لبنان كـ«ساحة حرب» دائمة

النوع: 

 

 

قبل 1975 كانت الدولة اللبنانية ضعيفة، لكن الصراع السياسي لم يكن يعرِّض أمن المواطنين وحياتهم كل يوم للخطر. لم يكونوا يشهدون تكراراً لصدامات، تنفيذاً لأجندات أجنبية، تضع بلادهم كلّ مرّة على كف عفريت. بعد 2000، لم يعد اللبنانيون قادرين على إلزام نخبتهم السياسية بتوفير الحد الأدنى من الحياة الآمنة، بل أظهرت الاحداث التي أعقبت اغتيال اللواء وسام الحسن، جاهزية لفتح حرب أهلية، كما إبان الحرب الأهلية الكبرى (1975ــ1990). هل تنفع المقارنة بين البدايتين؟

دولة هي «ساحة حرب» دائمة

عرّف باحثون أجانب دولة لبنان بوصفها «ساحة حرب»، تخاض فيها معارك عسكرية وأيديولوجية منذ استقلالها (battleground state)، ويتغيّر فيها الأفرقاء الخارجيون والداخليون، لكنها تبقى «ساحة حرب» (بلومكويست وآخرون، 2011: 5). ربطوا هذه الحقيقة بعلاقات لبنان بالخارج، واستعرضوا نظريات العلاقات الدولية التي تتيح تفسيرها. قالوا إن النظرية الواقعية (realist)، التي ترى أن هدف السياسة الخارجية هو بناء ميزان قوى يتيح الدفاع عن الأمن والسيادة الوطنيين، لا تنطبق على وضع لبنان. وقالوا إن النظرية البنائية (constructivist) التي تحدد مضمون السياسات الخارجية من خلال ما تهدف إليه من نشر لأفكار وأيديولوجيات، غير كافية هي الأخرى. ورأوا أن النظرية البيروقراطية (bureaucratic) التي تجعل نفوذ طرف ما داخلياً، محدّداً لمحتوى السياسة الخارجية، أكثر فائدة في حالة لبنان، علماً أنه ليس ثمة سياسة خارجية واحدة، بل سياسات بعدد اللاعبين الداخليين. وانتهوا إلى أن مقاربة «مدرسة مونتريال» هي الأفضل لفهم حالة لبنان. ترى هذه الأخيرة أن مضمون السياسة الخارجية لدولة ما يمكن أن يعكس «لعبة مزدوجة الأهداف» (two level game)، بمعنى تحقيق أهداف داخلية وخارجية للاعبين إقليميين ومحليين. استنتج هؤلاء الباحثون أن السياسة الخارجية في لبنان، تعكس تواطؤ لاعبين خارجيين ومحليين، لفتح معارك تحقّق مصالح الأولين، وتؤمن الغلبة للمتواطئين معهم من الداخل. هذا ما يجعل لبنان «ساحة حرب» دائمة. يصلح هذا التعريف لشرح ظروف اندلاع الحرب الأهلية (1975ــ1990)، والظرف الراهن.

حرب 1975 الأهلية

تواطأ لاعبون خارجيون وداخليون لافتعال الحرب الأهلية. رمى اللاعبون الخارجيون إلى تصفية منظمة التحرير الفلسطينية كحركة تحرّر وطني. أما الداخليون، فكان هدفهم الحفاظ على الستاتيكو السياسي القائم.

أ- هناك حركة تحرّر وطني ينبغي ضربها

اتُفِق على اعتبار «بوسطة عين الرمانة» والمذبحة في ذلك اليوم نقطة انطلاق للحرب الأهلية. ما الهدف من «بوسطة عين الرمانة»؟ فتح مواجهة بين الأحزاب المسيحية الأربعة التي كانت لديها ميليشيات سياسية أصبحت عسكرية (سالمون، 2006: 21-24)، وهي الكتائب والوطنيون الأحرار والتنظيم وحراس الأرز مع الفلسطينيين .كان الهدف من «بوسطة عين الرمانة» تغيير الأجندة السياسية الداخلية، لمصلحة إعطاء الأولوية للصدام مع الفلسطينيين.

أدّت سياسة «الخطوة خطوة» التي اتبعها وزير خارجية أميركا هنري كيسنجر آنذاك، إلى استبعاد الحل الشامل للصراع العربي ـــ الفلسطيني. بات المطلوب التخلّص من منظمة التحرير الفلسطينية وإيجاد بديل عن عودة الفلسطينيين إلى أرضهم. تؤكد وثائق الخارجية الأميركية التي رُفعت السرية عنها ونُشِرت في صيف 2010 (هوارد، 2012)، أن الولايات المتحدة لم تكن عام 1975 في وارد التدخّل عسكرياً كما في 1958، لمنع تغيير النظام ومنع هزيمة القوى التي تدافع عنه. وهي عوضاً عن ذلك، أعطت تفويضاً للنظام السوري بالتدخّل العسكري لمنع هزيمة تلك القوى، ومنع أي انتصار لمنظمة التحرير الفلسطينية يعطيها استقلالية القرار (كراوفورد، 2010). اندفعت سوريا آنذاك إلى حرب استباقية لمنع إمكان توريطها لاحقاً في حرب شاملة مع إسرائيل. وكان في مواجهتها الكثير من التهريج وعدم الكفاية. وقد دفع المدنيون في نهاية المطاف، غالياً ثمن ذلك التوافق مع الأميركيين لأنه لم يفضِ بعد حرب السنتين إلى نزع سلاح المتقاتلين واستعادة السلم الأهلي. على مدى حرب السنتين، فضّلت الولايات المتحدة الركون، للتأثير في مسار الحرب، إلى الوسائل السرية (covert actions) التي تتولاها استخباراتها المركزية بالتعاون مع الشبكات المحلية. وقد أرسى السفير ماكلينتوك أسس تلك العلاقة خلال الفترة الأخيرة من حرب 1958 الأهلية (غندزير، 1997).

