هل سيسقط الطائف؟!

النوع: 

 

لماذا اللف والدوران؟ جربنا الكذب كثيراً، ولم ننجح. فلنقل الحقيقة ولو لمرة: بين عدم انتخاب رئيس جديد ووصول رئيس ضعيف، الخيار الاول أفضل. ففي نظام سياسي بات قائماً على خرق الدستور والقوانين عمودياً وأفقياً، لا بد من وقفة صريحة مع الرأي العام: لا نريد انتخابات رئاسية، إلا إذا كان المراد إيصال الرئيس الأقوى لإصلاح الإعوجاج.

هذا هو المنطق الذي ينبغي أن يحكم التعاطي مع الاستحقاق المؤجل. أما المزايدات السياسية في الموضوع الرئاسي، فلا تعدو كونها مضيعة للوقت، في انتظار تطور خارجي ما، يفضي إلى تسريع الأمور، واستلحاق المؤخر.

فما الفرق بين الشغور، وبين أن يكون أشخاص لا صفة تمثيلية لهم رؤساء، أو صفتهم التمثيلية ضعيفة؟ وماذا يقدم أو يؤخر على رأس الدولة، وصول قائد جيش أو حاكم مصرف مركزي أو وزير سابق أو أستاذ جامعي أو زعيم إقطاعي يسبغ على أنصاره صفة "الحزب" أو "التيار"؟ الجواب الوحيد الذي يفكر به كثيرون من دون أن يقولوه واضح: لا شيء، باستثناء احتمال تسجيل تراجع إضافي عام، عوض تحقيق الوثبة النوعية المأمولة.

في كل الأحوال، وبعيداً من المزايدات السياسية والطائفية والمذهبية، أو الخطاب الشعبوي الذي يمارسه البعض ويتهم الآخرين بإتقانه، إن ما يجري اليوم على الصعيد السياسي في لبنان هو أكثر من طبيعي.

فنحن اليوم، بكل بساطة، في مرحلة إنتقالية بين مرحلتين: مرحلة لبنان المحتل من قبل سوريا، ولتلك المرحلة رعاتها الإقليميون وأدواتها الداخليون ودستورها وما إلى ذلك... ومرحلة أخرى لا تزال مجهولة المعالم، لكن من الطبيعي أن يصبح لها رعاة وأدوات ودستور، وكل ذلك في طور التبلور الآن.

وفي انتظار انقشاع الرؤية على هذا الصعيد، يبقى الأكيد أن اتفاقَ الطائف في ذاكرة اللبنانيين المسيحيين هو اتفاقُ الغالبِ والمغلوب، واتفاقُ إذعان بعض المسيحيين، وهو خصوصاً، الاتفاقُ الذي جـمّـد حرب التحرير، وفتح حرب الإلغاء.

لكن، إثرَ تحويلِ اتفاقِ الطائف دستوراً ونظاماً، وبعد انسحاب الجيش السوري، تعامل معه القادةُ المسيحيون المعترضون كأمر واقع، على أملِ تحسينِه تدريجاً حسب متطلباتِ الحكمِ ومقتضيات الظروف. والبنودُ التي يطالبُ المسيحيون اليوم بتعديلِها في اتفاقِ الطائف إجرائـيّـةٌ لا ميثاقـيّـة، ولا تتعلّق بالدولةِ أو بالوطن. إنها مجرد تعديلات تهدفُ إلى تأمينِ حسنِ سير أعمالِ الدولة لكي تتمكنَ من تقويةِ دعائمِ الوطن وثَباتِ الميثاق. أما البنودُ التي يَخرقُـها الآخرون يومياً، فهي ميثاقـيّـة لا إجرائـيّـة وتمنع قيامَ الدولةِ وتَـألقَ الميثاق.

وحين يطالبُ قادةٌ مسيحـيّـون في 8 و14 آذار وما بينهما بتصويبِ أو تطوير أو تعديل البنودِ الإجرائـيّـةِ في اتفاق الطائف، لا يجوز أن يُشهَرَ ضِدَّهم سيفَ تعديلِ البنود الميثاقـيّـة كإعادةِ النظرِ بنهائـيّـة الوطنِ والمناصفة. مثلُ هذه الردودِ تكشفُ ضُعفَ الروحِ الميثاقـيّـة بين اللبنانيين، كأنَّ ولاءَ البعضِ للبنان مرهونٌ بصلاحياتٍ طائفيةٍ ومذهبية لا بإيمانٍ ثابت بالوطن، وبالسيطرةِ على الدولة لا بالمشاركةِ والمساواة.

والمؤسف، أن حملاتٍ إعلاميةً وسياسيةً وتخوينـيّـة تُـنظَّم ضد الذين يَنشدون المساواة، في حين لا يعلو صوتٌ ضد المجاهدين للهيمنة، وضِد الذين نحروا الطائفَ طَوال ربع قرن...

إن السياق الراهن للأحداث، ولاسيما تجاهل المضمون الميثاقي لاتفاق الطائف، لناحية الإمعان في طعن الشراكة القائمة على المناصفة، لا يمكن أن يؤدي إلا إلى إسقاط الطائف... ليس بالسعي، بل بالصيرورة، وفق التعبير الشهير للعماد ميشال عون.

الكاتب: 
جاد أبو جودة
التاريخ: 
الثلاثاء, ديسمبر 15, 2015
ملخص: 
إثرَ تحويلِ اتفاقِ الطائف دستوراً ونظاماً، وبعد انسحاب الجيش السوري، تعامل معه القادةُ المسيحيون المعترضون كأمر واقع، على أملِ تحسينِه تدريجاً حسب متطلباتِ الحكمِ ومقتضيات الظروف. والبنودُ التي يطالبُ المسيحيون اليوم بتعديلِها في اتفاقِ الطائف إجرائـيّـةٌ