القوات اللبنانية عن جريدة المستقبل
في يوم واحد، وبتناغم سبقه الضرب على ايقاع واحد، طلع علينا اثنان من قادة الأقلية النيابية بنظرية مستحدثة عن "اتفاق الطائف". أحدهما رئيس حركة "أمل"، رئيس مجلس النواب نبيه بري بقوله ان "الثلث المعطل" ليس غريبا عن "اتفاق الطائف" بل هو في صلبه وفي روحه، والثاني رئيس كتلة "حزب الله" النيابية محمد رعد بحديثه عن ضرورة التوافق على مضمون هذا الاتفاق قبل أي كلام على التزامه أو تنفيذه.
والنظرية هذه، لإنعاش الذاكرة، تأتي بعد عشرين عاما بالتمام والكمال على ولادة الاتفاق في مدينة الطائف السعودية ثم إقراره من مجلس النواب اللبناني في العام 1989 .
لسببٍ ما، يكرر المسؤولون السوريون أنهم لا يتدخلون في الشأن اللبناني، وأنهم مع "اتفاق" اللبنانيين، فيما الإعلام السوري يواكب ما يجري في لبنان منذ ما قبل الانتخابات النيابية بحملة منسقة على الدولة والنظام والرئيس المكلف، فـ"يبشّر" تارةً بانفجارات أمنية في البلد على خلفية الأزمة السياسية الحكومية، و"يتنبأ"، تارة أخرى وبشكل استباقي، بالخطوات والمواقف التي ستتخذها قوى الأقلية في التعاطي مع الأزمة الحكومية.
يلتزم نص اتفاق الدوحة "مبادئ الدستور اللبناني واتفاق الطائف". هذا يعني أن اتفاق الدوحة يخضع من الناحية النظرية للمرجعية الدستورية التي يمثّلها اتفاق الطائف، في حين أن الجدوى العملية من اتفاق الدوحة تبقى مرهونة بقدرته على الخروج من النفق المظلم، المتمثّل بتعطيل المؤسسات الدستورية ثم تفريغها، والتنكيل برجالات الاستقلال الثاني ثم بذل كل جهد لإعاقة مسار الحقيقة والعدالة.
لم ينس اللبنانيون، الذين لم يفقدوا ذاكرتهم بعد، أن مطلب تعديل الدستور لم يطرح في الغالب الا عندما كانت تبرز لدى البعض مصلحة شخصية، أو آنية، في طرحه: انتخابات رئاسة الجمهورية، تجديداً أو تمديداً. حدث ذلك أربع مرات على الأقل في تاريخ لبنان الاستقلالي، انتهت واحدة منها بتجديد لم يعش الا لفترة قصيرة (بشارة الخوري) واثنتان بالتمديد لفترة ثلاثة أعوام (الياس الهراوي واميل لحود) بينما أدت الرابعة، من دون تجاهل عوامل أخرى اقليمية ودولية، الى ثورة شعبية (كميل شمعون) كانت قد سبقتها انتخابات نيابية أسقط فيها معظم قادة البلاد.
مدهش هذا التوافق الواسع النطاق بين القوى السياسية، ما عدا «حزب الله»، على مرجعية إتفاق الطائف (من دون أن يطرح الحزب نفسه كحركة «أنتي طائف» على نحو منهجي ومعلن)، في مقابل قلّة الإتيان على ذكر الطائف في كل هذه المعمعة المتّصلة بقانون الإنتخاب الجديد، والتي تعقب ربع قرن من الإستعصاء الحقيقي بشأن بلورته، والإستعاضة عنه طيلة هذه المدّة إمّا بقوانين إعتباطية المعايير على نحو فاضح، وإمّا بالرجعة إلى قانون الستين، الذي يتميّز عنها بإقترابه من وحدة المعايير، وإمّا بالإستغناء عن الإنتخاب لمدّة أو مدّتين، بتمديد المجلس لنفسه، بذريعة إخفاقه في سنّ قانون جديد للإنتخاب.
قبل عصام أبو جمرة لم تكن ثمة مشكلة دستورية اسمها صلاحيات نائب رئيس الحكومة. أسلافه الأرثوذكس لم يفتحوا الموضوع بهذا الشكل الصدامي، لعلمهم أن الأمر يرتبط باتفاق الطائف الذي أنهى الحرب، وأن تعديل هذا الاتفاق، إذا لم يتم بالتوافق، فإنه يشرّع البلاد على أجواء الحرب من جديد، لكن الأمر عند كتلة التغيير والإصلاح مختلف، ذلك أن ميشال عون ليس زعيماً مسيحياً عادياً ـ في ما يعتقد ـ، بل هو البطريرك السياسي للمسيحيين، وحامي حقوقهم في سائر المشرق.