وقد اندفع الأردن للانخراط في مقاربة الولايات المتحدة للأمور لئلا يكون الحل البديل على حسابه. وكانت استخباراته قد افتعلت أكثر من حادثة لاستثارة النزاع مع الفلسطينيين في لبنان. أشار الكاتب الصحافي جان عزيز إلى ما يعرفه البعض من أن «استخبارات دولة شقيقة كانت تعرف لعبة واشنطن، المتمثلة بإيجاد حل فلسطيني بديل، تولّت تدبير حادثة عين الرمانة»، أي «تركيب» حادثة البوسطة (الأخبار، 14 حزيران 2012). أما المشاركون في الحادثة من الداخل، فهم استخبارات الجيش بالنسبة إلى القيادي الفلسطيني أبو أياد، وهم أفراد من حزب الوطنيين الأحرار بالنسبة إلى المؤرخ صقر أبو فخر (مداخلة على أو.تي.في، تشرين الأول 2012). أي إن توقيت النزول إلى جحيم الحرب كان قراراً اتخِذ في الخارج.

يقول دورنبوس في أسباب الحروب الأهلية، إن «ثمة نماذج تتكرّر (...)، منها استراتيجية ضرب الاستقرار المتعمّدة (deliberate destabilization) من طرف بلدان مجاورة، لأسباب جيو ـــــ سياسية، كما في لبنان أو كمبوديا، أو لأسباب تتعلّق بالمنفعة الاقتصادية، كما في الكونغو وسييراليون» (دورنبوس، 2006: 102). تكفي شناعة الوسائل المستخدمة واستهداف المدنيين الشديد خلال تلك الفترة، للدلالة على دور اليد الخارجية في ما حصل.

ب- الحرب الأهلية كاستراتيجية اعتمدتها نخبة الستاتيكو

ينبغي التمييز بين «الطوائف» وقوى سياسية محدّدة داخل كلٍّ منها. الطرف الداخلي الذي كان ذا مصلحة في نشوب الحرب الأهلية هو نخبة الستاتيكو. استعجلت هذه الأخيرة التعبئة على قاعدة الهوية لأنها شعرت بأنها مهدّدة. يقول حليم بركات في الفصل الأخير من كتابه الصادر في 1977، إن الحرب الأهلية جاءت كـ«ذروة» (culmination) للمواجهة بين القوى المطالبة بالتغيير وقوى الحفاظ على الستاتيكو (بركات، 1977: 185). كان ثمة أزمة اجتماعية حادة، نجمت عن إفراغ الريف من أهله خلال الستينيات، وتجميع «المهاجرين الداخليين» في نطاق بيروت. وتفاقمت الأزمة خلال النصف الأول من السبعينيات بسبب الفورة الاقتصادية التي حصلت وترافقت مع موجة تضخّم وغلاء معيشة شديدين، أشار إليهما كتّاب عديدون كسليم نصر وبطرس لبكي ومايكل جونسون. عجزت الدولة عن مواكبة تلك الفورة، من خلال الرقابة على الأسعار مثلاً، وعجزت عن التصدي للعدوان الإسرائيلي المتفاقم على جنوب لبنان (داغر، 2012: 111-159). أفقدها هذا العجز شرعيتها. وقد أعطت تجربة يوغوسلافيا بعد نحو 15 سنة على نشوب الحرب اللبنانية، إثباتاً على ضعف الدولة التي تقوم على مأسسة التمايز الطائفي أو «الإثني» (institutionalized communitarianism). وهي تنفرط بمجرّد أن تضعف السلطة المركزية، وينفتح مجال المزايدة أمام نخب المكونات «الإثنية» أو الطائفية للدولة. سهّلت هذه المأسسة في حالة لبنان تصنيف الجيش في أشد الظروف حراجة بأنه «فئوي». وقد عملت هذه النخب في حالة لبنان، على إظهار معركتها كما لو كانت معركة دفاع عن الوجود بالنسبة إلى جمهور «إثني» أو طائفي بكامله، لكن ما منحها انتصارها هو التدخّل العسكري الخارجي الذي حسم المعركة لمصلحتها. وهي نجحت في نهاية المطاف، بواسطة العنف، في نزع تعبئة (demobilization) الشعب اللبناني من أجل الإصلاح.

ج- تفويض أطراف من خارج الدولة استخدام العنف

أهم ما في أطروحة الباحث الألماني سالمون عن الحرب الأهلية في لبنان، عرضه كيفية تخلي الدولة في 1975 عن احتكارها القانوني لاستخدام العنف لمصلحة أطراف من خارجها (delegated violence) (سالمون، 2006: 33-45). وأطروحته رغم نقص الوقائع أو الاكتفاء بتلك المنقولة عن الغير، مفيدة في تفسيرها لكيفية نشوء الميليشيات في لبنان، ثم مأسستها في مرحلة لاحقة، وذلك قبل أن تخرج من الساحة عام 1990 على يد المؤسسة العسكرية، التي استعادت بذلك احتكار الدولة القانوني للعنف.

والأهم في نشوء الميليشيات أن القائمين على الدولة، يمكن أن يلجأوا إلى تفويض لاعبين من خارجها تولي ممارسة العنف. يحصل ذلك إذا تخلّت الدولة عن سيادتها الداخلية طوعاً، لقوى موالية، غير ممولة منها بالضرورة، أو إذا استخدم الأقطاب حضورهم داخل المؤسسات الرسمية لجعلها تسهم بنشوء هذا النوع من الميليشيات. توفر الحرب الأهلية اللبنانية والتحضير لها ما يثبت شكلي التفويض هذين.

