الهروب إلى خيبة!

النوع: 

 

أما وقد منح الاجتماع الماروني الموسع في بكركي اخيرا الاقتراح الانتخابي لـ”اللقاء الارثوذكسي”الناشىء مشروعية التوقيع بالاحرف الاولى المبدئية على طرح يجنح الى تمثيل طوائفي صرف”صاف”، فلم يعد ممكنا تجاهل الصدمة السلبية الغالبة التي اثارها هذا التوجه بصرف النظر تماما عن قابليته للحياة او للموت في مهده.

المعني بهذه المقاربة ليس اصحاب الاقتراح ولا من يؤيدونه ولا من يعارضونه، بل حصرا مبدأ انتخاب كل طائفة نوابها مقترنا بخصوصية موصوفة هي انبعاثه من البيئة المسيحية.

هو اقتراح صادم اولا لانه ينطوي على نزعة جذرية للاحتكام في الانتخاب الى الطائفة وحتى المذهب، لكنها نزعة مبررة بواقعيتها الجارحة المفرطة متى قيست بعمق الاعتمال المسيحي المديد حيال التهميش منذ ما بعد الطائف وعصر الوصاية وصولا الى الظرف الراهن والذي يتحمل مسؤوليته لاعبون خارجيون وداخليون، ومسيحيون ومسلمون. وفي كل الاحوال لا يجوز ضرب الصفح عن هذا الاعتمال وتجاهله خصوصا انه انفجر انفجارا هائلا مع الحروب المكتومة والعلنية بين السنة والشيعة. فلا يمكن المسلمين استفظاع نزعة جذرية راديكالية عند المسيحيين متى استحكمت فيهم كل هواجس المصير بازاء ما يجري في لبنان والمنطقة.

وهو توجه خطير ثانيا لانه يحمل فعلا بذور سابقة تمس مسألة ميثاقية من الدرجة الاولى. فلا يمكن التوفيق على سطح واحد بين التمسك بالمناصفة وفق ما يفرضها اتفاق الطائف، ومن ثم استحداث آلية انتخابية تناقض الطائف نفسه الذي ينزع اي شرعية عن اي سلطة لا تتمثل فيها شكلا ومضمونا العناصر الواجبة للعيش المشترك المختلط على غرار ما يجنح اليه الانتخاب الطوائفي الصرف.

ثم هو اقتراح مخيب ثالثا لانه يظهر المسيحيين مظهر المتقهقر الى الوراء او الهارب الى الخلف امام اخطار محقة وداهمة يفترض ان تدفع بهم الى استشراف تاريخهم الطليعي في الهجوم الى الامام. ثمة الكثير مما يمكن ادراجه في اطار المنطق التبريري لهذا الاقتراح اذا كان المراد ان يلتحق المسيحيون بآفة المذهبية المتقوقعة. ولكن اي تبرير تملكه قوى 14 آذار مثلا في حال تبنيها هذا الاقتراح لثورة الارز في بعدها التوحيدي؟ واين ذلك التحالف المعمد بالخط الممانع داخل قوى 8 آذار فيما لو ذهبت هي الاخرى في هذا المسلك؟ والاهم من الاثنين، اي اتجاه اصلاحي للنظام والاجيال الشابة يقدمه هذا الاقتراح ما دام يستند على الامعان في تطييف النظام ومذهبته ولا يجرؤ على“الهروب”المعاكس الى العلمنة الشاملة؟

اذا كان المقصود حشر الشركاء، فليحشروا بطرح طليعي علماني. واذا كان المقصود تحسين التمثيل المسيحي فليتفق قادة المسيحيين اولا على البديهيات الاصلية الاهم من الانتخابات، وفي مقدمها مشروع الدولة. وما عدا ذلك هروب الى الخلف بخطورة متعاظمة، ولا شيء غير ذلك.

الكاتب: 
نبيل بو منصف
التاريخ: 
الاثنين, ديسمبر 19, 2011
ملخص: 
اذا كان المقصود حشر الشركاء، فليحشروا بطرح طليعي علماني. واذا كان المقصود تحسين التمثيل المسيحي فليتفق قادة المسيحيين اولا على البديهيات الاصلية الاهم من الانتخابات، وفي مقدمها مشروع الدولة. وما عدا ذلك هروب الى الخلف بخطورة متعاظمة، ولا شيء غير ذلك.