كرم لـ"الجمهورية": لا يزال اللبنانيّون يفتشون عن "الطائف الحقيقي"
لا يجد السفير السابق سيمون كرم حرَجاً في الدعوة إلى تطوير "وثيقة الوفاق الوطني" للانتقال من "الطائف الزائف" إلى "الطائف الحقيقي"، عارضاً للخلل البنيوي في هذا الاتّفاق المتمثل ببند "العلاقات المميّزة"، مقترحاً جملة خطوات إصلاحيّة تؤدّي في حال اعتمادها "إلى شيء أكثر استقراراً في حياتنا الوطنية".
* هل اتّفاق الطائف قابل للتطبيق؟
- تختزن مناقشة اتّفاق الطائف قدراً بالغاً من الحساسية في اللحظة التي تمرّ بها البلاد.
هناك تلاقٍ واسع بين معظم القوى السياسية ومن منطلقات مختلفة وأحياناً متناقضة، إنّ ما أجرِيت بموجبه الأحكام بين 1990 و2005 علاقته ضئيلة وأحيانا معدومة مع ما نصّ عليه اتّفاق الطائف وما أجراه المشترع مجرى الدستور إن في النص أو النيّة.
ربيع 2005 بمأساته المفجّرة لكلّ انواع الوعود، اعاد فتح الابواب التي لم توصد يوما. القوى السياسية والجموع الشعبية التي التأم شملها بصعوبة خلال تلك الاسابيع التحوّلية بين منتصف شباط والرابع عشر من آذار، كان القلق والتوجّس يغلّف نواياها اكثر ممّا كانت تجمعها برامج نهضة وطنية مشتركة، او هكذا برهنت التطوّرات منذ انقضاء ذلك الزمن وأحلامه.
ولكنّ الناس صدّقوا آنذاك انّ وحدةً ما تحقّقت فاستجابوا وصنعوا لحظة 14 آذار 2005 الفريدة، بعد ذلك كان على اللبنانيين جمهوراً وطبقة سياسية ان يتدبّروا أمور البلاد بالاتّكال على انفسهم للمرّة الاولى منذ زمن.
أوّل انكشاف لتلك الهشاشة جاء عندما لم تجد القوى التي قذفتها الجريمة بعنف خارج حضن الرعاية السورية ملاذاً لمصالحها السياسية سوى بالعودة سريعاً الى إطار "التحالف الرباعي" الذي طالما كرّس تلك الوصاية على الحياة السياسية في البلاد.
ثمّ اكتملت الصدمة النفسية التي فجّرت حدّة "انتفاضة الاستقلال" باعتماد قانون الانتخاب الاكثر التصاقاً بهذه الوصاية والاكثر تعبيراً عنها.
لكنّ سلطةً قامت عبر كلّ ذلك والتأمت، على رغم اعتراض مسيحيّ صارخ وإحباط ظلّ صامتاً للجمهور الواسع المتعدّد الانتماءات والمتطلّع الى شيء من الحداثة، والذي ظنّ انّه صنع المصير الوطني في 14 آذار.
* هل المقصود أنّ اللبنانيين أضاعوا فرصة الخروج السوري من لبنان؟
- الانسحاب السوري ترك فراغاً على مستوى انتظام عمل المؤسسات الدستورية، ولكن أيضا على مستوى ضبط قوى سياسية رئيسية نشأت وترعرعت في كنفه.
ولكنّ الانسحاب السوري لم ينتج فراغاً جامدا أو هادئا، بل تمخّض عن صراع سياسي عنيف انغمست فيه اطراف خارجية عديدة دولية واقليمية.
سوريا المهزومة في لبنان سارعت لتأخذ مكانها في الصراع الناشب، وقد زادته حدّةً بتعميق تحالفها مع ايران المندفعة بقوّة الى المشرق بعد ان تخلّصت بفعل السياسة الاميركية من ثلاثة كوابيس استراتيجية في أقلّ من ربع قرن.
