ميقاتي وسلام وطنجرة الطائف السنّي
بين استقالة نجيب ميقاتي ومساعي تأليف تمام سلام، لا بد لخبراء «الطائف» من أن يدركوا مرة جديدة مدى عبقرية رفيق الحريري. تلك العبقرية التي تكشفت يوم جاء بأول مسودة لدستور الطائف وأعطاها لأحد السياسيين المسيحيين، قائلاً له: ما رأيك؟ قرأها السياسي المسيحي بسرعة، ثم أعاد قراءتها بتأنّ وتدقيق، قبل أن يجيبه: كارثة. غير أن العراب اللبناني الفعلي الوحيد لوثيقة «الطائف»، فهمَ فوراً ما قصده محاوره الآتي من لبنان الميثاق وأوهام الصيغة وديموقراطية التوافق. فابتسم الحريري وقال له: يبدو أنك لم تنتبه إلى تلك الفقرة المتعلقة بمجلس الوزراء. فهو لا ينعقد إذا غاب ثلثه زائداً واحداً. والأهم أن حكومته تسقط باستقالة تلك النسبة. هذا هو جوهر الميثاق الجديد وهذه هي ضمانته، قال الحريري قبل نحو ربع قرن.
اليوم يكتشف الجميع عبقرية الرجل. كيف أنه خطف في لحظة «طائفية» كل السلطة في البلد والدولة والدستور، ولا من يغفل أو يسأل. يكفي أن نستعيد شريط الأحداث ما بين اليوم و22 آذار تاريخ استقالة نجيب ميقاتي. وهو شريط يعرض بشكل حرفي ودقيق كيفية تشكيل السلطة التنفيذية في لبنان، كما طريقة عملها، وصولاً إلى حالات سقوطها أو تداولها. ويتضح بسرعة من هذا الشريط أن ثمة مذهباً واحداً في لبنان، يملك أرجحية مطلقة في التحكم بهذه السلطة في مراحلها كافة، وحده ومن دون سواه من باقي المذاهب اللبنانية. فتمام سلام يقول بصراحة إن الدستور، أي «كارثة الطائف» نفسها أعطته بمفرده، ومن دون سواه من المسؤولين أو المراجع الدستورية، حق تشكيل الحكومة. أي حق تكوين السلطة الفعلية، كل السلطة في لبنان. وهو على حق في ذلك. إذ مهما تحايل رئيس الجمهورية أو رئيس المجلس النيابي في شد النصوص ذات الصلة أو مدّها أو «مطّها»، يظل ثابتاً أن السلطة يشكلها رئيس الحكومة المكلف، أي الممثل السني في النظام. للآخرَين ربما أن يعترضا، أو أن يعرقلا في أقصى الأحوال. لكن ليس بإمكان أي منهما دستورياً أن يساهم مساهمة ولو طفيفة، في كيفية تشكيل السلطة، وفق نص الطائف على الأقل.
أما بالانتقال إلى كيفية عملها، فيتضح أيضاً من حيثيات «الدستور الطائفي» أن كل وظيفة الحكومة أو مجلس الوزراء، وكل الآلية التشغيلية للسلطة الإجرائية في لبنان الطائف، معقودة اللواء حصراً لرئيس الحكومة أيضاً. أي لممثل السنّة في النظام مرة أخرى. وهذا ما تؤكده صلاحية وضع جدول مجلس الوزراء. وهي صلاحية مطلقة، لا جدوى كذلك من محاولة تأويل نصها أو تفسيره اجتهادياً. وحده ممثل السنّة يضع الجدول. ويكتفي رئيس جمهورية المراسم والأوسمة بالاطلاع عليه. مع حق طفيف للأخير بطرح أمور طارئة من خارجه. أما باقي المكونات اللبنانية مجتمعة، فلها في أبعد تقدير هنا أيضاً حق الاعتراض أو التجميد. لكنها لا تملك أي حق في المساهمة في كيفية عمل السلطة. هذا في النص، فكيف إذا أضيفت إليه ممارسة شخص مثل سهيل بوجي، وضعه أصلاً غير قانوني، للدلالة المقصودة ربما، على مدى الصلف في تجاوز حد السلطة، على طريقة: بلّطوا البحر...
تبقى مسألة وضع حد لحياة السلطة التنفيذية، أو إنهاء الحكومة، أو قرار تداولها. هنا أيضاً، صريح نص الدستور الطائفي على ست حالات تكون فيها الحكومة مستقيلة. وحده ممثل السنة في النظام، يملك بمفرده حق استخدام حالة من تلك الست، ساعة شاء وكيفما شاء. يستقيل، فتسقط الحكومة. فيما ليس بإمكان أيّ مذهب آخر أن يمتلك الحق الدستوري نفسه. حتى كل المسيحيين مجتمعين لا يملكون هذا الحق. فواقع الإتيان برئيس الجمهورية في ممارسة الطائف، من نادي الوسطيين «الفاترين إنجيلياً»، يجعل النصف المسيحي في مجلس الوزراء مشلعاً دوماً بين سيد بعبدا وأصحاب الأرض المسيحية. فلا يملك أيّ منهم ثلثاً زائداً واحداً، كالذي أشار إليه رفيق الحريري قبل ربع قرن.
هكذا، بمعزل عن ولادة الطائف في حاضنة الكونسورسيوم الأميركي السعودي السوري، وبمعزل عن ارتباطه التكويني بوصاية خارجية ضرورية لسد الفجوات الفاضحة في نصوصه التطبيقية، وبمعزل عن كون رئاسة مجلس الوزراء ترأس نحو 70 مؤسسة عامة تشكل كل الدولة... بمعزل عن كل ذلك، يكتشف «الطائفيون» اليوم مجدداً، أن السلطة في الطائف، ولادة ومساراً وموتاً، معطاة لمذهب واحد. واقع يفسر أن يكون الطائف منذ ربع قرن «طنجرة ضغط» لها ضابط واحد ومتنفسان. الضابط وصيّ خارجي، أكان في عنجر أم في عوكر أم بندر. أما متنفسها السفلي فحروب أهلية دائمة على السلطة. فيما متنفسها العلوي الوحيد، هو دينامية الدفع صوب إلغاء الطائف، وإلغاء الطائفية بالكامل، وإقامة دولة مدنية مفصولة كل مؤسساتها عن كل مؤسسات الدين. متنفس يهرب منه الجميع، مفضّلين عليه الوصاية أو حتى الدم. إنها العبقرية «الطائفية» بكل ما للكلمة الأخيرة من... معنيين.
