حدود التغيير في النظام والدولة: التحرّر من أثقال التأسيس أوّلاً

النوع: 

 

تمكّن النظام السياسي والاقتصادي في لبنان من النجاة على مدى مئة سنة من الولادة وسبعة وسبعين عاماً من الاستقلال، على الرغم من تكرار أزماته واطّرادها. و»الفضل» في ذلك يعود إلى الطائفية بوصفها عنصر حماية سياسية للسلطة، وإلى التسويات التي أعانته على قصوره الذاتي. لقد عطّل نظام تقاسم المصالح الذي أنشأه الفرنسيون مع إعلان دولة لبنان الكبير، الديناميات الاجتماعية التي يمكنها دفع الأمور قدماً إلى الأمام نحو نظام أكثر تطوّراً وحداثة. وقد جاء هذا التعطيل بالدرجة الأولى من خلال جعل الطائفية أقوى بكثير من الانتماءات الأخرى المناطقية والطبقية والمهنية والمؤسّساتية، بل إنّ الانتماء إلى الطائفة تمكّن بعد «اتفاق الطائف» من كسر ما يسمّيه ماكس فيبر العصبية البيروقراطية التي لا تستوي أوضاع القطاع العام ولا تستقيم أموره من دونها. لكنّ العامل الطائفي لم يكن مستقلّاً ولا مكتفياً بنفسه، بل تفاعل مع العوامل الاقتصادية والاجتماعية، التي ضخّمت الفروقات بين الجماعات، وجعلتها أرضاً خصبة للاستغلال السياسي. ولم يصبّ ذلك في مصلحة عموم أبناء تلك الجماعات كما يزعم، بل لحساب فئة قليلة جدّاً منهم. وكان أصحاب الأجندات الطائفية والتضليلية، هم الرابح الأكبر غالباً من بين السياسيين في جميع المراحل من الاستقلال إلى يومنا هذا.

مساومات قلقة

كانت استمرارية النظام السياسي في لبنان محكومة لمساومات عدّة ساعدته على الإفلات من طائلة التغيير الحتمي. بدءاً من المساومة الأولى التي أنتجت ميثاق عام 1943، فأعطت لبنان استقلاله، وصار نظام تقاسم السلطة بموجبها جزءاً لا يتجزّأ من كينونة البلد الناشئ وشرطاً لبقائه. حقّقت هذه التسوية مرادها في قيام دولة متحرّرة من أعباء الاندماج في المحيط العربي الأوسع، وتحظى بحرّيات اقتصاديّة واسعة وبنسبة أقل من الحريات السياسية، مع تركيبة اجتماعية تجمع على نحو مفارق بين التحرّر والانفتاح والانطواء والتمايز الثقافي والتمييز الاجتماعي والفئوي. كان الالتباس معمّماً في النظام الذي بُني عليه الكيان: توزيع السلطة على نحوٍ مثير للجدل، وليبرالية تجارية جمعت بين انفتاح مفرط على الخارج وانغلاق داخلي محكوم للاحتكارات ذات النفوذ، ونمو معطّل للتنمية ومحبط للتقدّم المستمر.

أدّت هذه المساومة إلى الشيء ونقيضه: ازدهار في العاصمة ومحيطها منحها مستوى معيشة مماثلاً لبعض دول جنوب أوروبا، وفقر في مناطق الأطراف يقرّبها إلى أوضاع دول جنوب الصحراء الكبرى الأفريقيّة. وكذلك توزيع طائفي يحقّق رضى الجماعات عن نفسها، لكن سرعان ما ينقلب إلى سخط للأسباب الاقتصادية والاجتماعيّة المذكورة تارةً، ولدواعٍ جيوسياسيّة تارةً أخرى. وقد حصل في خمسينيّات القرن الماضي أن حاول اليمين القوي في حينه استغلال اختلالات الصيغة لربط لبنان بأحد الأحلاف الغربية المستحدثة (حلف بغداد)، ما أدّى إلى احتدام الصراع الداخلي والوصول إلى حافّة الهاوية.

