخر، من صحوات على ضرورة وقفها، أو تجميد بعض جبهاتها، ولو بأثمان ظالمة بحق السوريين، مشهد يحسن باللبنانيين أن يتملّوا منه إن لم يكن استذكاراً لما اقترفته أيديهم، فاستذكاراً لجانب من الملابسات التي أحاطت بـ"الطائف الاتفاق" فبإنتاج "الطائف النص".

وبناء عليه، فالأولى باللبنانيين لربما أن يسألوا أنفسهم، وبعضهم بعضاً، كيف صبروا على الطائف، بوصفه اتفاقاً تَقَمَّص بقوة قاهرة على صورة دستور خلال جلسة "تشريعية" مُسْتَعْجَلَة، استضافها "بيت الجندي داخل القاعدة الجوية في القليعات في أقصى شمال لبنان" (النهار، 6 تشرين الثاني 2011)، وشارك فيها 58 نائباً من أعضاء مجلس نواب كان انتخابه قبل خمس عشرة، وأقل ما يقال عن تمثيليته السياسية والاجتماعية إنها كانت قد تقادمت، ــ أقول: أولى باللبنانيين أن يسألوا أنفسهم، وبعضهم بعضاً، كيف صبروا على الطائف خمساً وعشرين سنة لا أن يسألوا: أين هم من الطائف، بوصفه دستوراً، اليوم، وأين الطائف الدستور منهم؟

ولا يُظَنَّنَ أن سؤال الصبر بالقليل؛ بل الأرجح أن الإعراض عنه، وعما يُفَرّخه من أسئلة، والاكتفاء من الطائف الدستور بالانهماك بما يُشْكِلُ دورياً من عناوينه ــ علماً أن ما أشْكَلَ من عناوينه منذ مطلع التسعينات حتى اليوم لا يعدّ ولا يحصى ــ هو وجه من وجوه فشل لا يبدو أن المعظم من اللبنانيين يستحي منه. فالصبر اللبناني على الطائف الذي سرعان ما تكشفت حدوده كاتفاق، وعوراته كنص دستوري، هو شقيق الروح من الصبر اللبناني، بأسوأ معانيه، على استيلاء البعث، وشركائه المحليين والإقليميين، على الدولة والمؤسسات، وفئات واسعة من الشعب أيضاً...

مقول القول إنَّ التأمُّلَ، اليوم، في الطائف، بصرف النظر عن التركة الثقيلة لسنوات الاستيلاء البعثي على لبنان، مَضاعَةٌ للوقت، وتشتيت للانتباه عن بيت القصيد. فإنْ يَكِل المرء الطائِفَ بمكيال القصد من ورائه ــ أي بوصفه اتفاقاً، في لحظة إقليمية معينة، يَضع حداً ما لنزاعٍ مُتَعَفّن، مثله في ذلك مثل اتفاقات كثيرة ــ لا يسعه إلا أن يسلّم بأن الطائف، جزئياً بفضل خنوع اللبنانيين إلّا مَنْ رحم ربي، أدّى الغرض منه وقسطه للعلى؛ وإنْ يَكِله بهذا المكيال، لا يسعه إلّا أنْ يُسَلّم أيضاً بأنّ وظيفة الطائف بعد 2005 لم تعد هي هي وظيفته قبل ذلك. ففي حين كان الطائف قبل 2005 ــ والمقصود بالطائف هنا لا الاتفاق بحد ذاته، ولا النص الدستوري، وإنما اسم الطائف، والنسبة المعنوية إليه بوصفه قولاً سواء مؤسساً، وحتى الخروج عنه أحياناً بذريعة المحافظة على "روح" القول ذاك ــ إطاراً تتصالح باسمه، وتحت نظارة البعث، مشاريع متزاحمة أصلاً ("إعادة الإعمار"/"المقاومة" مثلاً)، ازدوجت وظيفته بعد 2005 فبات، تحت عنوان ما ينصّ عليه من ميثاقية، أداة تعطيل وردع متبادل بيد البعض، وتحت عنوان ما ينصّ عليه من مناصفة، افتراضية في أحسن الأحوال، بين المسلمين والمسيحيين، أداة يتوسل بها بعض آخر في محاولته اللاهثة للاستدراك على خسائره المتراكمة خلال الحرب وخلال سنوات الاستيلاء البعثي المباشر.