بدأ هذا التفويض في لبنان قبل 1975. يذكر سالمون طلب الرئيس حلو من الميليشيات في المناطق المسيحية حفظ الأمن أثناء حرب حزيران 1967، وموافقة الدولة بشخص وزير الدفاع نصري المعلوف في 1973 أن تتولى الأحزاب تدريب وتسليح مناصريها. وقد وافقت الدولة بشخص رئيسها على أن يتولى السياسيون المدافعون عن النظام تسليح مناصريهم، حين قال الرئيس فرنجيه بعد المواجهة بين الجيش والفلسطينيين في 1973 للقطبين آنذاك شمعون والجميّل إن الأمر خرج من يد الدولة (المصدر نفسه: 54) . وفي 1975، لم تبدِ مخافر قوى الأمن الداخلي أية مقاومة تجاه عملية تجريدها من أسلحتها، بل لا يمكن فهم كيفية استشراء العنف الطائفي خلال حرب السنتين من دون الأخذ بالاعتبار التخلّي المتعمّد من قبل القوى الأمنية عن دورها وصلاحياتها في ضبط الأمن وتوقيف المجرمين.

د- أشكال العنف

تجتمع القوى التي تعتمد «التعبئة على قاعدة الهوية» تحت عنوان واحد هو نشر «الخوف والكراهية». تولّت الأمر أطراف تصنّف في فئة القوى المتطرفة الموالية للحكم (political vigilantism). تتيح القراءات المقارنة إظهار دوافع الأفراد وتعريف العنف السياسي المُعتمد. وهي أمور تستلزم دراسة على حدة. يمكن الاقتصار هنا على رأي كاليفاس، الذي يعيّن هدفين للعنف الخاص بالحروب الأهلية، أولهما خلق الخوف كوسيلة لتحقيق الانصياع (compliance)، وثانيهما، إبادة البشر أنفسهم، أو إزالة وجودهم في منطقة جغرافية معينة (كاليفاس، 2000: 3). في الحالة الأولى، يكون العنف وسيلة لبناء سلوكية الأفراد، ويسمى «إرهاباً». وقد حفلت الأشهر الأولى من الحرب بأعمال إجرامية هدفت الى ترويع الناس والرأي العام. واقتضى نشر الكراهية  فرز عداوات من لا شيء في مناطق الاختلاط واستدراج ردود فعل عنيفة وخلق خطوط تماس بين الأحياء. وقد استطاعت الميليشيات أن توفر لنفسها حرية حركة كاملة على مدى السنوات اللاحقة، إزاء مجتمع شلّت إرادته، وبات الذعر وتوخي السلامة يملآن حياة كل فرد فيه.

اتخذ السياسيون أعمال العنف المرتكبة على مدى الأشهر الأولى للحرب وسيلة ضغط من أجل إنزال الجيش. وقد أمّنت حالة التعبئة القائمة للمساهمين في تلك الأعمال القدرة على التفلّت من العقاب أو المحاسبة. يقول سالمون إن طبيعة التعبئة التي سادت خلال الحقبة الأولى من الحرب «من تحت إلى فوق» (bottom-up mobilization)، أي تكوّن مجموعات على المستوى المحلي للاشتراك في أعمال العنف، جعلت ردات الفعل العنفية فوق أية قدرة لضبطها (سالمون، 2006: 78). وبمقدار ما كان العنف الذي ينشره المسلّحون يجعلهم فوق المحاسبة، كان يُحبِط العسكريين المهمّشين في ثكنهم. لم تؤتِ وسيلة الضغط التي أرادها السياسيون ثمارها، بل أدّت إلى انفراط الجيش نفسه، وخروجه من الساحة كطرف يمكنه أن يعيد إلى اللبنانيين سلمهم الأهلي.

يمتلئ كتاب شامي وكاستوريادس المصوّر عن «حرب السنتين» بصور الزعماء والميليشيات والضحايا الأبرياء. تجتاز الكتاب من طرفه إلى طرفه جثث مواطنين أبرياء، وقد تكوّمت على الأرصفة أو عند مداخل البيوت أو في الخلاء، نتيجة القنص والخطف والقصف العشوائي. خلال دورات العنف الأربع عام 1975، كانت الحصيلة اليومية للقتلى 35-40 قتيلاً من المدنيين. وخلال 1976 تكفّل القصف العشوائي بقتل 50-100 مواطن كل يوم (شامي وكستوريادس، 1977: 215). بلغ تعداد الضحايا 40 ألفاً خلال 18 شهراً، وهاجر من لبنان 800 ألف بين آذار وتشرين الأول 1976 (المصدر نفسه: 131 و 232). استهدفت الحرب المدنيين الأبرياء. هؤلاء هم شهداء لبنان الحقيقيون.

بدايات الحرب الأهلية راهناً

استخدمت ماري كالدور تعبيري «يائسة» (desperate) و«منحطّة» (degenerate) لوصف النخبة السياسية في يوغوسلافيا السابقة التي جرّت بلادها إلى جحيم الحرب (كالدور، 1999: 35 و37). وفي وصفه لانحطاط النخب السياسية في أفريقيا، يقول رينو إن هذه الأخيرة لا تعود معنية بالتعامل بالمثل مع من سلفوها دعماً للتعبير عنهم في مؤسسات الدولة التمثيلية (رينو، 2005: 134). الأمر نفسه حين ينتخب الشعب نواباً ليوفروا له تقديمات سياسية إيجابية، فيُمضي المنتَخبون وقتهم في إعداد أطباق مرّة له. وفي الصورة الجميلة التي يرغب اللبنانيون تداولها عن وطنهم، أنه ملجأ مضطهدين وموئل أحرار. وفي الحقيقة التاريخية أنه كان منطقة هامشية في السلطنة العثمانية، أوكلت السلطة المركزية إلى قطّاع طرق (bandits) أمر الجباية فيه (باركي، 1994)، وتكونت بيوتاته السياسية آنذاك من هؤلاء.

