أي فكرة مشتركة تصلح لإدارة التعدّدية اللبنانية

النوع: 

 

وفق قواعد علم السياسة فإنّ الركن الأساسي في تكوين الدول ليس السلطة بكافة تنظيماتها ولا الأرض بمختلف أشكالها، إذ إن كليهما وُجدا لخدمة المجموعة البشرية التي تُقيم على هذه البقعة الجغرافية. وهذه المجموعة البشرية يقتضي لكي تصلح لتكوين ركن الشعب أن تكون متّصفة بخاصّتَي الثقافة المشتركة والتنظيم. فالثقافة المشتركة بين كافة المكونات هي الفكرة التي تربط بين الناس في مجتمعٍ واحد، وتثبت انتماءهم لهذه المجموعة، وهذه الفكرة قد تكون دينيّة (المذاهب والطوائف)، إتنيّة (القوميات والأصول)، علمية (التفوق الحضاري)، جغرافية (مقولة: بريطانيا هي جزيرة وكل الباقي يلحق)، تاريخية (التمسك بالحضارات القديمة: فرعونية، فارسية، فينيقيّة)، فلسفية (الشيوعية)... بالاستناد إلى معيار الثقافة، يمكن أن نجد ثقافة واحدة حاكمة أو تعدّد الثقافات في الدولة الواحدة، في الحالة الأخيرة يقتضي أن يكون هناك تنظيم قادر على إدارة هذا التنوع الثقافي وخلق فكرة مشتركة قادرة على جذب هذه الجماعات البشرية وتحقيق الالتحام في ما بينها حول هذه الفكرة بمعزلٍ عن الاختلافات الأخرى.

ولهذا كانت الدولة قائمة ليس على مجرّد فكرة وجود الشعب وإنما على وجود مجموعة إنسانية تتميز بالثقافة المشتركة والتنظيم، أما الدولة التي لا يكون لشعبها ثقافة واحدة جامعة، يُمكن أن توصف بأنها دولة ذات وحدة فاعليّتها غير مكتملة.

وهنا يأتي دور القيادة العليا التي يُفترض أن يكون هاجسها بناء الدولة والتخطيط لاستمراريّتها وقوّتها، وتطبيق هذا المنطق على الحالة اللّبنانية يفترض بالسلطات الدستورية أن تعمل على وضع الخطط اللازمة لإدارة التعدّد في المجتمع اللبناني وأن تعوّض الثغرة المتمثّلة بتعدّد الطوائف والمذاهب من خلال تقوية خاصيّة تنظيم هذه التعدّدية من خلال خلق فكرة مشتركة تجمع هذه الأطياف المختلفة، ولقد أوجدت وثيقة الوفاق الوطني فكرة العيش المشترك من خلال التوافق في التقرير أو القيادة الجماعية في سلطة القرار ومنع هيمنة فريق على آخر أو الغلبة أو القهر لمكوّن لبناني، وأضافت إليها فكرة إلغاء الطائفية السياسية التي لم توضع موضع التطبيق بل لم توضع أسسها لناحية خلق فكرة مشتركة يجتمع حولها جميع أبناء الطوائف.

لذا فإن كلتا الفكرتين لم تنجحا في إدارة التعدّد، فلا العيش المشترك جرى احترامه ولا إلغاء الطائفيّة جرى تنفيذها. ولم تتنبه السلطات الدستورية إلى أن فشل إدارة التعدّد سيعزّز مؤشّر انتهاء الدولة، لأنه في النظرية السياسية إذا كانت الثقافة ضعيفة فهذا مؤشّر على أن حياة الدولة سيكون قصيراً، وحتى ولو كان التنظيم قوياً واستخدم الإكراه في سبيل الحفاظ على وحدة دولة، فإنّه سيأتي الوقت الذي تتمزّق فيه أوصال هذه الدولة، وبالعكس فإنه إذا ما دعم الشعب فكرة وكانت الثقافة لديه متينة ومقبولة شعبياً وبصورة طوعية لا فرضاً وإكراهاً، فإن هذه الدولة تكون متينة وعصيّة على الهزيمة أو السقوط أيّاً كانت الصعوبات التي تواجهها.

وهكذا لا زلنا نبحث -نيابة عن الدولة- عن فكرة مشتركة تسمح بتنظيم الاختلاف في مكّون الشعب اللبناني، والسبب في أننا نعمل نيابة عن الدولة، أن السلطات الدستورية في الفترة الحالية والسابقة غير عائبة ولا مهتمة بالبحث عن حلول دائمة، بل ولا حتّى مؤقّتة، وهذا ما كشف عنه مقرّر الأمم المتحدة المعني بالفقر المدقع وحقوق الإنسان بعد اختتام زيارته لبنان بتاريخ 12/11/2021 عندما وصف المسؤولين اللبنانيّين، بأن: «ليس لديهم أي شعور بضرورة التحرّك العاجل أو العزم اللازم لتحمّل مسؤوليّاتهم إزاء أزمة اقتصادية أدّت إلى إفقار وحشي للمواطنين». وبحسب قول حسن الرفاعي إن الطّامّة الكبرى تكمن في رجال يعتدون على النصوص والمفاهيم الدستورية ويفسرونها وفقاً لأهوائهم. رجال يتقاتلون على المناصب ويتفقون على المكاسب عِوَض أن يعملوا بجدٍّ وتفانٍ من أجل حماية الوطن ورفاه أبنائه، فليس للقانون الدستوري من ضابطٍ سوى حسن نيّة الرجال الذين يطبّقونه، وأمانتهم (حسن الرفاعي، العلّة أوّلاً في الرجال، جريدة النهار 27 أيلول 2018).

وللأسف فإن هذه السلطات التي وقع الخلاف فيما بين أعضائها إلى حدّ الاختلاف، وتعمل دائماً على تعطيل المؤسّسات متناسية أن واجبها على حدّ قول المجلس الدستوري أن: «تحافظ على انتظام أداء المؤسسات الدستورية الذي هو أساس الانتظام العام في الدولة، وبمقتضاه فإن كل مؤسسة دستورية تقوم ودون إبطاء، بالمهام المناطة بها، ضمن الصلاحيات المعطاة لها (م.د. قرار رقم 7/2014 تاريخ 28/11/2014 الصادر بالطعن في قانون تمديد ولاية مجلس النواب).

الكاتب: 
عصام نعمة اسماعيل
التاريخ: 
الثلاثاء, ديسمبر 14, 2021
ملخص: 
إن الطّامّة الكبرى تكمن في رجال يعتدون على النصوص والمفاهيم الدستورية ويفسرونها وفقاً لأهوائهم. رجال يتقاتلون على المناصب ويتفقون على المكاسب عِوَض أن يعملوا بجدٍّ وتفانٍ من أجل حماية الوطن ورفاه أبنائه