المؤسسات أولاً ويقظة وطنية علاجية
الحاجة الملحة في لبنان في هذا الزمن بالذات هي إلى انقاذ الدستور وقواعده من التلوّث والانتهاك، والى خطاب واضح ومؤسسي وتنظيف العقول والإتعاظ من الماضي. أنجزنا في لبنان المرحلة أو المراحل التأسيسية. من يريد العودة الى الوراء فهو يغامر من جديد. ليعرف – اذا كان لا يزال لديه بعض الادراك – ان الكلفة ستقع على الجميع ومن دون انتصار في وطن الانتصارات الداخلية المستحيلة أو المفخخة أو المجيّرة للخارج.
أبدي أربع ملاحظات:
1- لا معضلة دستورية جوهرية في لبنان اليوم: ليس لبنان في مرحلة انتقالية مثل مجتمعات عربية أخرى. أنجز لبنان بناءه الدستوري التأسيسي واستنفذه بالخبرة والمعاناة ومن خلال وثيقة الوفاق الوطني-الطائف.
اللبنانيون في معظمهم لا يملكون الذاكرة الدستورية. لا يتذكرون المخاض العسير لانتاج وثيقة الطائف التي جاءت ثمرة اختبار ذاتي لبناني أصيل، باستثناء البند المتعلق بانسحاب القوات السورية من لبنان. لا بل هم يسعون لإعادة النظر في الأمور التأسيسية، تمامًا مثل زوجين يعيدان يوميًا النظر في عقد زواجهما! هذا أمر مستهجن لأن اعادة النظر في المواثيق تتضمن خرقاً للتعهدات. الميثاق هو، في اللغة العربية، ما يربط ويوثق. انه تعهد. من البديهي ان يعيد زوجان النظر في مصروف البيت أو أسلوب تربية الأطفال أو ديكور منزلهما... ولكن ليس بديهيًا أن يُعيدا النظر في العقد التأسيسي... مع كل شاردة.
المطالبات بتعديل الطائف تعيد إنتاج حرب داخلية مع تدخّل كل الفرقاء والفاعلين، الإقليميين والدوليين، لأنها ستشرع الأبواب والشبابيك، سلبًا أم ايجابًا، على الأشقاء وأبناء العم، وعلى العدو الذي سيعتبر نفسه، كما سواه، معنيًا بأيّ تقسيم للبنان، أو إرساء دولة ذات أرجحية دينية، أو بتأسيس فيديرالية جغرافية. إن اعادة النظر في العقد التأسيسي ستكون نتيجتها إستجلاب حرب داخلية على لبنان مع تدخل خارجي، ومن دون ضمان ببلوغ... نتيجة أفضل (أنطوان مسرّه، جذور وثيقة الوفاق الوطني-الطائف (22/10/1989 و5/11/1989) والتعديل الدستوري (21/9/1990)، بيروت، المؤسسة اللبنانية للسلم الأهلي الدائم، سلسلة "وثائق"، رقم 4، المكتبة الشرقية، 2006، ص 510).
الخطورة القصوى اليوم في تفريغ المؤسسات هي فيديرلة أمر واقع في لبنان والقضاء على لبنان الموحّد، لفترة زمنية غير معروفة، مع أوضاع نزاعية وممتدة في "لبنان الساحة".
نشأت في لبنان ونمت فئات وتنظيمات ايديولوجيتها وسياستها وتنظيراتها، بدعم من أكاديميين مخدوعين أو متواطئين، التعطيل وتعسُّف أقلية déni de minorité تحت ستار أبحاث راقية في العلم الدستوري المقارن يتم تلوثها يوميًا. لا توجد عبارة تعطيل في أيّ فقه قانوني لأن القانون هدفيته تسيير الأمور. ورد في الدستور اللبناني وصف للسلطة التنفيذية بأنها سلطة "اجرائية". تعني عبارة اجرائية، وفق "لسان العرب"، جعل الأمور "تجري"، أي تسير، تمشي! ليس للحكومة صفة تمثيلية وإلا تتحوّل الحكومة الى برلمان مصغّر ويتعطل مبدأ الفصل بين السلطات... ومن دون قرارات!