وهنا كانت المساومة الثانية، فبعد أحداث عام 1958 جرى التعامل مع ثلاث قضايا خلافيّة مع إهمال قضيّة رابعة. واقتضى ذلك: اعتماد موقف وسطي يضع لبنان شكلاً خارج الأحلاف والمحاور، وإصلاح الإدارة العامّة وتحقيق قدر من التوازن الطائفي في توزيع الوظائف العامّة، والعمل على تقويم اعوجاج الاقتصاد والإنفاق الاستثماري والاجتماعي الحكومي من دون المساس بركائز النظام الاقتصادي، أمّا القضيّة التي أُهملت فكانت إصلاح النظام السياسي الذي بقي موغِلاً في طائفيّته وغارقاً في انقساماته، التي مهّدت مع أشياء أخرى للحرب الأهليّة. انتهت تلك الحرب إلى مساومة ثالثة، هي «اتفاق الطائف»، الذي سعى إلى ترميم النظام من خلال صيغة جديدة «أكثر إنصافاً» لتقاسم الحصص الطائفية بدعوى أنّها مرحلة انتقالية تقودنا إلى نظام جديد. وللتعويض عن افتقار النظام الانتقالي للوسائل التي تكفل توازنه، أُطلق مارد المحاصصة والزبائنية والفساد من قمقمه، فابتلع النظام ودمّر الاقتصاد، وجعل الظلم الاجتماعي العابر للانقسامات الطائفية، بديلاً من الاختلال الطائفي والافتئات المناطقي الذي كان سائداً قبل الحرب. ومع ذلك، حظي لبنان بعد «الطائف» بشيء من الاستقرار الداخلي والوفرة الاقتصادية المؤقتة التي قامت على بركان المديونيّة المتراكمة، والقدرة الشرائية المفتعلة والمصطنعة. بقي هذا البركان خامداً زهاء ربع قرن، قبل أن ينفجر بفعل أزمات المنطقة والعقوبات الأميركية والإخفاق السياسي، وتحت وطأة الفساد والنهب وضرب أركان الدولة وإقامة دولة عميقة ذات غرف طائفية وسياسية محمية من كلّ أنواع المحاسبة والمساءلة والرقابة، وكلّ ذلك على حساب الإدارة العامّة التي بنيت أواسط القرن الماضي.

أيّ دولة؟

يدفع فشل المساومات السابقة وتعثّرها إلى التفكير بنوع آخر من المخارج إزاء المأزق الكياني، يفترض به أن يتحاشى تاريخاً طويلاً من الرهانات الخاسرة والخاطئة. ولا يجدي نفعاً محاولة العودة إلى الماضي «المشرق» للعثور على طريقنا نحو المستقبل، فإنجازاتنا التي يجب البناء عليها، جاءت من خارج المسرح السياسي التقليدي بل على الرغم منه، وتحقّقت بالتعارض مع ذلك الماضي ونماذجه المرجعية التي ما زال يحنّ إليها كثير منّا. ولنتذكر هنا أنّ الإجابة على سؤال عالق منذ نشأة لبنان بشأن دوره في المنطقة، وموقعه في صراعاتها، ونظرته إلى سبل ضمان أمنه القومي لم تأتِ من طريق المساومات والتسويات المذكورة أعلاه، بل من خلال الفعل التاريخي الذي بادرت إليه المقاومة من دون أن تلقي بالاً إلى تعقيدات الصيغة ومترتّبات التوافق، فأثمر ذلك تحريراً عام 2000 وانتصاراً عام 2006 ودحراً للإرهاب بعد ذلك. قد يفضّل بعضهم الانطلاق من السؤال المعتاد بشأن الدولة التي نريد: هل هي دولة مدنية أم علمانية أم لا طائفية أم توافقية أم...؟ إلّا أنّ ترتيب الخيارات على هذا النحو مثير بحدّ ذاته للانقسام وينطوي على بذور جديدة للشقاق الفئوي والأيديولوجي والعقائدي والثقافي، وسيفتح الباب أمام جدالات عقيمة لا نهاية لها ولا طائل منها. والتركيز على الهوية المعلنة للدولة وسرديّاتها الصاخبة، لن يفضي إلّا إلى تكرار توترات الماضي ولو بقوالب جديدة، فيما المطلوب الاتفاق على الدور الفعلي الذي ستؤدّيه الدولة والأهداف الرئيسية التي تريد أن تحقّقها.

وبقول آخر، يجب أن تكون المساومة الجديدة نقطة عبور إلى دولة حقيقية لا شراء مزيد من الوقت أو تعميق المحاصصة أو تفكيك السلطة ومؤسّساتها أو لقيام تفاهمات عابرة أخرى تمتصّ الغضب الشعبي قبل أن تعيد القديم إلى قدمه. والغاية المنشودة هي أن تكون الدولة قوية بما فيه الكفاية لقيادة مجتمعها نحو الغايات التي تريدها، وقادرة على مواجهة التحدّيات والمخاطر الداخلية والخارجية، والتموضع بصورة مؤثرة في موازين القوى، وصلبة بامتلاكها قطاعاً عاماً فاعلاً ومؤسّسات منتجة.

الكاتب: 
عبد الحليم فضل الله
التاريخ: 
الثلاثاء, فبراير 23, 2021
ملخص: 
حظي لبنان بعد «الطائف» بشيء من الاستقرار الداخلي والوفرة الاقتصادية المؤقتة التي قامت على بركان المديونيّة المتراكمة، والقدرة الشرائية المفتعلة والمصطنعة. بقي هذا البركان خامداً زهاء ربع قرن، قبل أن ينفجر بفعل أزمات المنطقة والعقوبات الأميركية والإخفاق ال