عهد عون على المحك والغاء المادة 28 ضروري
بعد يومٍ طويل من استماع رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري الى مطالب الكتل والتكتلات النيابية الكبرى، تبدو الصورة الحكومية المقبلة على شاكلة حكومات «الوحدة الوطنية» السابقة حيث ستتمثل معظم الكتل التي بلغت عتبة ال 4 نواب، كل نسبة الى حجمه. ورغم أن الاتجاه كان واضحاً لدى معظم قيادات الصف الاول في قضية تمثيل «الجميع» في الحكومة العتيدة والتي من المتوقع أن تستمر الى اواخر عهد رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، الا أن هذا المسار في تأليف الحكومة سوف يعطل الحياة الديموقراطية في لبنان، وبذلك لن يتمكن مريدو مكافحة الفساد وتقويم عمل مؤسسات الدولة من تحقيق وعودهم واهدافهم في اصلاح الدولة اللبنانية بمختلف مؤسساتها.
لزوم تعديل المادة 28 من الدستور
لم يعد من الممكن استمرار توزير النواب المنتخبين، اذ ان هؤلاء انتخبهم الشعب اللبناني لاداء مهامهم في المجلس النيابي في التشريع والتقرير في الامور الوطنية والسيادية والقيام بمراقبة عمل الحكومة والوزراء ومساءلتهم عند اللزوم وصولاً الى طرح الثقة بالحكومة او باحد الوزراء منفرداً. فكيف لنائب تم توزيره أن يسائل نفسه؟ أو أن تتقدم الكتلة النيابية التي ينتمي اليها النائب - الوزير بمراقبة عمله ومساءلته داخل المجلس النيابي؟ هذا في العمل الرقابي. أما كيف لنائب يقوم جزء اساسي من مسؤولياته على التشريع أن يتفرغ لوظيفة أخرى، بأقل الاحول تمنعه من القيام بعمله بحكم الوقت والمسؤوليات وبأكثرها تتناقض مع مهمته الاساسية في المجلس النيابي ومع المادة «ه» من مقدمة الدستور اللبناني والتي تنص على مبدأ الفصل بين السلطات.
غير أن الطامعين في مهامٍ متعددة في البرلمان ومجلس الوزراء يستندون الى النص الصريح والواضح للمادة 28 من الدستور والتي تقول: «يجوز الجمع بين النيابة ووظيفة الوزارة. أما الوزارء فيجوز انتقاؤهم من المجلس النيابي أو من أشخاص خارجين عنه أو من كليهما». ورغم أن هذه المادة لم تحدّث منذ 8/5/ 1929 ورغم أن مبدأ الفصل بين السلطات كان في الدستور الاول للجمهورية اللبنانية واعيد التاكيد عليه في مقدمة الدستور التي اضيفت الى الدستور اللبناني كجزء لا يتجزء منه في 21/9/1990 بعد اتفاق الطائف، الا أنه لم يعمل بها وبروحها. اذ إن المشترعين والاحزاب والشخصيات الراغبة بالمهمتين النيابية والوزارية معاً، يعتبرون أنه لو وجدت نية لدى المشترع آنذاك بادخال تعديل على المادة 28 من الدستور لكان قام بالمهمة وأنهى الموضوع. غير أن عدم قيام المشترع بذلك ووجود نص صريح في الدستور يسمح بالجمع بين النيابة ووظيفة الوزارة يمنع اي اجتهاد في الدستور ويجعل من المادة 28 نافذة لحين تعديلها.
العهد ومكافحة الفساد
لا يقبل أي عقل أو منطق سليم أن يكون مجلس الوزراء اللبناني صورة مصغرة عن المجلس النيابي، اذ بذلك تعطيل كلي لدور المجلس الرقابي على الحكومة، ولا يجوز أن تكون الحكومة الثانية في عهد العماد ميشال عون كسابقاتها، خصوصاً مع وعد عون وفريقه السياسي أن العهد سيبدأ بعد الانتخابات النيابية. اذ انه بالشكل اذا قام تيارعون بتوزير نواب يكون قد تراجع عن قانون اقترحه فريقه السياسي بفصل النيابة عن الوزارة وعن وعد اطلقته السيدة ميراي عون مستشارة الرئيس وكريمته بأن التيار لن يوزر نواباً في الحكومة المقبلة. أما في المضمون، فان العهد سيسجل انتكاسة جديدة من باب محاربة الفساد واستقامة العمل السياسي. فبدل أن يكون فريق العماد عون السياسي مثالاً للقوى الاخرى، نرى أن حزب القوات اللبنانية وتيار المستقبل وحزب الله تقدموا عليه بالاعلان مسبقاً عن رفض توزير نوابهم. كما أن توزير العهد وفريفه السياسي لنواب منتخبين سوف يعطي وزراءهم حصانة نيابية في وجه المحاكم اللبنانية مع ما يتضمنه ذلك من عدم قدرة الدولة اللبنانية وقضائها على ملاحقة اي وزير- نائب مثلما جرى مع وزير الاتصالات في حكومة تصريف الاعمال الحالية جمال الجراح الذي احتمى ضمناً يحصانته النيابية عندما رفض المثول امام المدعي العام المالي القاضي علي ابراهيم والادلاء بافادته في قضية الالياف الضوئية وشركتي «ج.د.س.» و «ويفز».
الحل: الغاء الطائفية السياسية وحصر تمثيل الطوائف في مجلس الشيوخ
اذا كان العهد جاداً في اجراء اصلاح جذري في الدولة والنظام اللبناني، ونحن نعتبر أن العماد عون صادق وجاد في وعوده، فما عليه سوى أن ينفذ ما اتى في مقدمة الدستور من الغاء الطائفية السياسية ما يؤدي حتماً الى اخراج الطوائف من مجلسي النواب والوزراء وحصر تمثيلهم في مجلس الشيوخ الذي نص على انشائه اتفاق الطائف. وبذلك يكون لبنان تخلص من الحتمية الدائمة لتمثيل كل زعماء الطوائف في سلطتيه التشريعية والاجرائية وعندئذ يستقيم عمل المؤسسات في المستقبل، اذ لا تكون احداها صورة مصغرة للاخرى كما يجري حاليا بين مجلسي النواب والوزراء. في هذا الاتجاه يكون عهد العماد عون قد خطا خطوة عملاقة الى الامام، وكل كلام خارج هذا المنحى ليس سوى مضيعة لوقت لبنان واللبنانيين والفرصة الاستثنائية التي يمثلها العماد عون في شخصه الجامع لكل الاطياف في البلاد.
