مجلس الشيوخ في زمن الصراع الانتخابي... طرحٌ جديّ أم قنبلة إعلامية؟
جدالٌ حامٍ يسيطر على المناخ السياسي اللبناني، فبين النسبي والمختلط وقانون الستين لا يزال الأطراف السياسيون يتصارعون علَّهم يتمكَّنون من المحافظة على مصالحهم والذود عنها. وفي وقتٍ يتمسك "التيار الوطني الحر" بالنسبية، يقف النائب وليد جنبلاط على النقيض منه معتبراً أنَّ قانون الانتخاب يجب أن يؤمن التوازن الدقيق في التمثيل السياسي والمناطقي، وأن ينسجم مع اتفاق الطائف، لتترجم لاحقاً هذه الرؤية برفض "الحزب التقدمي الاشتراكي" لأي صيغة نسبية، وبربط القبول بها بتطبيق اصلاحات أساسية في اتفاق الطائف كالغاء الطائفية السياسية وقانون الأحزاب وانشاء مجلس الشيوخ.
وتوقف المراقبون عند التذكير "الاشتراكي" بمجلس الشيوخ الذي يعود ترؤسه عرفاً الى الطائفة الدرزية. وهو المجلس الذي نصَّت على إنشائه الفقرة السابعة من قسم الإصلاحات السياسية في وثيقة الوفاق الوطني-اتفاق الطائف. وقد جاء فيها أنه: "مع انتخاب أول مجلس نواب على أساس وطني لا طائفي يستحدث مجلس للشيوخ تتمثل فيه جميع العائلات الروحية وتنحصر صلاحياته في القضايا المصيرية". ولكن لم يُشر إلى أنَّ رئاسة هذا المجلس تعود للدروز. وبعدما كان هذا الطرح في غياهب النسيان عاد في عام 2016 إلى العلن خلال جلسات الحوار التي دعا إليها رئيس مجلس النواب نبيه بري في عين التينة. فما هدف توقيت الكلام على إنشاء مجلسٍ للشيوخ بعد مرور 27 عاماً على الطائف؟ ولمَ يتمسَّك الاشتراكي به؟ وهل لذلك قدرة على تعزيز التمثيل الدرزي في النظام السياسي لاسيّما مع تكثيف حضور المطالبة بالنسبية في المشهد السياسي؟
الوضع عام 1989 مختلف عن 2017
مثل أي قضية في لبنان كل الخلافات هي من باب "لزوم ما لا يلزم" وكمَن "يفسِّر الماءَ بالماء" لأنَّ ما كان يلائم الوضع اللبناني عام 1989 مختلف عن العام 2017. ففكرة إنشاء مجلس الشيوخ تحتَ ستار إلغاء الطائفية لا يجوز أن يكون مناسبة لفرز الطوائف، بل يحتاج إلى مقاربة لبنانية في إطار المجتمع اللبناني الضامن للوحدة والتعدد. وهو جزء من الخطة الواردة في المادة 95 من الدستور اللبناني والتي تنص على إنشاء هيئة وطنية تضع أسساً لتخطي الطائفية، وطرح إنشاء مجلس للشيوخ بمعزل عنها يعتبر اجتزاءً للفلسفة العامة للدستور اللبناني وللمادة 95. في هذا الإطار، يلفت أحد الخبراء الدستوريين في حديث لـ"النهار" إلى أنَّ "مَنْ يريد درس مجلس الشيوخ في لبنان يجب أن يتجرد تماماً من البرمجة الذهنية لمجالس الشيوخ في بلدان أخرى حيث عملُها يأتي كغرفة ثانية لمجلس النواب. أما في لبنان، فيجب النظر إليه في إطار إدارة التعددية الدينية والثقافية وضمان حقوق الطوائف بما يتعلق بالمواد 9 و10 و95 من الدستور، المرسخة للقيم اللبنانية والسلم الأهلي".
"وقبل الخوض في التفاصيل، لا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ ربط الطوائف بالمراكز السياسية عُرف متوارث غير منصوص عليه في الدستور اللبناني بدءاً من مارونية رئاسة الجمهورية، مروراً بشيعية رئاسة مجلس النواب، وسنية رئاسة الوزراء وصولاً إلى درزية مجلس الشيوخ. وتنصّ المادة 49 من الدستور على إعطاء رؤساء الطوائف الحق في مراجعة المجلس الدستوري حصراً في الشؤون المتعلقة بالأحوال الشخصية والتعليم الديني. وهذه ضمانة إضافية للطوائف والحريات بشكل عام في لبنان. ولكن نخشى أن يتم تنظيم مجلس الشيوخ (senator) مع ضرب روحية الميثاق اللبناني، إذ ينتخب المقترعون من الطوائف المتعددة ممثلين لهم من أبناء طائفتهم ومذاهبهم مما سيؤدي إلى فرز اللبنانيين، وهذا مخالف تماماً لكل روحية النظام الانتخابي ولطبيعة المجتمع اللبناني الذي هو في حال من الاندماج في العلاقات اليومية والتواصلية".