لعل هذا الازدواج المستجد في وظيفة الطائف، منذ عام 2005 وصاعداً، أن يكون أحد المفاتيح التي تفتح مغاليق ما نتجامل في وصفه بـ"الحياة السياسية"، غيرَ أنَّ هذا الوجه الدلاليَّ لا يُطفف في شيء من شرعيّة التساؤل عما يُبْقيه هذا الازدواج في الوظيفة من الطائف ــ اتفاقاً أولاً ونصاً على سبيل الاستطراد.

* * *

في الكلمة الافتتاحية التي مَهّد بها الرئيس حسين الحسيني لأعمال مؤتمر الطائف عدّد جملةً من "الطرق المسدودة" التي ينبغي للمجتمعين تجنّبها؛ "ومن الطرق المسدودة [التي نصح بتجنبها أنْ يتجه المؤتمرون إلى] الجمع والتلفيق بين المطالب المتضاربة المتناقضة لكل الفئات وأن نتوهَّم من بعد أن في ذلك صلاحاً للمجتمع وقياماً للدولة". لقد يتسمح المرء فيتمَحَّل أعذاراً مُخَفّفَة للبنانيين الذين أرهقتهم الحرب فارتضوا، مطلع التسعينات، على بيّنة أو على غير بيّنة، سِلْماً كما اتّفق وبأيّ ثمن. أما اليوم، واليوم هذا قد بدأ فعلياً عام 2005، فمن باب الشرّ المطلق أو الغباء المطلق أن يمضي اللبنانيون في هذا "الطريق المسدود" قدماً ــ وهو طريق مسدود ليس فقط بسبب من العيب الموصوف في الاستشهاد أعلاه، ولكن لأنَّ الطائف لا ينفصل عن سيرته، أي عن ملابسات إنتاجه، ولا ينفصل عن متعلقاته، وأول هذه المتعلقات أنه اتفاق تَنْزِلُ النظارةُ عليه، و"الوصاية" على المتَّفقين بموجبه، منزلةَ المرسوم التطبيقي، ولا ينفصل عما يلفّ من غموض، ومن التباس، العديد من مواطن كلامِهِ الجوهري ــ علماً أنَّ إشهارَ بعض اللبنانيين تنبههم إلى مَواطن الغموض والالتباس لا يخلو في توقيته من عبرة ودلالة، وخير مثال على ذلك المقترح الثامن من مقترحات تعديل الدستور التي فصّلها الرئيس السابق ميشال سليمان في خطبة الوداع (24 أيار الماضي)، والذي جاء فيه: "تحديد الحالات التي يفقد فيها كلّ من مجلس النواب ومجلس الوزراء شرعيته لمخالفته الفقرة "ي" من مقدمة الدستور"، والفقرة "ي"، للتذكير، هي التي تنص على أنّه "لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك"!

عَوْدٌ على بَدء إذاً؟ بل الأوْلى عَودٌ على سوريا، وعلى الطائف بوصفه نموذجاً يُزَيَّنُ للبعض الاستئناسُ به في معرض اقتراح مشاريع حلول سياسية تمهد لأن تضع الحروب السورية أوزارها: ماذا يمكن السوريين أنْ يستفيدوا من الدرس اللبناني؟ بناء على ما تقدم: ليس الكثير... أو الكثير الكثير. ليس الكثير إن طلبوا في "التجربة اللبنانية" نموذجاً يُحْتذى (أو أمَلوا أن يُحْسن اللبنانيون الوصاية عليهم!)، ولكن الكثير الكثير إنْ صَدَقوا أنفسهم في إحصاء كَمْ كلَّفهم من عُمْر ضائع، ومن هوان وضَعَة، ما صَبَروه، شأن جيرانهم اللبنانيين، على استيلاء البعث عليهم، وما صَبَروه على استيلاء البعث، باسم الطائف، على لبنان. ولأن من صالح الدعاء أن يتمنى المرء لا لأخيه بل لعدوّه أيضاً أن يُرْفَعَ عنه ما لا يُحِبّ أن يُصيبه من بلاء، فأقلّ حقّ السوريين على اللبنانيين ألّا يدعو عليهم بالطائف...

الكاتب: 
لقمان سليم
التاريخ: 
السبت, ديسمبر 27, 2014
ملخص: 
لعل هذا الازدواج المستجد في وظيفة الطائف، منذ عام 2005 وصاعداً، أن يكون أحد المفاتيح التي تفتح مغاليق ما نتجامل في وصفه بـ"الحياة السياسية"، غيرَ أنَّ هذا الوجه الدلاليَّ لا يُطفف في شيء من شرعيّة التساؤل عما يُبْقيه هذا الازدواج في الوظيفة من الطائف ــ ا