أ - الهوية قاعدة للتعبئة في حروب ما بعد الحرب الباردة

اختصرت الباحثة كالدور بتعبير «التعبئة على أساس الهوية» (identity politics) استراتيجيات النخب السياسية خلال حقبة ما بعد الحرب الباردة (كالدور، 1999). وهي تعبئة تقوم على فرز الناس تحت لافتات متعارضة، وتعتمد نشر «الخوف والكراهية» وسيلة لها. ورأى لايتن وفيرون أن بناء الهويات على قاعدة العداء للآخرين (antagonistic ethnic identities) يكون بالخطاب والأفعال، وليس له مسوّغ غير تحقيق مصالح المقاولين السياسيين «الإثنيين». ورأى غانيون أن النخب السياسية تعتمد استراتيجيات افتعال النزاع (strategies of conflict) في السباق إلى السلطة، أو لضمان استمرار الوضع القائم. وقال بول براس إن النخب تلجأ إلى التعبئة على قاعدة الهوية وافتعال النزاع «الإثني» حين تكون الطريق مسدودة إلى الحكم، أو حين تتوافر الفرصة لقلب المشهد السياسي القائم (داغر، 2012: 75-110). وقد تساءل الكاتب الصحافي جهاد الزين حول أسباب ضعف المجتمع في لبنان والعراق وسوريا أمام مشاريع التفتيت الطائفي والمذهبي (الزين، 2012). والمشترك بين التجارب الثلاث هو أن النزاع «الإثني» الطائفي أو المذهبي، كان وليد استراتيجيات نخب سياسية أتاح لها ضعف الدولة أو تدميرها بالعدوان الخارجي، إنجاح استراتيجياتها التفتيتية. أي إن المسؤولية تقع على النخب واستراتيجياتها وليس على المجتمع. أما لماذا طغت النزاعات على أساس الهوية (ethnic conflicts) خلال حقبة ما بعد الحرب الباردة، وحلّت محل النزاعات ذات الطابع الأيديولوجي التي ميّزت حركات التحرّر الوطني بعد الحرب العالمية الثانية، فذلك كما يقول ميولر، لأن القوى العظمى تفضّل اصطفافات على قاعدة الهوية لأنها تكون منزوعة التسييس (a-political)، بديلاً عن الاصطفافات الأيديولوجية على قاعدة يمين ويسار (ميولر، 2003: 8).

تقول الباحثتان كوستوفيكوفا وبوجيسيك إن حرب يوغوسلافيا استدرجت 150 كتاباً مختلفاً في تفسيرها. إلا أن ما بقي ناقصاً، هو الأخذ بالاعتبار لدور الخارج أو الشبكات ما فوق الوطنية، في افتعال النزاع (كوستوفيكوفا وبوجيسيك، 2006 و 2009). هذا ما أخذته الباحثة كالدور في الاعتبار، في وصفها «الحروب الجديدة» (new wars). تُبرِز هذه الأخيرة أدوار الشبكات المتعدية للدولة (transnational networks) المكوّنة من حكومات أجنبية وإقليمية والمتواطئين معها من الداخل، في إشعال الحروب الأهلية وتوفير شروط استمرارها، بل يوفر لبنان بيئة نموذجية لعمل الشبكات المتعدية للدولة هذه، وتبدو وظيفته كـ«ساحة حرب» كما لو كانت علّة وجوده ومبرّر بقائه ككيان.

ب - دور الشبكة الدولية/ الإقليمية/ المحلية في افتعال النزاع في الشبكة اللبنانية، تأتي الولايات المتحدة أولاً. يقول مايكل هدسون إن «المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية التي ترى العالم كناية عن فوضى عارمة ينتصر فيها القوي ويستكين المهزوم، ليست فقط نظرية لفهم العالم، بل أصبحت أيديولوجيا تعتمدها النخب الحاكمة الأميركية المحافِظة، وتتصرف بوحي منها» (هدسون، 2004: 177).

ومنذ 1948، صنّف تقرير الاستخبارات المركزية الأميركية لبنان حليفاً أصبح «مثالياً» خلال الخمسينيات بسبب تبنّي نخبه للخيارات الغربية في السياسة الخارجية واستعدادها للسير فيها بدون تحفّظ. ورأت الإدارات الأميركية المتتابعة أن للبنان أهمية استراتيجية بالنسبة إليها، فقط لأن نخبه قابلة للاستخدام في تنفيذ أجنداتها في الشرق الأوسط. أقنعت أميركا بالإنزال للمارينز الذي لجأت إليه عام 1958 كل من يجب إفهامهم على صعيد المنطقة بقوتها التي لا تُرَد. وضمنت استمرار النظام السياسي القائم على التوزيع الطائفي للمناصب في لبنان، الذي يضمن البقاء في السلطة للنخبة الموالية لها. وعلى مدى الحرب الأهلية، لم تكن معنيّة بعودة السلم الأهلي الذي لا يتحقّق إلا بتجريد الميليشيات من سلاحها، واستعادة الدولة احتكارها القانوني للعنف. اهتمّت فقط بالحفاظ على نخبة الستاتيكو التي تلتزم أجندتها الإقليمية، ومتابعة الصراع على أرض لبنان ضمن إطار الحرب الباردة. أي إن الولايات المتحدة هي المسؤولة عن استمرار حرب أهلية طيلة 15 عاماً، انتهت بالهجرة النهائية لـ40 في المئة من شعب لبنان. وقد خلقت الميليشيات عالماً لا إنسانياً على مدى 15 عاماً، وضربت الشعور بالانتماء الذي يحتاج إليه لبنانيون كثر للذود عن حضورهم، وسرّعت انسحابهم من قضايا بلدهم ومحيطهم، وسيرهم على طريق الزوال بالهجرة.