يعيش اللبنانيون في جوّ يغمره الاشمئزاز والغضب والحزن، ويسيطر عليه ابتذال لقيم الجمهورية وابتزاز أمني. يميل مثقفون ودستوريون ومتلاعبون بالعقول ولبنانيون مخدوعون الى اعتبار ان لبنان يعاني من أزمة "مؤسسات"! يعودون بذلك الى مقولة النظام السياسي الطائفي، واتفاق الطائف، وتُعتمد عبارات فلسفية وقانونية، فتُذكر أسباب، وغالبًا أسباب بالمطلق و"بنيوية" متعلقة بطبيعة "النظام" اللبناني!
2- أفضل الدساتير هو مجرد وصفة طبية وليس العلاج: بعض الفكر القانوني في لبنان ولدى أكاديميين بعيدين عن فلسفة القانون ينحون الى البحث التجريدي حول الأسباب "البنيوية" في النظام اللبناني و"الطائفية". ان أفضل الدساتير هو مجرد وصفة طبية وليس العلاج. يكمن العلاج في تطبيق الوصفة. هل تقيّد المريض بموجبات العلاج والمعايير وقواعد استعمال العلاج؟
يقتضي أيضًا التمييز بين ثلاثة أمور: الميثاق الذي يحدد المبادئ الأساسية، والدستور الذي يجسد المبادئ في نصوص دستورية اجرائية، والحكمية الدستورية التي ترتبط بالقيادة والممارسة.
3- معضلة لبنان أكبر من لبنان واللبنانيين: وضع لبنان هو شبيه تاريخيًا بسويسرا التي لم تستقر إلا بعدما أصبح جوارها أقل عدائية وأكثر ديموقراطية. موقع لبنان الجغرافي مميّز، ولكن جواره في الجغرافيا السياسية هو الأسوأ.
لبنان مُهدَّد دائمًا – وكان تاريخيًا كذلك – في أن يكون "ساحة" صراعات اقليمية ودولية. عنوان كتاب غسان تويني "حرب من أجل الآخرين"، وليس حرب الآخرين!
كثير من اللبنانيين في سبيل التبرير يخلطون بين أربعة أنماط في العلاقات الخارجية: الاحتلال أو الوصاية الرسمية أو المقنّعة، التدخل الخارجي وبالأسلحة والتمويل من خلال فئات، والدعم الخارجي من خلال الدولة المركزية، والقرارات الصادرة عن الشرعية الدولية. توجد استراتيجيا منظمة، منذ 2005 على الأقل، لجعل النظام في لبنان غير قابل للحكم الا من خلال باب عال. تتركّز هذه الاستراتيجيا اليوم في تفريغ المؤسسات وصولاً الى ربط لبنان بصراعات المنطقة بدلاً من أي يكون نموذجًا للتوحيد والسلم الأهلي.
4- معضلة اللبناني في علم النفس العيادي السياسي psychanalyse politique: اثنان من رسوم الكاريكاتور لبيار صادق تُعبّران عن الجذور في علم النفس العيادي السياسي لمعضلة اللبناني: "شو هـ البلد لـ عمرو آلاف السنين وبيضل كل عمرو بالمرحلة التأسيسية!" (النهار، 7/4/2010) و"مش معقول هالبلد... لا بيطيق احتلال... ولا بيحافظ على استقلال!" (النهار، 12/8/2006).
يتمتع اللبناني بصفات مميّزة في الثقافة، والقدرة على الاندماج، والابداع، والتكيّف، والخبرة التاريخية، لكنه يعاني في علم النفس التاريخي psychologie historique من عقد نفسية لم يعمل، تربويًا وفي الذاكرة الجماعية، على معالجتها. أبرز أمراضه في علم النفس السياسي الآتية:
- غياب مفهوم الشأن العام.