الواقعية السياسية تقضي القبول بأنّه سوف يكون من الصعوبة بمكان تصوّر عودة لبنان الى استقرار أمنيّ وسياسي معقول بمعزل عن الوجهة التي سوف يأخذها صراع المحاور هذا والنتائج التي سوف يتمخّض عنها خاصة فيما يتعلق بمستقبل الصراع العربي الاسرائيلي، ولكن أساساً في مجرى علاقة لبنان بسوريا.
"الطائف الحقيقي" في هذا المجال لا يزال اللبنانيّون يفتشون عنه، محاولين هنا أيضاً إقناع ذواتهم بأنّ ما جرى مجرى الاحكام في ربوعهم لم يكن إلّا ذلك "الطائف الزائف"!
ولكنّ سوريا المفطومة عن لبنان والتدخّل الناظم والحاسم في إدارة صيغته السياسية تترك فراغاً وتترك صراعاً. أمّا الفراغ فهو في صلب صيغة الطائف الذي نصّ في مقطعه الرابع على "العلاقات المميّزة" بين لبنان وسوريا.
هذا المفهوم الجذري في تصوّره وصياغته للعلاقات بين البلدين ولميزان القوّة بينهما، هو الذي جرى تطبيقه على ارض الواقع السياسي بأشكال لا تقلّ جذرية، ليس فقط على مستوى الاتفاقات التي عقدت بين الحكومتين، وإنّما في كلّ مفاصل ممارسة الحكم في لبنان.
للعبرة فقط، الصدع الذي تعرّضت له علاقات لبنان مع فرنسا عندما أدّت أحداث 1943 – 1946 إلى انهيار الانتداب استغرق ردمه سحابة العقدين حتى أواسط الستّينات حيث كان الرئيس شارل حلو وليس فؤاد شهاب - رغم حرارة سياسته الفرنسية ومعرفته الشخصية القديمة بالرئيس ديغول - هو أوّل رئيس لبناني يقوم بزيارة رسمية الى باريس. بادره الرئيس الفرنسي العارف بانتمائه القديم إلى الكتلة الدستورية: "كيف حال الاستقلال، فخامة الرئيس"؟ كان الاستقلال قد بدأ يترنح...
آملين أن لا يطول الى هذا الحدّ حديثنا مع سوريا حول البديل عن "انتدابها": وهو يجب ان يتطرّق بالأولوية الى الحدود التي لم ترسم يوماً وضرورة تحديدها وإزالة الأدران السياسية والامنية الجاثمة عليها برعاية اجهزة دمشق، وهذا ربّما اقتضى انتشاراً دوليّاً مرحليّا يسهّل على الجارين اللدودين أمرهما. وإلى الامن وضرورة استتبابه في البلدين عبر تنسيق يقوّض البنى الاستخباراتية السورية التي تجوّف أمن لبنان. ثمّ الاقتصاد حيث التداخل هو مفتاح الازدهار. وأخيراً إلى السياسة حيث التوافق ممكن على عدم التدخّل المتبادل!
* ماذا عن سلاح "حزب الله"؟
- "حزب الله" فيما يتعدّى برنامجه المحلّي يجسّد على الارض اللبنانية وبمواطنين لبنانيين مسألة أنّ "المقاومة" اصبحت واحداً من مكوّنات الهويّة الاسلامية في عالم ما بعد الحداثة وما استدعته العولمة من انفجار الهويات الثقافية، وسعيها لتأكيد ذاتها في وجه تيار الحداثة الغربية وطروحاته في السياسة والاقتصاد والاجتماع.
هذا السعي المسلّح في الحالة اللبنانية، يتعدّى قضية الاراضي المحتلة في لبنان وحتى في فلسطين. مستقبل لبنان على هذا الحدّ الفاصل يتوقّف على قدرة اللبنانيين، بما فيهم حزب الله، على السير على خط رفيع يفصل بين القبول الواقعي بهذه الحقيقة وبين حرّية من لا يشتركون بها أو يقبلون بمنطلقاتها ونتائجها من المسلمين والمسيحيّين على حدّ سواء.