وتمثل السعودية منذ 2005 على الأقل، مركز الشبكة الدولية/الإقليمية/المحلية التي تتعمّد افتعال النزاع في لبنان، مع تغيير في الأهداف كل مرّة. تمارس السعودية نفوذاً في لبنان بسبب العدد الكبير من اللبنانيين العاملين فيها، ولأنها تموّل عدداً كبيراً من القوى السياسية في الداخل. يعمل في شركة «سعودي أوجيه» نحو 70 ألف موظّف (الأخبار، 31/8/2012)، منهم نحو 45 ألف لبناني (الأخبار، 23/7/2011). وقد موّلت القوى السياسية المرتبطة بها بـ2 مليار دولار بين عامي 2005 و 2010 (الأخبار، 28/3/2011). أي إن السعودية تشغّل اللبنانيين الموجودين فيها لإعمار البلاد، وتشغّل المتعطلين منهم الموجودين في بلدهم لجعله «ساحة حرب» دائمة. وعام 2007، اتخذت الحكومة اللبنانية قرارها بضرب «فتح الإسلام» في مخيم «نهر البارد». لم تكن قراءتها للمصلحة الوطنية هي التي أملت عليها قرارها، بل جاء هذا الأخير تنفيذاً لمشيئة الدولة السعودية. وقال ممثلو تيار سياسي في مناسبة دعوتهم إلى طاولة الحوار في حزيران 2012، وبعد تلقي رئيس الجمهورية رسالة من ملك السعودية «إننا سنشارك نزولاً عند رغبة الملك» (الأخبار، 22/6/ 2012). واستُدعي نائبان من التيار ذاته إلى السعودية ليتبلّغا من رئيس هذا التيار، ضرورة وقف تأليب الناس ضد الجيش في عكار (الأخبار، 17/7/ 2012).

وفي تحقيق عن السفير السعودي في لبنان، أنه دأب على مدى ثلاث سنوات على تعبئة الشارع السلفي في شمال لبنان، وتحضيره للدخول في مواجهات، وأن هذا ما يفسر انقطاعه عن الصالونات السياسية والديبلوماسية (الأخبار، 24/5/2012). ويقطن في السعودية شيخ سلفي سوري تعاون مع شخصية سياسية لبنانية في خطف 11 لبنانياً أثناء اجتيازهم سوريا، والتحكّم في مسار المفاوضات لإطلاقهم (الأخبار، 17/9/2012). وقد اتصل مدير الاستخبارات السعودية بالسياسيين الذين ينسّق معهم بعد اغتيال اللواء الحسن لحثهم على العمل لإسقاط الحكومة في الشارع (الأخبار، 29/10/2012).

ج - التفويض والحرب الأهلية مجدداً

هدفت الشبكة الدولية/الإقليمية/المحلية لإسقاط النظام السوري بعد 2005، عقاباً له على مواجهته الغزو الأميركي للعراق. أما بعد 2006، فقد أصبح هدف الشبكة ذاتها ضرب حزب الله كمقاومة لبنانية وحركة تحرّر وطني. طغى التحضير للمواجهات الداخلية المسلّحة على اهتمامات السياسيين قبل أيار 2008 وبعده. بيّنت برقيات القائمة بالأعمال الأميركية سيسون التي كشفتها ويكيليكس، أن مدير جهاز أمني كان يؤدي دوراً مباشراً في تسليح الميليشيات. هذا المدير كان «ممن يحثّون أحد الزعماء على مواصلة التدريبات التي يخضع لها أفراد من تياره (حوالى 15000 فرد في بيروت وأكثر في طرابلس)» (برقية في 4 نيسان 2008، الأخبار، 5/4/2011). وذكر أحد السياسيين أنه «يعمل مع هذا المدير بالذات على شراء الذخائر للميليشيا التابعة له ولمقاتلي حزب آخر (تقرير في 12 أيار 2008، الأخبار، 3/5/2011). وفي برقية أخرى قالت القائمة بالأعمال إنه هو نفسه «طالب بأسلحة لخمسة آلاف مقاتل تابعين له. قال لنا إن بإمكانه زيادة 5000 مقاتل إضافي سريعاً» (الأخبار، 5/4/ 2011). وكان أحد السياسيين قد زوّد سيسون بنسخة عن الخريطة التي تظهر أماكن انتشار شبكة اتصالات حزب الله. وأرسل آخر طائرة خاصة الى المملكة السعودية لتزويد الملك ورئيس الاستخبارات بنسخة من الخريطة (تقرير في 24 آب 2007، الأخبار، 10 / 5 /2011). وفي استهداف شبكة الاتصالات التي أدت إلى 7 أيار 2008، تسلّم المعنيون «أمر المهمة» لافتعال ذلك الصدام مع المقاومة من باريس بالذات وعلى عجل (الأخبار، 25/ 6 /2010). وفي ما بعد قال صاحب العلاقة الأول في تلك المعركة «كنا أدوات في المحور الذي تقوده الولايات المتحدة» (الأخبار، 29/ 6 /2010). وفي البرقية المرسلة في 11 أيار 2008، قالت القائمة بالأعمال إن الكل بدا مهتماً بتجهيز المقاتلين والحصول على أسلحة (الأخبار، 5/5/2011). ونقلت تلقيها اتصالات من سياسيين ومسؤولين قالوا إن معنوياتهم ارتفعت بعد اتصالات تلقوها إما من مساعد وزيرة الخارجية ولش، أو من وزيرة الخارجية نفسها (برقية في 9 أيار 2008، الأخبار، 5/4/2011). وفي برقية أخرى قالت، إن من التقتهم بدوا كأنهم يلمّحون لها ««حددي أنتِ» من سيكون رئيس الحكومة المقبل» (تقرير في 24 أيار 2008، الأخبار، 6/5/2011)