- العقدة التاريخية في الباب العالي.
- الشطارة في العمل السياسي التي تنحو الى الانتهازية والتموضع والقول "على مسافة واحدة من الجميع". يحمل المخزون اللغوي اللبناني عبارات عدة تفسّر هذه النزعة: "معليش، بيناتنا، شو فيها، مشّيها، ما تحمل السلّم بالعرض...!"
- عقدة النقص التي تغذّي عقدتي الخوف والغبن. يستغل سياسيون مخادعون imposteurs ذلك في التعبئة السياسية. يشكو لبنان من السياسة الطائفية وليس من "الطائفية السياسية" كما هو متداول شعاراتيًا.
يسترسل لبنانيون في مقاربة قانونية شكلية للمؤسسات لارضاء الضمير وتغطية كسل فكري. هل تصنع المؤسسات الرجال؟ أم يصنع الرجال أيضًا المؤسسات؟ من شغل مناصب في مؤسسات عامة لبنانية وعانى القهر والعذاب والتعذيب داخل جدرانها يدرك ما يشكله الشأن العام من غرابة في ذهنية لبنانية سائدة، وخصوصًا في من يُطلق عليه اسم مسؤول. من الأسهل تسلّق جبال الافرست على اقناع سكان أحياء بتشكيل لجان تهدف الى تحسين نوعية الحياة في الحيّ طبقًا للقوانين المعتمدة والمطبّقة من البلديات.
يعيش لبنان حالة انحطاط في قيم الجمهورية. يُعتمد التكتيك في قضايا مصيرية، والتسخيف في مبادئ أساسية، وتُحوّل انتهاكات فاضحة للقانون في التعطيل وانتهاك قَسَم مهني وتعسُّف أقلية abus de minorité وامتناع عن الحكم وتخريب مؤسسات... الى بطولات، يُناقشها ويتداولها محللون واعلاميون متواطئون أو ساذجون أو مخدوعون.
يعتبر جيمس فريمان كلارك ان رجل السياسة يسعى الى الفوز في الانتخابات اللاحقة، أما رجل الدولة فيفكر في مستقبل الأجيال القادمة. يعاني اللبنانيون من كثرة المماسح في الحياة العامة. يقول تاليران عن سياسي مخادع: "هناك الذين يخشاهم والذين يستعملهم، أي الأعداء والمماسح"!
* * *
الانتفاضة الوطنية التي يحتاج اليها اللبنانيون بعد سنوات من المخادعة impostureهي انتفاضة أخلاقية، تحمل قيمًا أساسية، بسيطة، أولية، بديهية، ذات بوصلة ومعايير. وصلت الانتهازية والتبعية والاستعباد وتسخيف انتهاكات، بما فيها تعسُّف اقلية وامتناع عن الحكم، الى أدنى مستوياتها. هل هاجرت الشجاعة والأخلاق لبنان؟ كفى تحليل في تغيير المؤسسات في وقت يعاني الوطن من افتقار الى رجال دولة.
أدرك اللبنانيون أبعاد الصراع العربي - الاسرائيلي في الجانب العسكري أكثر منه في الجانب الثقافي. كل تطرف ديني، لبناني أو عربي عموماً، وكل ضرب للميثاق اللبناني هو صهينة. تعيدنا الظروف الحالية الى قول الامام موسى الصدر في القاهرة في 16/9/1976 أي في بداية الحروب المتعددة الجنسية في لبنان: "سلام لبنان هو افضل وجوه الحرب مع اسرائيل (...) حيث ان تعثّر السلام في لبنان انتصار مستمر لاسرائيل" (يعقوب ضاهر (اعداد)، مسيرة الامام موسى الصدر، دار بلال، 2000، 12 جزءاً، جزء 7، ص 98).