هؤلاء يشكّلون معظم الشعب اللبناني وبينهم أعداد وافرة من المسلمين الشيعة ممّن يحبّذون انخراط بلادهم في العالم المعولم، ويحبّذون مجتمعاً يعيش الحداثة وما بعدها، هؤلاء يدافعون عن طموحهم ببلد يتمتّع بالاستقرار الاجتماعي والسياسي والاقتصادي بالصراعِ السياسيّ، والأمل ان لا يأخذهم السلاح الى السلاح!
إنّ التعثّر في قراءة هذه الأبعاد والثنايا يؤدّي الى السقوط مجدداً في جحيم الحرب الاهلية، وما انفجار السابع من ايّار إلّا نموذج عن خطورة الإخلال بكلّ هذا...
* هل يتطلّب الطائف تعديلاً أم تطبيقه أوّلا ومن ثمّ معالجة الثغرات؟
- ضمن إطار مسؤوليات النضج، وفي إطار سعينا الدؤوب وراء "الطائف الحقيقي" سوف يتعيّن علينا بدايةً اعتماد مبدأ التطوير لإعادة توازن المؤسّسات الدستورية الى داخل الدستور، ونقطة ارتكاز الدولة الى داخل الدولة.
المدخل المنطقي لإحداث الإصلاح المزيل لهذا الخلل البنيوي، هو قبول القوى السياسية المتصادمة بضرورة تطوير الطائف انطلاقاً من الخطوط العامّة التي طرحها الاتفاق، محاولاً استدراك ترتيبات الضرورة المنتجة لأزمته الدائمة.
ذلك انّ التوافق على مبدأ إصلاح الخلل عبر التطوير هو التتمّة المنطقية لقبول القوى السياسية أو معظمها بالطائف أساساً للصيغة السياسية حتى لو كان هذا القبول لفظيّاً لدى البعض منها، ويضمر الرغبة بإحداث تغيير واسع في اتّجاه الماضي أو المستقبل على حدّ سواء.
* ما الخطوات الإصلاحية التي تقترحها؟
- واقعيّاً، هناك ثلاث خطوات تقع كلّها ضمن عنوان تطوير اتّفاق الطائف من ضمن خطوطه العامّة، وتصبّ في إطار تصويب حال الدولة اللبنانية لجهة إعادة مؤسّساتها على سويّةٍ طبيعية، وتراعي "شياطين الصيغة" فلا تستفزّها وتسقط أمام غضبها.
يقع في باب تطوير الطائف اعتماد خطوات قانونية محسوسة لإقرار اللامركزية الإدارية الموسّعة، بما يعطي الجماعات اللبنانية المختلفة طائفية كانت مناطقفية سيطرةً اكبر على مقدّراتها الادارية والاقتصادية، وأيضا السياسية الداخلية أو المحلية.
ولعلّ الخطوة الاكثر وقعاً على هذا الصعيد هي إقرار قانون بلديات متطوّر يحقّق هذا الهدف، واعتماد النسبية شرطاً لا نقاش فيه في الانتخابات البلدية، بما يحفظ حقوق الأقلّيات المتمايزة - وهي مبدئيّاً أكثر حداثة - داخل الطوائف والعشائر والمناطق، ويُخضع – وهذا الاهم- اللبنانيّين الى ضرورات العمل المشترك في المؤسّسات القائمة على اوضاع الارياف، بما يُضعف تدريجاً تناحر الحزبيات ونظرتها الإلغائية.
الخطوة المتقدّمة في هذا المجال تكون في إقرار السلطات المناطقية وصلاحياتها ضمن إطار اصلاح اداريّ واسع صار مُلحّاً نظراً لحالة الركام الشامل الذي اصبحت عليه الإدارة اللبنانية، وانعدام فاعليتها في ضبط الحدّ الادنى ممّا يفترض بها السيطرة عليه من احوال البلاد والعباد.