وحفل عام 2010 بمحاولات إشعال النزاع. جرى استخدام منطقة عين-الرمانة لاستعادة ممارسات حقبة الحرب، وجرت محاولات لإشعال الفتنة في أحياء زحلة المختلطة، والفتنة في مجدليون. وأكدت المصادر الأمنية وجود حركة تسلّح كبيرة في عدد من المناطق، ووجود سباق تسلّح بين مجموعات من فريقي المعارضة و 14 آذار في إحدى مناطق بيروت الحساسة (الأخبار 25/6/2010). وأدلى مواطنون بمعلومات كاذبة أمام قوى الأمن عن تعرّضهم للخطف وغير ذلك (الأخبار 6/10/2010). وكان هناك دور لجهاز استخبارات دولة عربية في افتعال اشتباكات برج أبو حيدر و«تسليح وإرسال ذخائر إلى أطراف لبنانية عليها دمغة «ج.م.ع»» (الأخبار 1/10/2010).

د - نشر «الخوف والكراهية» للإمساك بالأرض

يعود مقدار العنف الذي تتكشّف عنه القوى التي تتولى افتعال النزاعات «الإثنية» إلى عدم تجاوب الناس مع طروحاتها، ورفض الغالبية الساحقة من الناس الخوض في العنف. هذا ما يثبته غانيون بالنسبة إلى يوغوسلافيا. وقد أجرى ميولر مسحاً للمعطيات والوقائع بشأن حروب التسعينيات الأهلية، وعلى الأخص في يوغوسلافيا السابقة ورواندا، بيّن أن من تولوا إشعال الحروب الأهلية وارتكاب الفظائع فيها هم قلّة ضئيلة للغاية من المواطنين، ومن أصحاب السوابق في كلِّ الحالات (ميولر، 2001). وقد وفرت لهم أجهزة رسمية التشجيع وعدم الملاحقة. نفت المعطيات الصورة الخاطئة عن هذه النزاعات بأنها حرب الكل ضد الكل، وأظهرت أن المشترك بينها هو محدودية عدد المشاركين فيها. وفي حروب يوغوسلافيا، كان بضع عشرات من المجرمين يتسببون بتهجير عشرات آلاف المدنيين من مدن شكّلوا نسيجها البشري على مدى مئات السنين.

استعادت الأحداث عقب اغتيال اللواء الحسن، الكثير مما حفلت به بدايات الحرب الأهلية عام 1975، وخصوصاً محاولات المسلّحين «تطهير» الأحياء المختلطة، وإيجاد خطوط تماس تُمارس عبرها عمليات القصف والقنص. كانت الطريق الدولية إلى جنوب لبنان قد باتت منذ أشهر ميداناً لمجموعات تقيم حواجز وتعمد إلى «توقيف المارة على الهوية» وتعنّفهم وتفرض عليهم خوّات (الأخبار، 25/10/2012). نجا أحد المواطنين بأعجوبة من حاجز أقامته هذه المجموعات على أوتوستراد الناعمة بعد اغتيال الحسن. وأورد شهود عيان كيف اندفع المسلّحون إلى شارع روما قرب «مستديرة الكولا» لـ«تحرير الحي من الشيعة» (الأخبار، 23/10/2012). وبدأت عمليات القنص من قصقص إلى الشياح. وجرى خلق خطوط تماس بين أحياء في بيروت ذات أغلبيات مذهبية مختلفة في ثلاثة مواضع (النهار، 23/10/2012).

دور المؤسسة العسكرية

توقفت الحرب الأهلية بعد 15 عاماً من اندلاعها. يمكن من وجهة نظر مقارنة القول إن الحلول الممكنة كانت ثلاثة: 1) التقسيم؛ 2) التقاسم بين القوى المستفيدة من الحرب؛ 3) الإنطلاق في إعادة بناء الدولة من فكرة أن من صنعوا الحرب لا يمكن أن يصنعوا السلام. جاء اتفاق الطائف تعبيراً عن الأخذ بالخيار الثاني. وهو خيار إعادة إنتاج الدولة الضعيفة (reproduction of weak state) لحقبة ما قبل الحرب. أسهمت الأيديولوجيا النيوليبرالية الطاغية على المستوى العالمي في الدفع إلى انحلال الإدارة العامة على نحو إضافي. كان الهدف من خطاب الخصخصة والخصخصة بحد ذاتها، تأمين منافع لأفراد الطبقة السياسية، لكن الهدف منه كان أيضاً وخصوصاً، ضرب الإدارة العامة وإضعاف الدولة (weakening) بما يجعل الساحة الداخلية سائبة، ويسهّل استخدامها لمصلحة اللاعبين الخارجيين والداخليين.