نسأله عن صلاحيات مجلس الشيوخ، فيشير إلى أنَّ "صلاحيات هذا المجلس محصورة ببعض القضايا، وهذه القضايا يجب استخلاصها من مجموعة بيانات القمم الروحية المنفصلة أو المشتركة، كما من المادة 65 من الدستور التي تحدِّدُ 14 قضية يقتضي التوافق عليها من ¾ أعضاء مجلس الوزراء".
بعض القوى السياسية يتلطى خلف عنوان الإصلاح
"لسنا نطرح تشكيل مجلس الشيوخ من منطلق طائفي أو مذهبي لتحسين حصة الدروز في السلطة السياسية، بل لنذكِّر بأنَّ هذا المطلب ورد في اتفاق الطائف كأحد البنود الإصلاحية السياسية لإخراج النظام السياسي من حالة الطائفية السياسية التي باتت تتجذَّر أكثر"، هذا ما يؤكده مفوض الاعلام في الحزب "التقدمي الاشتراكي" رامي الريس في حديث لـ"النهار"، معتبراً أنَّ "النقاشات التي وصلت إليها مشاريع القوانين الانتخابية تدل على ذلك، كأن المطلوب أن تصبح الحياة السياسية بلوكات طائفية حيث يُمنع على طائفة أن تتناول ولو حتى بالكلام واقع طائفة أخرى. والحديث عن أنه يجب على كل طائفة أن تنتخب نوابها وتحسين مستوى التمثيل على الأساس الطائفي يؤكد هذا التوجه. من هنا، كان خيار العودة إلى اتفاق الطائف الذي تناول الإصلاحات السياسية من بينها إلغاء الطائفية السياسية عبر إنشاء مجلس الشيوخ".
يشير الريس إلى أنَّ "أهمية هذا المجلس لا تهدف إلى تحسين التمثيل الدرزي في السلطة بل يسمح بتمثيل الطوائف كافة وتبديد هواجسها ومخاوفها، إذ إنَّ صلاحياته تتناول قضايا وطنية ومصيرية كبرى تؤمن مشاركة كل الطوائف في صوغ القرارات الوطنية. وبالتالي لا تصبح الطوائف خائفة ومتوجسة من بعضها البعض، وبالتوازي تُحرَّر الحياة السياسية من التمثيل الطائفي والمذهبي مما يجعل العمل التشريعي أكثر انسيابية والتصاقاً بخدمة الناس بصرف النظر عن الانتماء الطائفي والمذهبي".
المس بالتوازنات أدَّى إلى دورات من العنف
إنْ تراجعت الأطراف السياسية عن المطالبة بالنسبية، فهل تتخلون عن مطلبكم بإنشاء مجلس للشيوخ؟ يجيب: "لم نتراجع يوماً عن المطالبة بإنشاء مجلس للشيوخ وتطبيق الإصلاحات السياسية المنصوص عليها في الطائف. ولكن يبدو أنَّ بعض القوى السياسية يتلطى خلف عنوان الإصلاح وتوهم الناس بأنها تريد الإصلاح بينما هي تحمل المقص الانتخابي وتوّزع الدوائر على حسب مصالحها ونفوذها بغية توسيع حصتها النيابية. لذلك، إذا كان هناك من عودة إلى النسبية التي سبق وطرحها كمال جنبلاط منذ 40 عاماً، والتي ربطها بسلة إصلاحات كاملة، يجب أن نتجه إلى ورشة إصلاحية كاملة تضمّ سلة إجراءات. ومن ثمَّ يمكن النظر إلى النسبية والمختلط والأكثري عبر مقاربة وطنية شاملة حيث يكون الأطراف كافة مشاركين في موضوع الإصلاح".
إذاً، هل تقاربون المسألة من منطلق ان هناك سعياً لإقصاء الدروز؟ "المسألة ليست إقصاءً لكن ثمة خصوصية درزية معيّنة مرتبطة بتركيبة النظام السياسي في لبنان، القائم على التعددية والتنوع وأيضاً على توازنات داخلية دقيقة. وقد أثبتت التجارب السابقة أنَّ المس بهذه التوازنات أو الإخلال بها يؤدي إلى توتر وتشرذم، وفي بعض الأحيان إلى دورات من العنف. لذا، نقول بأنه لا بد من أخذ هذه الإجراءات. كما أنه من حق الحزب الاشتراكي الحفاظ على وجوده السياسي، هذا الحزب الذي قدَّم ورئيسه تضحيات استثنائية خلال السنوات الماضية على مستوى حماية الاستقرار وإنجاز المصالحات السياسية وتثبيت صيغة العيش المشترك بين اللبنانيين".
