مقالة

حديث "الفيدرالية" يعود إلى السطح في لبنان.. فهل تنجح؟

 

الفيدرالية هي الحل".. وسم (هاشتاغ) يكبر يوما بعد يوم في الفضاء الافتراضي اللبناني، وذلك من خلال منصات التواصل الاجتماعي التي تعكس مزاج المجتمع اللبناني.

فمنذ احتجاجات "17 تشرين" (أكتوبر)، وهي الانتفاضة الشعبية التي اشتعلت قبل عام ونصف وأدت خلال أيام معدودة إلى إسقاط الحكومة، توسع الحديث في العديد من الشرائح عن الخلافات الجوهرية التي تقسم اللبنانيين عاموديا، وتجعل من الحياة الوطنية مسألة شديدة التقلب، خصوصا أن النظام الطائفي اللبناني يحول دون نشوء مواطنية لبنانية من خارج القيود الطائفية، بالتالي فإن الانقسام السياسي، يتجلى أيضا من خلال الانقسام الطائفي، وحتى المناطقي.

البلد يتلاشى وإعتذار الحريري قد يفضح العهد!

 

ثمة سُبات عميق يُخيّم على السلطة السياسية حتى يكاد يُلغي منطق الدولة وأجهزتها وقوانينها وصولا الى السيادة الوطنية.

لأول مرة يشعر اللبنانيون أن بلدهم يتلاشى، في ظل هروب القيادات السياسية من تحمل المسؤولية أو المنافسة في رميها على بعضهم البعض، وإمعانهم في الدفع نحو مزيد من الأزمات والمآسي، وسط عجز واضح عن إمكانية تشكيل حكومة تستطيع القيام بالحد الأدنى من الانقاذ، حيث أن "شعب لبنان العظيم" يكاد يلفظ أنفاسه الأخيرة، فيما يرفض رئيس الجمهورية ميشال عون التوقيع على مراسيم تشكيل أي حكومة لا تحقق مصالح تياره السياسي ورئيسه النائب جبران باسيل.

أوهام "التقسيم" وأخطاء اللبنانيين التاريخية

 

بعض اللبنانيين الذين اعتقدوا أنهم قد يحصلون على دعم إدارة ترامب لتحقيق أحلام الانفصال والكونتونات الطائفية لا يفهمون الجغرافيا والجيوبوليتيك ولا يتقنون الاستفادة من عبر التاريخ.

تزامناً مع كلّ أزمة سياسيّة، تطلّ بعض الأصوات اللبنانية، وخصوصاً المسيحية، لتطالب بتقسيم لبنان تحت مسمى "الفيدرالية" التي وصلت بالبعض إلى تسويق خريطة المتصرفيّة، للقول إن "لبنان الكبير فشل بحدوده وصيغته الحالية"، وبالتالي على المسيحيين المطالبة بكيان أصغر والانفكاك عن الوطن "الأم".

الفيديرالية في لبنان مشكلة وليست حلا

 

في كل مرة يتهدد فيها العيش المشترك في لبنان بسبب هيمنة فريق على مقدرات الدولة وفرض استراتيجية عليها تتخطى لبنان وتهدد وجوده، يتم اللجوء الى طرح الفيديرالية كصيغة تضمن لكل طائفة من الطوائف الكبرى ادارة شؤونها وفق تطلعاتها وثقافتها ما يحول دون فرض ارادة الغير وتقاليده وثقافته عليها. هذا ما حدث اثناء الحرب التي عصفت بلبنان في العام 1975 عندما هيمنت منظمة التحرير الفلسطينية على اجزاء كبيرة من لبنان، وهذا ما يتكرر اليوم مع تعاظم نفوذ "حزب الله" وعزلة لبنان، وسوء ممارسة السلطة بسبب عدم التقيد بأحكام الدستور والامعان في تشويه المفاهيم التي بُني عليها.

الوصفة القاتلة للجمهورية

 

الدستور اللبناني هو العقد بين اللبنانيين وهو تحت مظلة الميثاق الوطني، يحدد الدولة واراضيها، وحقوق وواجبات اللبنانيين، كما يحدد السلطات، والاحكام التي تتصرف بموجبها.