لم تتخلّ الميليشيات عن سلاحها وتقبل التقاسم (power-sharing) إلا بعدما دفع اللبنانيون عموماً والمسيحيون خصوصاً كلفة إضافية فادحة. كانت الكلفة للمسيحيين بالذات هجرة 200- 300 ألف منهم خلال 1989-1990 (فالونيه: 1995: 369). وفي ما بعد، لم يكن ممكناً أن يكون هناك مجتمع مدني، إذ بقي العزّل والمسلّحون يتجاورون في المجتمع ذاته. يقول رينو في وصفه لواقع أفريقيا أنه ليس ثمة مكان للمواقف الأيديولوجية والاحتجاج السياسي ذي المحتوى البرنامجي في وجود العنف ذي الطابع الخاص (private violence) الذي تتولاه الميليشيات والقوى المسلّحة الخاصة (رينو، 2003: 338-339). وكان ينبغي الأخذ في الحسبان أن القوى العظمى هي من أعطى الشرعية للمقاولين «الإثنيين» المسلّحين. ذلكم كان الطائف. وهو كان نسخة مبكرة عن المقاربة نفسها التي ستعتمدها القوى الغربية في نزاعات التسعينيات، التي أعطت شرعية سياسية للمقاولين السياسيين «الإثنيين» ومجرمي الحروب.

أدى التقاسم إلى جعل المؤسسة العسكرية في موقع دوني تجاه السياسيين. سُحِقت المؤسسة العسكرية عام 1990 كبيئة لإرادة وطنية جديدة تفرض نفسها على السياسيين وتعيد صياغة لبنان ومجاله السياسي بطريقة مغايرة لتلك التي يمليها التقاسم. وفي ما بعد، كان السياسيون يوافقون على الإتيان برئيس جمهورية من المؤسسة العسكرية ويتغامزون في ما بينهم ويضحكون في سرّهم.

كانت حقبة 1990-2005 حقبة سلم أهلي تحقّق بفعل وجود الجيش السوري وأمّن للبلاد الأمن، وهو أول ما هو مطلوب في لائحة التقديمات الإيجابية للدولة الوطنية. تضاعف عديد الجيش 4 مرات خلال سبع سنوات، وأصبح يضم عام 1996، نحو 50 ألفاً من العسكريين يضاف إليهم 25 ألفاً من المتقاعدين (بيكار، 1999: 64). لكنها حقبة تخلّت المؤسسة العسكرية خلالها عن تقليد أُخِذ به قبل 1975، يتناول خدمة العلم. قيل لها إن الأمر مكلف، وقبلت أن تتخلى عنه، في وقت كانت فيه كلفة الفوائد التي تدفعها الدولة لبعض النافذين والمحظيين تساوي أضعافاً مضاعفة. بدا الجيش بعد 2005، كما لو كان قوة خارجية لحفظ السلام، بمعنى الفصل بين المتقاتلين. هذا ما جعله أقلّ التزاماً من الجيش السوري بصون السلم الاهلي. بقيت الساحة الداخلية مرتعاً للاستخبارات الأجنبية بين 2005 و2008، حين جرى تهريب عناصرها بالمروحيات من السفارة الأميركية في عوكر. ما الذي برّر ترك الأرض اللبنانية ساحة مستباحة للاستخبارات الأجنبية تنفّذ فيها أجندة خارجية؟ ما الذي برّر إبقاء الشعب اللبناني عرضة للإرهاب على مدى السنوات؟

مسافة طويلة قطعتها المؤسسة العسكرية بين 1962 حين كانت قادرة على توقيف عشرة آلاف محازب بعد محاولة الانقلاب في ذلك العام خلال أيام، وبين وضعها بعد 2005. في مرحلة ما كان الجيش يرسل رجاله ليتوزعوا في مهمات على مختلف القرى والنواحي. كان خمسة أو عشرة عسكريين يقفون في ساحة البلدة وينادون على من يريد التطوّع في الجيش، وكانت شاحناتهم تعود في آخر النهار مليئة بالمتطوعين. بقيت المؤسسة العسكرية من جهة أخرى، تؤدي على مدى حقبة ما بعد 2005، دوراً فعلياً في حماية اللبنانيين من السياسيين، وخصوصاً زعماء الميليشيات. منع الجيش عودة القوى الميليشيوية إلى احتلال الساحة على نحو سافر. ومنع تدخّله الدائم أن تتحوّل أزمات معينة إلى صدامات بين قوى سياسية. ثمة قطعات تؤدي دور الجندي المجهول الذي يحمي السلم الأهلي، دون أن يعرف الرأي العام مقدار أهمية هذا الدور (الأخبار 8/10/2010).

وقد فعلت الحكومة الحالية ما لم تفعله أية حكومة سبقتها منذ فؤاد شهاب، حين أقرت موازنة على أربع سنوات للعتاد والتجهيز بمبلغ 3000 مليار ل. ل.، وبحيث ارتفع الرقم السنوي للتجهيز من 30 مليون دولار إلى 500 مليون دولار. ولعل قرارها يكون أول الغيث في الخروج من إحدى «ثوابت» الكيان، ألا وهي الخضوع لإملاآت الأميركيين في شأن تسليح الجيش.

والجيش هو الذي حمى السرايا الحكومية من خلال إبلاغه أحد الزعماء مباشرة بأنه لن يسمح باقتحامها، بعد اغتيال اللواء الحسن، كما لم يؤدِّ دور «قوة فصل» بين المتقاتلين في منطقة الكولا، بل تولى الأمن ودَهَم الأحياء بحثاً عن المسلحين الذين هاجموا الأحياء السكنية (الأخبار، 23/10/2012). وبلغ عدد المعتقلين مئة معتقل، ثلثهم من غير اللبنانيين. وأصدر مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية بيانات بحث وتحرٍّ بحق 24 مسلّحاً بعد مواجهات صيدا (الأخبار، 20/11/2012).