الإصلاح الاكثر تقدّماً، ولكن الاكثر حساسيّة الذي يتطلبه السير في مجال تطبيق اتّفاق الطائف على هدى التطوير هو قيام مجلس للشيوخ يتقاسم مع مجلس النوّاب مسؤولية التشريع على قدم المساواة. ولا "تنحصر صلاحياته في القضايا المصيرية" (نصّ الطائف)، حيث إنّ المضمر في هذه الصياغة هو الرغبة في تهميش هذه الصلاحية، وبالتالي الموقع المزمع ومشاركته المتوقّعة في صياغة الحياة السياسية.
الأجدى ان يقوم مجلس الشيوخ على اساس المشاركة الكاملة في التشريع، والمناصفة بين المسلمين والمسيحيّين، والتساوي بين المناطق التاريخية التي قام على اساسها لبنان.
وأن يتقاسم مجلس الشيوخ هذا مسؤولية التشريع مع مجلس النواب المنتخب خارج القيد الطائفي. وهنا يقع التطوير موقع الإصلاح المؤثّر والكبير.
المشهد المرجوّ هو قيام مؤسّستين تتقدّمان الى اهل البلاد طلباً للصدقية والاستقطاب وتسعيان الى صدق التعبير عن هموم اللبنانيين وتطلعاتهم.
سلوك كلّ واحدة وأداء أعضائها سوف يحدّد أيّاً منهما، المؤسّسة القائمة على اساس القيد الطائفي أو المتحرّرة منه، سوف تكون الأصدق تعبيراً عن نبض الناس، والأوسع استحواذاً على المصير الوطني، والأعمق تحديداً لمستقبل البلاد.
وقد يكون من المبكر نظراً لجسامة المطلوب التطرّق الى الجوانب القانونية كمثل أسس الانتخاب لكلّ من المجلسين، وتفصيل المناطق الانتخابية ونسب التمثيل، ورئاسة هذه المجالس وغيرها من المواضيع الكبيرة.
ولكن إحداث هذا الإصلاح العميق سوف يؤثّر على بداية مسيرة "الطائف الحقيقي" بالانتقال التدريجي للبلاد الى حال اللاطائفية، وذلك على رغم ضبابية المفهوم وغياب القوى السياسية الدافعة في هذا الاتجاه.
* هل يجب أن تشمل الإصلاحات رئاسة الجمهورية؟
- فيما يتعدّى التعاطف مع محنة أوّل رئيس يحاول ممارسة دوره من دون صلاحيات وسلطة وصاية داعمة، يجب الإقرار بأنّ تجريد الرئاسة من ابسط صلاحياتها يرتبط عضويّا ولا يقلّ جذريّة عن ما جرى فرضه في مجرى العلاقة مع سوريا وعاشت البلاد في ظلّ عسفه حتى ربيع 2005.
غير أنّ احوال المؤسسات تحت سقف الطائف لن تستقيم، اذا لم يُعَد الى رئيس الدولة الكمّ اللازم من الصلاحيات التي تخوّله التأثير على مجلس النواب بإعطائه الحقّ بحلّه في حالات معينة، وعلى الحكومة عبر إقالتها في حالات أخرى، إضافة الى حقّ الاعتراض المؤثر على بعض القوانين والقرارات. هذا يتيح للرئيس إطلاق الإجراءات الدستورية التي تكفل ان تحسم الخلافات، لا بل الصراعات داخل مؤسّسات الدولة وبموجب احكام الدستور.
* هل تعيد هذه الإصلاحات الاستقرار إلى الحياة السياسية؟
- ربّما أدّت هذه الخطوات في حال اعتمادها إلى شيء أكثر استقراراً في حياتنا تجاه اتّفاق الطائف الذي راسخا كان أو مرحليّا زائفاً أو حقيقيّا، مقفلاً أو مفتوحاً على التطوير، فإنه يشبه اللبنانيّين الذين ينظّم حياتهم السياسية وحدة في طور الولادة، وهوية في طور التشكّل، ومستقبل مفتوح على كلّ الأخطار والوعود.