سياسيو هذه الايام ومنذ ما بعد اتفاق الطائف خرجوا بوصفة لا مثيل لها على الكرة الارضية، مخالفة لاحكام الدستور جملة وتفصيلاً، وهذه الوصفة بطبيعتها قاتلة للجمهورية بكل المقاييس، وفعلت فعلها في المجتمع اللبناني فحولته الى مجتمع متخلف، بعيد عن المساواة بين المواطنين يتحكم به التمايز والتفضيل.

هذه الوصفة هي «ان الرئاسات الثلاث يقتضي كل منها ان تكون لمن يتمتع بالاكثرية في طائفته».

رؤساء الحكومات السابقون لن يسموا بديلاً للحريري

تفويض عون للصهر بمشاورات التأليف يلقى استغرابًا دبلوماسيًا

 

تقول مصادر دبلوماسية، عربية وأوروبية، في لبنان إن رئيس الجمهورية ميشال عون قرر أن ينأى بنفسه عن التدخُّل في المشاورات الجارية لإخراج عملية تأليف الحكومة من التأزم المديد الذي لا يزال يحاصرها. وتنقل عن عدد من السفراء العرب والأجانب ممن يلتقونه من حين لآخر أنه يتجنب الخوض في ملف تأليفها، والأسباب التي تعيق ولادتها، وإن كان يضطر أحياناً إلى الإجابة عن أسئلتهم بمواقفه المعتادة، محملاً الرئيس المكلف سعد الحريري مسؤولية تأخيرها، متذرعاً بوجود موانع خارجية تحول دون تشكيلها.

الـ(12-12) صيغة مناصفة... تسقط المثالثة فتولد الحكومة

 

بعد كل المحاولات الفاشلة وعمليات الإفشال المتبادلة والناجحة، حان الوقت لأن يفهم ويتفهّم ويقرّ الأفرقاء السياسيين، الذين سيشكلون معاً الحكومة العتيدة، بأن تشكيل حكومة (8-8-8) تحديداً، يرأسها الرئيس سعد الحريري خلال الفترة المتبقية من ولاية رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، وللأسباب التي جعل منها رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل "قضية" دستورية طائفية، ليس سوى أضغاث أحلام تراود الساعين إليها والمروجين لها.

أمام هذه "الحقيقة المعطِّلَة"، فإن السؤال الأول الذي يفرض نفسه، وإجابته ضمنه، هو:

أطلبُ حلًّا لا تسوية

 

يجتازُ لبنانُ أزمةً وجوديّةً بموازاةِ أزَماتِه المتعدِّدةِ تَستدعي أن نقاومَها ونَهزِمَها لئلّا يَتفكّكَ المجتمعُ اللبنانُّي ذاتيًّا من دون حاجةٍ إلى قرارٍ سياسيّ. صار لهذه الأزمةِ الوجوديّةِ ديناميّةٌ خاصّةٌ بها، ومسارٌ نفسانيٌّ مستقلٌ عن مسارِ الأزَمات الأخرى. اللبنانيّون ليسوا سعداءَ في حياتِهم. اِسْأَلُوا وجوهَهُم ووجومَهُم. اِسْأَلُوا عيونَهم ونظراتِهم. اِسْأَلُوا صَمتَهم وتهيبّوا غضبَهم. أفْقَدوهم مشيئةَ الحياةِ ليُحبِطوا إرادةَ الثورة، إذ لا ثورةَ من دونِ قابليّةِ الحياة. حتّى أنَّ الاستشهادَ هو دفاعٌ عن الحياة.

شعارات الفدرالية أو المؤتمر التأسيسي تُعيق استعادة السيادة للبنان: حذارِ

 

من حقّ كلّ مواطن ومفكّر أن يقدّم أفكاره ورؤيته للخروج من الحالة الراهنة والمأزق المرير الذي يعيشه لبنان.

أنا أحترم كلّ رأي بما في ذلك آراء المفكّرين القريبين من حزب إيران الذين يطالبون بعقد مؤتمر حوار وطني تحت عنوان المؤتمر التأسيسي. لكنّني أحذّر من مثل هذه الأفكار، ولا سيما في هذه الظروف القائمة، ونتيجة الواقع الإنقسامي الحاد السائد في البلاد.

الصفحات

اشترك ب RSS - مقالة