يستبيح السياسيون حياة وأمن اللبنانيين. وقد يذهبون بهم إلى ما هو أسوأ بكثير لاكتساب الشرعية السياسية وتأمين إعادة انتخابهم في مناسبة الانتخابات القادمة. تشير الأدبيات المخصّصة للبلدان الخارجة من حروب أهلية، إلى أن الحياة السياسية فيها غالباً ما تتمحور حول توفير الشرعية السياسية للأوغاد (politically empowered thugs). يحطّم مرأى الطبقة السياسية رغبة مواطني هذا البلد بالبقاء فيه. طُرحت مقولة «الجيش والشعب والمقاومة» للتعبير عن تمسّك الجيش بالسيادة الوطنية ومقاومة إسرائيل. المطلوب من المؤسسة العسكرية وليس من غيرها، أن تعبئ طاقات فكرية لبلورة تصوّر يجعل علاقة الجيش بالمقاومة والدور الذي تؤديه هذه الأخيرة مسألتين تخضعان للقانون، وتندرجان ضمن إطار «الدولة القانونية». هناك ثروة في قعر البحر تتيح رفع قدرة لبنان على استيعاب أهله واستعادة من ذهبوا. وهي كفيلة، بالبنى التحتية الجديدة ودعم المنتجين اللذين تتيحهما، أن تؤسّس لمستقبل زاهر لشعب لبنان. يقتضي ذلك غير هذه النخبة السياسية.

* باحث لبناني

المراجع

 

Barakat Halim, Lebanon in Strife: Student Preludes to the Civil War, Austin, University of Texas Press, 1977.

Barkey Karen, Bandits and Bureaucrats: The Ottoman Route to State Centralization, Ithaca, N.Y. : Cornell University Press, 1994.

Bloomquist, T., M. Gilchrist, H. Indelicato, Two-Level Games in a Battleground state: Lebanon and foreign policy, The Institute for Middle east Studies, The George Washington University, 2011, 50 pages.

Chami Joseph, Gerard Castoriades, Liban : jours de misère 75-76, Beyrouth: Plexus Publishing, 1977, 396 pages.

Crawford Michael Anthony,”Civil War and Intervention: Lessons Remembered From the Lebanese Civil War and the U.S. Response”, School of Advanced Military Studies, Kansas, 2010, 55 pages.

Doornbos M., “On State Collapse and Fresh Starts: Some Critical Reflections”, in Global Forces and State Restructuring: Dynamics of State Formation and Collapse, Basingstoke: Palgrave Macmillan, 2006, pp. 93-118.

Gendzier Irene, Notes from the Minefield: United States Intervention in Lebanon and the Middle East, 1945-1958, N.Y., Columbia univ. press, 1997.

Howard Adam (ed.), Foreign Relations of the United States, 1969-1976, Vol. xxvi, Arab-Israeli Dispute, 1974-1976, Department of State, United States Government Printing Office, Washington, 2012, 98 pages.

Hudson Michael, “American Hegemony and the Changing Terrain of Middle East International Politics”, in Bassel F. Salloukh and Rex Brynen (eds), Persistent Permeability? Regionalism, Localism and Globalization in the Middle East , Aldershot: Ashgate, 2004, pp. 163-179.

Kaldor Mary, New and old wars: organized violence in a global era, Stanford CT : Stanford University Press, c1999.

Kalyvas Stathis, “ The Logic of Violence in Civil War: Theory and Preliminary Results”, in Estudio/Working Paper, 2000, 45 pages.

Kostovicova D, V. Bojicic-Dzelilovic, “The Balkans in Globalization’s Throes: Examining the Transnational Quality of the Region’s Problems”, in I P Journal, 1/4/2006, 9 pages.

Kostovicova D, V. Bojicic-Dzelilovic,“Introduction: State Weakening and Globalization”, in Kostovicova, Bojicic-Dzelilovic (eds.), Persistent State Weakeness in the Global Age, Ashgate, Aldershot, UK, 2009.

Mueller John, “The Banality of Ethnic War”, in Brown, Coté, Miller (eds.), Nationalism and Ethnic Conflict, Cambridge, Mass. : MIT Press, 2001.

Mueller John, “Policing the Remnants of War”, Ohio State Univ., April 27, 2003, 12 pages.

Picard Elizabeth, “ La nouvelle armée libanaise: instrument de pouvoir ou acteur politique ? “, in Confluences Méditerranée, n. 29, printemps 1999, pp. 57-71.

Reno William, "The politics of Violent Opposition in Collapsing States", Government and Opposition, 40:2, Spring 2005, PP. 127-151.

Reno William, “The Changing Nature of warfare and the Absence of State-Building in West Africa, in D. Davis, A Pereira (eds.), Irregular Armed Forces and Their Role in Politics and State Formation, Cambridge univ. press, 2003.

Salmon Jago, Militia Politics. The Formation and Organization of Irregular Armed Forces in Sudan and Lebanon. PhD thesis, univ. of Berlin, 2006.

Valognes Jean-Pierre, Vie et mort des chrétiens d’orient, éditions Fayard, 1995.

ألبر داغر، أزمة بناء الدولة في لبنان، دار الطليعة، 2012، 224 صفحة.

جهاد الزين، «لماذا انتصر التفكّك في بلداننا الثلاثة؟»، النهار، 13 و15 /11/2012)

الكاتب: 
ألبر داغر
التاريخ: 
الخميس, يناير 5, 2012
ملخص: 
ينبغي التمييز بين «الطوائف» وقوى سياسية محدّدة داخل كلٍّ منها. الطرف الداخلي الذي كان ذا مصلحة في نشوب الحرب الأهلية هو نخبة الستاتيكو. استعجلت هذه الأخيرة التعبئة على قاعدة الهوية لأنها شعرت بأنها مهدّدة. يقول حليم بركات في الفصل الأخير من كتابه الصادر ف